كتاب النكاح من صحيح البخاري 64

كتاب النكاح من صحيح البخاري 64

الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 64، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

باب الصفرة للمتزوج في صحيح البخاري

يشرح المقطع حديث «الصفرة للمتزوج» الذي رواه عبد الرحمن بن عوف، مبيناً أن الصفرة مختصة بالمتزوجين وقد تكون حناء أو زعفران. ويستعرض سند الحديث عبر مالك بن أنس وحميد الطويل عن أنس بن مالك مع ملاحظات حول سماع حميد من ثابت البناني.

حكم استعمال الرجل للحنة والصفرة عند الزواج

يناقش المقطع حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وزواجه بوزن نواة من ذهب، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوليمة. ثم يستعرض خلاف العلماء في جواز استعمال الرجل للحنة أو الصفرة، فجمهور الشافعية والحنابلة يمنعون ذلك لتشبهه بالنساء، بينما مال البخاري وبعض أهل العلم إلى جوازه للمتزوج.

أحكام صبغ الشيب بالحناء والكتم ومشروعية المهر

يجوز للرجل صبغ لحيته ورأسه بالحناء أو الكتم أو الصفرة اتباعاً للسنة ومخالفة لأهل الكتاب، ولا يضر اصفرار اليدين منه. وفي المهر، يجوز للغني أن يزيد فيه كما فعل عبد الرحمن بن عوف، بينما يقتصر الفقير على قدرته، ويستحب إقامة الوليمة ولو بشاة.

الإشارة إلى تفصيل حكم الوليمة في الأبواب اللاحقة

يوضح المؤلف أن تفصيل حكم الوليمة سيُذكر في أبواب لاحقة، ويكتفي بالإشارة الموجزة في هذا الموضع. وينتقل بذلك إلى استكمال ما يتعلق بآداب النكاح وأحكامه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، قائد الغر الميامين، عليه الصلاة والسلام. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب الصفرة للمتزوج». رواه عبد الرحمن بن عوف عن النبي عليه الصلاة والسلام: «الصفرة للمتزوج». عمن يستعمل شيئاً مما يصفر اليدين أو الرجلين، فقال: «للمتزوج». قيدها بالمتزوج، والظاهر يريد أنه خاص بالمتزوج، أما غير المتزوج فلا يفعل الصفرة. ومراد هنا بالصفرة إما حنة أو تزعفر أو نحو ذلك، والظاهر أنه أصابه شيء من الحنة من أثر زوجته. قال رحمه الله: حدثنا عبد الله بن يوسف، وهو التنيسي الدمشقي، قال: أخبرنا مالك، وهو ابن أنس، إمام دار الهجرة، مالك بن أنس الأصبحي، هو عبد الله. وهذا الحديث الموطأ، ويروي البخاري حديث الموطأ من طريق غالبيها من طريق عبد الله بن يوسف. قال: عن حميد الطويل، حميد بن قيس، حميد الطويل البصري، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. وحميد لم يسمع كثيراً من أنس، وإنما سمع حديثاً يسيراً، لكن قال بعض أهل العلم كعلي بن المديني وغيره، وأحمد: إنه سمع حديث أنس من ثابت البناني، وثابت يعتبر صهر حميد الطويل، أو ثابت متزوج على أخته. قال: عن حميد الطويل عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أن عبد الرحمن بن عوف جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه أثر صفرة، فسأله رسول الله: «ما هذه الصفرة؟» قال: «ليست صفرة، وإنما أثرها». فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال: «كم سقت إليها؟» قال: «وزن نواة من ذهب». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أولم ولو بشاة». وسيأتي بعض فوائد هذا الحديث لما سيأتي من الأبواب. ووجه الشاهد هنا قوله: «به أثر صفرة». وكأن الإمام البخاري مال إلى جواز الصفرة أو الحنة أو غيرها للرجال إذا أراد أن يتزوج، وإلا فقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن التزعفر للرجال، وإنما التزعفر أي استخدام الزعفران يكون للنساء. وأيضاً كذلك استعمال الصفرة فيه تشبه بالنساء، وأنه استعمال الحنة عند كثير من أهل العلم. لكن إذا كانت هذه الحنة علاجاً فهو يجوز إذا كانت لأجل العلاج، أما إذا كانت للزينة فتتزين بها المرأة وليس الرجل. ولهذا عند أكثر العلماء من الشافعية والحنابلة أنه لا يجوز للرجل أن يستعمل الحنة؛ لأن فيه تشبهاً بالنساء، يعني يستعملها في يديه ورجليه، ولو لم يكن نقشاً، يعني حتى إذا لم يكن نقشاً، مثلاً يكون مثلاً يضعها في يديه. وأجاز بعض أهل العلم للمتزوج، مثل ما يفهم من كلام البخاري أو من تبويب البخاري رحمه الله، على أنه يجوز للمتزوج أن يفعل ذلك. والظاهر من الحديث كما ذكرنا أنه لم يفعل هو الحنة، وإنما الظاهر اكتسبها من زوجته؛ لأنه قال: «وبه أثر صفرة». إما أن يكون هذا الأثر من زوجته، أو أنه فعله وبقي أثره، والاحتمال وارد: إما أنه فعل ذلك بنفسه ثم بقي أثره، أو أن هذا الأثر أحياناً يبقى في اليدين لأجل ما يفعله الإنسان في رأسه ولحيته. فيجوز للرجل أن يضع الحنة في لحيته وفي رأسه، يعني يغير الشيب، وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام بتغيير الشيب، وقال: «غيروا هذا الشيب بالحناء والكتم». وقال أيضاً: «اصبغوا بالصفرة، فإن اليهود والنصارى لا يصبغون». فحث النبي صلى الله عليه وسلم على مخالفتهم في الصبغ، أن الإنسان يصبغ لحيته أو رأسه، فقد يبقى أثر صفرة في يديه، فهذا لا يضره، وليس أنه محرم أو نحو ذلك. لكن من يفعل هذه في يديه ورجليه لأجل التزين، فإن هذا غالباً تشبه بالنساء. ثم ذكر في هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبره عبد الرحمن أنه تزوج امرأة من الأنصار، قال: «كم سقت إليها؟» أي: كم أعطيتها مهراً؟ فقال: «وزن نواة من ذهب»، وهو ذهب كثير. وقد ذكرنا قبل أن النبي عليه الصلاة والسلام لم ينكر على عبد الرحمن بن عوف هذا المهر الكثير، وأنكر على بعض الأنصار لما أعطى امرأة هذا أو نواة من ذهب، وقال: «كأنكم تنحتون من الجبال». وهذا يدل، كما قال العلماء شراح الحديث، على أن من كان غنياً وكان عنده القدرة على أن يعطي المرأة مهراً كثيراً فله ذلك. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا ﴾. وقد ذكرنا قبل الأثر الذي جاء عن عمر وهو عند ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في المرأة التي أنكرت عليه. فالمهر كما قلنا يجوز للرجل الغني أن يدفع أكثر، وأما من لم يكن معه مال أو فقيراً فلا يكلف نفسه في المهر، يدفع على حسب قدرته. وفي الحديث أيضاً أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أولم ولو بشاة». فيه الحث والاستحباب، الحث على الوليمة. فسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على الوليمة وحكمها في الأبواب التي ستأتي إن شاء الله تعالى. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر