كلمة الأخ أبي إسحاق إبراهيم بن محمد العديني

المحاضرة بعنوان كلمة الأخ أبي إسحاق إبراهيم بن محمد العديني، والتي كانت بمسجد الروضة بمنطقة قصيعر يوم السبت 7 شوال 1446هـ الموافق 5 أبريل 2025م ألقاها منوع

العقوبات الخفية للمعاصي: نسيان الله للعبد وتوكيله إلى نفسه

تتمثل العقوبة الخفية في نسيان الله للعبد وتركه بلا توفيق، فيوكله إلى نفسه وشيطانه فيضل. وتؤكد الآيات أن من نسي الله أنساه نفسه، ومن أعرض عن ذكر الرحمن قيض له شيطاناً يقوده إلى الضلال.

حرمان لذة العبادة وقيام الليل بسبب الذنوب

تؤدي المعاصي إلى حرمان العبد حلاوة الطاعة ولذة المناجاة، فيتبرم بطول الصلاة ويفقد قيام الليل. ويستعيد العبد هذه الحلاوة بالتوبة الصادقة، ترك الذنوب، والدعاء بـ«يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث».

مراقبة الله والاستعداد للموت بالتوبة والاستقامة

النجاة تكمن في مراقبة الله وخشيته بترك الذنوب والاستقامة على أمره ليكون العبد مستعداً عند حلول الأجل. ويدعو الخطيب الله أن يوفق الجميع للطاعة ويجنبهم المعاصي.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من لا نبي بعده، بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، صلوات ربي وسلامه عليه إلى يوم الدين. أما بعد، معشر الأحبة، ما كان لمثله أن يقوم بمثل هذا المقام، ولكن ما أراده الله يكون. كلمة يسيرة بين يدي مشايخي وإخواني وآبائي في هذا اللقاء المبارك، وفي هذا الاجتماع، ونسأل الله عز وجل أن كما جمعنا في هذا المجلس أن يجمعنا في دار جنته إخوانا على سرر متقابلين. أمر مهم أحببت أن أذكر به نفسي وإخواني، هذا الأمر هو أن أذكر لكم بعض العقوبات الخفية التي تخفى على الكثير منا. ربما الواحد منا يعيش مع المعاصي والذنوب، ويواقع الظنوب والمعاصي دهرا من عمره، ويظن أنه لم يعاقب، وهذا حين أن ظن أن العقوبات لا تكن إلا ظاهرة. ومن جميله ما ذكر أن طالبا قال لشيخه: يا شيخ، كم نعص الله ولا يعاقبنا؟ فرد عليه: كم يعاقبك الله وأنت لا تدري؟ فهناك عقوبات. يقول ابن القيم رحمه الله: فالذنب لا يخلو من عقوبة البتة، ولكن لجهل العبد لا يشعر بما هو فيه من العقوبة، لأنه بمنزلة السكران والمخدر والنائم الذي لا يشعر بالألم. معشر الأحبة، من تلك العقوبات: نسيان الله عز وجل للعبد، وتركه من غير مدد رباني ولا إعانة ولا توفيق، يكله لنفسه وشيطانه وأعوانه. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. حين أن تركوا أوامره ونسوا ربهم سبحانه وتعالى، هناك أنساهم وأنساهم أنفسهم، جل في علاه. ويقول سبحانه: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾. حين أن أعرض عن ذكر الله سبحانه وتعالى، قيض له شيطان يلازمه ويغويه ويقوده ويؤزه إلى الضلال، والعياذ بالله. هكذا حين أن يكل الله عز وجل العبد إلى نفسه. يقول عليه الصلاة والسلام لفاطمة ابنته: «يا فاطمة، ما يمنعك أن تسمع مني ما أقول لك، أن تقولي حين تصبحين وحين تمسين: يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين». حين أن يكل الله عز وجل العبد إلى نفسه، لا يجد توفيقا ولا إعانة أبدا بسبب الذنوب المعاصي. من تلك العقوبات، ومن أعظم تلك العقوبات: حرمان لذة العبادة. يقول ابن الجوزي عليه رحمة الله: ومن خفي عقوباتهم سلب حلاوة المناجاة ولذة التعبد. يصلي ولا يشعر بلذة الصلاة، ويصوم ولا يشعر بلذة الصيام، ويتصدق ولا يشعر بلذة الصدقة، يحج، يعتمر، يفعل أعمالا كثيرة من أعمال البر ولا يشعر بلذتها. ومن كان هذا حاله فيوشك أن يصاب بالملل والخلل والكسل، فيترك ذلك العمل لأنه عوقب بسبب الذنب الذي اقترفه وفعله. يقول الحسن البصري عليه رحمة الله: تفقدوا الحلاوة في ثلاث: في الصلاة، والقرآن، والذكر. فإن وجدتموها فامضوا وأبشروا، وإن لم تجدوها فاعلموا أن الباب مغلق. ويقول ابن تيمية رحمه الله: إن لم تجد لعملك حلاوة في قلبك وانشراحا في صدرك فاتهم قلبك، فإن الرب شكور، سبحانه وتعالى. وسئل وهب بن الورد رحمه الله: متى يفقد العبد الحلاوة، لذة العبادة؟ إذا وقع في المعصية أم إذا فرغ منها؟ فانظر إلى فقه هذا الإمام، قال: إذا هم بالمعصية فقد تلك اللذة. إذا هم فقط بالمعصية والذنب، فقد لذة العبادة. يقول الحسني عليه رحمة الله في قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، قال: أي لنرزقنه طاعة يجد لذتها في قلبه. إن العبد إذا وافق ما أمر الله به، وانتهب ما نهى الله عنه، فهنا يكون مبتعدا عن الذنوب والمعاصي، فهنا يرزقه الله عز وجل لذة في العبادة. وإذا رزقت لذة في العبادة، تتوق النفس للطاعة والعبادة. وإذا نظرت في حال السلف الصالح، وأنت تنظر في تراجم السلف وتسمع أخبارهم، تتعجب منهم: من كان يقوم الليلة كاملة وهو يردد آية إلى الصباح، وآخر يقوم الليلة كاملة بركعة واحدة يقرأ القرآن كاملة، وآخر يصلي فيحترق البيت فلا يبالي ولا يهتم بذلك، وآخر يصلي فتدخل الحيّة من صدره وتخرج من كمه ولا يشعر بها. أين هم وفي أي عالم؟ إنهم مع روحانية لذة العبادة، استشعروا لذة العبادة وذاقوا تلك اللذة، فتاقت أنفسهم إلى عمل، وعملوا، ولم يصابوا بالكسل والملل، حين أن ذاقوا لذة العبادة. أما نحن اليوم فنتأوه إن أطال الإمام قليلا، ونقول: طال، وأطول، وأتعب، وفعل، وصنع. لم نشعر بهذه اللذة. معشر الأحبة، من تلك العقوبات الخفية: أن تحرم الإقبال على الله سبحانه وتعالى، تحرم من قيام الليل، تحرم من صلاة النوافل والرواتب والضحى وما إلى ذلك، تحرم هذا كله بسبب ماذا؟ بسبب الذنوب المعاصي. يقول سفيان الثوري عليه رحمة الله: حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته، خمسة أشهر بذنب أذنبه. فكم هي ذنوبنا عباد الله؟ يقول الحسن البصري عليه رحمة الله: إن الرجل ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل. وجاء رجل إلى الإمام إبراهيم بن أدهم عليه رحمة الله، فقال: يا إمام، صف لي دواء، لا أستطيع أن أقوم الليل. فقال: لا تعصه بالنهار، وهو يقيمك بين يديه في الليل، فإن وقوفك بين يديه في الليل شرف، والعاصي لا يستحق هذا الشرف. وجاء رجل إلى الحسن البصري، وقال: يا إمام، أعياني قيام الليل. فقال له: قيدتك خطاياك. الذنب، المعاصي: لا تقرأ القرآن، لا تصلي النوافل، لا تقوم الليل، لا تصلي الوتر، لا تصلي الضحى، بعيد عن الله سبحانه وتعالى. تصاب بقسوة القلب، تحرم الرزق، تحرم البركة في عمرك، في حياتك، في وقتك، في مالك، في أهلك، في ولدك، في علمك. كل هذا بسبب الذنوب والمعاصي. والحل عباد الله هو: حين أن يراقب الواحد منا ربه، ويخشى خالقه جل في علاه، فيترك هذه الذنوب، ويستقيم كما أمره الله سبحانه وتعالى. فإذا ما بغته الأجل وجاءه الموت، ينتقل وهو على أهبة واستعداد. أسأل الله عز وجل أن يوفقني وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يجنبنا المعاصي، إنه جواد كريم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين.