الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 68، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي الحديث زواج عبد الرحمن بن عوف من امرأة أنصارية بمهر يسير هو وزن نواة من ذهب، فأقره النبي ﷺ لعلمه بيساره. كما تبرز المؤاخاة بينه وبين سعد بن الربيع الذي عرض عليه نصف ماله وإحدى زوجتيه إيثاراً وأخوةً صادقة.
يشرح المقطع معنى الإيثار الذي تميز به الأنصار بتقديم إخوانهم المهاجرين على أنفسهم في المال والنفس. ثم يستدل بقصة عبد الرحمن بن عوف على مشروعية الوليمة وأمر النبي ﷺ بها ولو بشاة واحدة، محذراً من التكلف والتوسع الذي يثقل كاهل الزوج.
يستعرض المقطع ولائم النبي ﷺ في زيجاته، فأعظمها كانت على زينب بشاة، وعلى صفية بالحيس بعد أن جعل عتقها صداقها. ويقرر أن السنة إقامة الوليمة بعد البناء والدخول، مع جواز تخصيص الدعوة بأشخاص معينين بالاسم.
يختتم المؤلف باستخلاص الأحكام والفوائد المستنبطة من الأحاديث الواردة في الباب من آداب النكاح والوليمة والإيثار. ويختم بقوله "والله تعالى أعلم" تفويضاً للعلم المطلق لله سبحانه وتعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب الوليمة ولو بشاه. كما قلنا إما باب على الإضافة: باب الوليمة، أو على أنه مبتدأ: باب الوليمة ولو شاه، فنجيز الأمرين معاً. قال: حدثنا علي بن عبد الله بن المديني، أبو الحسن، إمامنا إمام الحديث، كان يلقب بحية الوادي، يلقب بحية الوادي لمعرفته لعلل الحديث، كما أن حية الوادي تعرف جحور الوادي، وكان علي له معرفة عظيمة بهذا الأمر، بل كما قال بعض مشايخه: كأن الله عز وجل خلق علي بن المديني لهذا الشأن. وكان يحيى بن سعيد القطان وسفيان بن عيينة، وهما من مشايخه، يقولان: نحن نستفيد من علي أكثر مما يستفيد منا. قال: حدثنا سفيان، وهو بن عيينة، الهلالي. قال: حدثني حميد، وهو بن أبي حميد طويل البصري، وقد سمع من أنس أحاديث يسيرة، وسمع أكثرها من طريق ثابت، وثابت يعتبر صهره. قال حميد: أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سأل النبي عليه الصلاة والسلام عبد الرحمن بن عوف وتزوج امرأة من الأنصار: «كم أصدقتها؟ كم أصدقتها؟» أي: كم أعطيتها مهراً؟ قال: «وزن نواة من ذهب». وقلنا: النواة هو الشيء الكثير. وقد ذكرنا هذه المسألة: مسألة المهر يكون بحسب حال الرجل. وقلنا: إن النبي عليه الصلاة والسلام أنكر على بعض الأنصار أنه أعطى المرأة أو وعدها بنواة من ذهب، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «كأنكم تنحتون الذهب من الجبال». ولم ينكر على عبد الرحمن بن عوف لمعرفته أنه يستطيع ذلك، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾، القنطار: المال الكثير. قال: وعن حميد سمعت أنس بن مالك قال: لما قدموا المدينة نزل المهاجرون على الأنصار، فنزل عبد الرحمن بن عوف على سعد بن الربيع. آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف وبين سعد بن الربيع، فقال سعد: «واقاسمك مالي، وأنزل لك عن إحدى امرأتي». قال له كما جاء في بعض الروايات: «انظر إن لي امرأتين، انظر إليهما فاختر إحداهما، أطلقها ثم تتزوجها». وإني لمن أكثر الناس، أو لمن أكثر الأنصار مالاً، فأشاطرك مالي. أشاطرك: أي أعطيك النصف. انظر إلى أين وصلت مسألة المؤاخاة، حتى أن الرجل منهم لا يقسم لأخيه من ماله بل من زوجاته، يريد أن يقسم له زوجة من زوجاته، وهذا إيثار عظيم. وهذا مثل ما ذكر الله عز وجل في الأنصار: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. الإيثار: هو أن يعطي الرجل ما عنده يستأثر به أخاه. والإيثار أعظم من المواساة، لأن المواساة هو المقاسمة، والإيثار: إعطاء الأخ لهذا. الله عز وجل ذكر عن الأنصار أنهم يؤثرون، يؤثرون على أنفسهم، أي يؤثرون على أنفسهم غيرهم من إخوانهم، حتى أنهم أرادوا أن يملكوهم مزارعهم، لكن النبي عليه الصلاة والسلام أبى، وقال: «إنما يكفونكم المؤنة، وتشركونهم في العجر». يكفونكم المؤنة وتشركونهم في العجر: أي يشتغلونها في مزارعكم، وتعطونهم من العجر من الإنتاج مما يخرج من الزراعة. قال رحمه الله: فقال عبد الرحمن بن عوف: «بارك الله لك في أهلك ومالك». جاءت في رواية: «دلني على السوق». قال: فخرج إلى السوق فباع واشترى، فأصاب شيئاً من أقط وسمن. الأقط كما ذكرنا قبل: هو اللبن المجفف، اللبن الذي يجفف يسمى أقط. قال: من أقط وسمن، فتزوج. بعدما اشتغل اشترى وباع وربح، فتزوج بهذا المال الذي ربح به. ليس معنى أنه مرة واحدة، وإنما باع واشترى، أي اشتغل في التجارة في البيع والشراء، حتى كان معه مال، فتزوج رضي الله عنه. قال: فتزوج، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ»، أو «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ». وهذا هو وجه الشاهد. فإن أولم ولو بشاة، معنى أن الأفضل كما ذكرنا قبل أن تكون الوليمة بلحم، لكن لا يكلف نفسه كما قد ذكرنا. والنبي عليه الصلاة والسلام أولم على بعض نسائه وهي صفية من حيي، أولم عليها بشيء من حيس، أرسلت إليه أم سليم، وأيضاً بسمن وأقط وتمر، فدل على أن الإنسان لا يتكلف. لكن إن وجد، إن وجد شيئاً يولم ولو بشاة، ويدعو أقرب الناس إليه مثلاً أقاربه، لا يتوسع حتى لا يكلف نفسه. أنا في بعض الأماكن الآن تجد أكثر كلفة تكون في الوليمة، لابد أن يدعو الناس كلهم، يعمل لابد وليمة عامة. وكان الناس في ذلك الوقت قديماً كانوا قليل، الآن كثرت، كثرت الناس، ولا زالوا على هذه العادة، فتجد الرجل يدعو أهل القرية كلهم، وأيضاً يدعو غيرهم، فيتكلف أشياء كثيرة. فلهذا لا يتكلف شيئاً من هذه الأمور، وإنما يحاول أن يدعو أقاربه، إذا كان لا يستطيع إلا أن يذبح شاة، هذه شاة ما تكفي إلا اليسير، فيدعو على حسب هذا اللحم اليسير. فقال: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ». قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد، وهو ابن زيد. إذا رأيت حماداً في الإسناد في البخاري فهو ابن زيد، لأن البخاري لم يروِ لحماد بن سلمة إلا في المتابعات. قال عن ثابت. وسليمان بن حرب يروي عن حماد بن سلمة وحماد بن زيد، وأكثر روايتي عن ابن سلمة. قال: عن ثابت عن أنس قال: «مَا أَوْلَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ، أَوْلَمَ بِشَاةٍ». هذا أكثر، معنى ذلك أنه أكثر ما أولم، أولم على زينب، أولم بشاة. قال: حدثنا مسدد، عن عبد الوارث، وهو التنوري، عبد الوارث بن سعيد التنوري، مسدد بن مسرهد، عن شعيب، وهو ابن الحبحاب، عن أنس رضي الله تعالى عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَتَزَوَّجَهَا». صفية كانت من الصفي، اصطفاها النبي عليه الصلاة والسلام من الغنيمة، لأن قائد الجيش له أن يصطفي، فاصطفاها من الغنيمة، ثم أعتقها وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، وأولم عليها بحيس، حيث إن لم يولم عليها بلحم، والحيس قد يقع فيه لحم. لكن قد صح على النبي، قد صح في الأحاديث الأخرى أنه لم يجعل فيها لحم. وحدثنا مالك بن إسماعيل، قال: حدثنا زهير، عن بيان، قال: سمعت أنساً يقول: «بَنَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِامْرَأَةٍ فَأَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجَالًا إِلَى الطَّعَامِ». وهذا قد تقدمت هذه الأحاديث كلها، قد أوردها الإمام البخاري رحمه الله، وذكر هذه الأحاديث الأربعة، وقد سلفت فوائدها. وفي هذا الحديث، في حديث عبد الرحمن، استحباب الذبح في الولائم لمن وجد ذلك. وفيه أيضاً كما تقدم: أن الوليمة تكون بعد البناء، بعد الدخول. الوليمة الأفضل أن تكون، والسنة أن تكون بعد الدخول. وأجاز مالك أن الوليمة لا بأس أن تكون قبل، والأفضل والسنة التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها تكون بعد البناء، بعد الدخول. وهنا في حديث أنس قال: الحيس. والحيس كما قلنا: هو الخليط الذي يخلط من التمر والسمن والأقط، فيخلط التمر والسمن والأقط فيسمى حيس. ويسمى أيضاً سويق. السويق: هو السمن مع الدقيق، ويخلط أيضاً معه تمر أو لبن أو أقط. هذا. وأيضاً فيه دعوة الناس، حديث أنس فيه دعوة الناس إلى العرس، ولا بأس أنه يدعو ناساً معينين، كما في حديث أنس أنه قال: فأرسلني فدعوت رجالاً إلى الطعام. وقد تقدم أنه دعا ناساً بأسمائهم، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ادْعُ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا»، حددهم بأسمائهم. فهذا ما يؤخذ من هذه الأحاديث، والله تعالى أعلم.