الدرس في شرح نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح هذا المحور سبب الطعن العاشر وهو سوء الحفظ، مفرقاً بين الشاذ الذي لزمه سوء الحفظ والمختلط الذي طرأ عليه لكبر أو احتراق كتب، مع بيان أحكام قبول رواياتهما بشروط المتابعة والتميز. ثم ينتقل لتعريف الإسناد لغة واصطلاحاً بأنه الطريق الموصلة إلى المتن المنتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
يبين هذا المحور أنواع الحديث المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، مميزاً بين المرفوع تصريحاً بصيغ صريحة كسمعتُ ورأيتُ، والمرفوع حكماً بما يدل عليه سياق كلام الصحابي مما لا مجال للاجتهاد فيه. ويضرب الأمثلة على ذلك في القول والفعل والتقرير كصلاة الكسوف والعزل، مستعرضاً ألفاظ الكناية الدالة على الرفع.
يناقش هذا المحور الخلاف في رفع قول الصحابي إذا أطلق ألفاظ "من السنة" أو "أمرنا" و"نهينا"، والراجح عند الجمهور أنها مرفوعة إلى النبي ﷺ لانصراف السنة المطلقة إليه واختصاص الأمر والنهي بالشارع. ويستعرض أدلة الجمهور كآثار سالم بن عبد الله، ويرد على المخالفين بأن الصحابي عدل لا يطلق إلا عن تحقق.
يتناول هذا المحور اختلاف العلماء في صحة حديث معين وترجيح صحته، مبيناً أن الحكم المرفوع ينقسم إلى صريح لفظاً وحكمي معنوي. ويوضح أن أمثلة المؤلف في الكتاب تدور حول هذا التقسيم الثنائي للحكم المرفوع.
قال رحمه الله تعالى: ثم سوء الحفظ، وهو السبب العاشر من أسباب الطعن، والمراد به من لم يرجح جانب إصابته على جانب خطأه، وهو على قسمين: كان لازماً للغاوي في جميع حالاته فهو الشاذ، على رأي بعض أهل العلم، أهل الحديث. قال: كان سوء الحفظ طارئاً على الراوي إما لكبر، أو لذهاب بصر، أو لاحتراق كتبه وعدمها، بأن كان يعتمدها فرجع إلى حفظ فساء، فهذا هو المختلط. والحكم فيه: أن ما حدث به قبل الاختلاط إذا تميز قبل، وإذا لم يتميز توقف فيه، وكذا من اشتبه الأمر فيه، وإنما يعرف ذلك باعتبار الآخذين عنه. الآن: سوء الحفظ، معنى من أسباب الطعن. سوء الحفظ: إن كان لازماً فهو الشاذ. فإن كان لازماً للراوي في جميع حالاته، فهذا حديثه شاذ، على رأي بعض أهل العلم، أنا عنده سوء حفظ. لكن الصحيح أن الشاذ هو رواية المقبول لمن هو أولى منه. هذا الشاذ، لكن هذا من قسمه ضعيف. سوء عنده سوء حفظ، ومن قسمه ضعيف معنى يقبل في الشواهد. قال: أو طارئاً، أن المختلط. معنى المختلط: الذي اختلط عقله، فلم يميز بين هذه الأحاديث التي معه، إما لكبره، أو لذهاب بصره، أو مثلاً باحتراق كتبه، أنه كان يعتمد على الكتب، ما يعتمد على حفظ الصدر. إن كان معتمداً على الكتب، فإن كان حصل له شيء من هذه الأمور: العمى، أو كذلك احتراق الكتب أو غيره، فهذا الغالب أنه ما يقبل حديثه، ما يقبل، يسمى مختلطاً. وإن كان طيباً، إن كان هذا الاختلاط مثلاً ليس ذاك الاختلاط، أو مثلاً تغير يصير، فهذا ينظر إلى حديثه، ينظر إلى حديثه، فإن كان من من يوافق الثقات قبل، طيب. قال: ومتى توبع السيء الحفظ بما يثبت، وكذا المستور. قال: والمرسل والمدلس صار حديثهم حسناً، لا لذاته بل بالمجموع، يعني إذا ضم بعضها إلى بعض، طيب. قال: ومتى توبع السيء الحفظ بما يثبت، كان يكون فوقه ومثله، لا دونه. يعني إذا كان دونه فهو لا يقبل في الشواهد ومتابعات، فدل على أن الحافظ جعل آخر منزلة في قبول الشاهد سوى الحفظ، هذه آخر منزلة في الطعن في قبول الشاهد، فما بعد ذلك لا يقبل، فما بعد ذلك لا يقبل منه الحديث معنا، لا يكون شاهداً مما يستشهد به. قال: ومتى توبع السيء الحفظ ما يثبت، يكون شاذاً مثله، لا دونه، طيب. قال: وكذا المختلط الذي لم يتميز، والمستور، والإسناد المرسل، وكذا المدلس إذا لم يعرف المحذوف منه، صار حديثه حسناً، لا لذاته بل وصفه بذلك باعتبار المجموع. معناه: حسن لغيره من المتابع والمتابع، لأن مع كل واحد منهم احتمال كون روايته صواباً أو غير صواب على حد سواء، فإذا جاءت من المعتبرين رواية الموافقة لأحدهم، رجح أحد الجانبين من الاحتمالين المذكورين. أنا جاء في حديث احتمالين، جاءت رواية بعد ذلك لجانب أحدهما، فيغلب هذا الجانب. طيب. قالوا: مع ارتقائه إلى درجة القبول فهو منحط عن رتبة الحسن لذاته، وربما توقف بعضهم عن إطلاق اسم الحسن عليه. أنا هذا الحسن لغيره، طيب. لا، مع ارتقائه إلى درجة القبول، يعني القبول ليش؟ إذا توبع، القبول إذا توبع، وإلا سيكون حديثاً ضعيفاً. قالوا: قد انقضى ما يتعلق بالمتن من حيث القبول والرد. ثم الإسناد: هو الطريق الموصلة إلى المتن، وهو غاية ما ينتهي إليه الإسناد من الكلام. طيب، هذا المتن هو غاية ما ينتهي إليه الإسناد من الكلام، والإسناد هو الطريق الموصلة إلى المتن. ممن قد أخذنا هذه الأشياء في البداية. قال: وهو إما ينتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويقتضي لفظه إما تصريحاً وحكماً، أن المنقول بذلك الإسناد من قوله صلى الله عليه وسلم، أو من فعله، أو من تقريره. قال: مثال مرفوع من قول تصريحاً: أن يقول الصحابي: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول كذا، أو حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا، أو يقول هو وغيره: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال كذا، أو نحو ذلك. ومثال للمرفوع من الفعل تصريحاً: أن يقول الصحابي: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كذا. هذا التصريح، أو يقول هو أو غيره: كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل كذا. طيب، الآن إذا قال الصحابي: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا يعتبر مرفوعاً. وإذا قال من دونه، فهو إما أن يكون مرسلاً أو معضلاً، إذا كان من أتباع التابعين. قال: مثال مرفوع من التقرير تصريحاً: أن يقول: فعلت بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول هو أو غيره: قال فلان بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر إنكاره لذلك. معناه: إيش؟ أنه تقرير صحابي. معناه: أن النبي صلى الله عليه وسلم يقر فعل الصحابي، يقر فعله، فهذا حكم، وحكم الرفع. قال: مثال المرفوع، قال: مثال المرفوع من قول حكماً لا تصريحاً: أن يقول الصحابي الذي لم يقض عن الإسرائيليات، ما لا مجال الاجتهاد فيه. قال: أولاً: له تعلق ببيان لغة، لغة أو شرح غريب، كالإخبار عن الأمور الماضية من بدء خلق، أخبار الأنبياء، والآتية كملاحم الفتن وأحوال يوم القيامة. وهذا كله مرفوع حكماً لا لفظاً، أنه يقول: رفعوا الحكم. وكذا الإخبار عما يحصل بفعله، بفعل مخصوص، أو عقاب مخصوص. وهذا يطلق، دخل في هذا الباب، عن أنه مرفوع حكماً. قال: أولما كان حكم مرفوع؟ لأنه إخباره بذلك يقتضي مخبراً له، وما لا مجال الاجتهاد فيه يقتضي موقوفاً للقائل به. معناه: قلنا أنه مرفوع حكماً بالسبب هذا. قال: ولا مخبر للصحابة إلا النبي صلى الله عليه وسلم، أو بعض من يخبر عن الكتب القديمة. فلذلك وقع الاحتراز عن القسم الثاني. إذا كان كذلك، فلاه حكم ما لو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو مرفوع، سواء كان مما سمعه منه أو عنه بواسطة، أنا الصحابي، وإن لم يسمع هذا الحديث ولم يحضره، فأطيه وخاطله منه. قال: أمثلة مرفوع من الفعل حكماً: أن يفعل الصحابي في مجال الاجتهاد فيه، فينزل على أن ذلك عنده النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال الشافعي في صلاة العيد في الكسوف، في كل ركعة أكثر من ركوعين، لكن الحديث لا يصح، أكثرها العلم على شذوذه. قال: أمثلة مرفوع من التقرير حكماً: أن يخبر الصحابي أنهم كانوا يفعلون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كذا، فإنه يكون له حكم الرفع من جهتين: أن الظاهر اطلاعه صلى الله عليه وسلم على ذلك، لتوفر دواعيهم على سؤاله عن أمور دينهم، ولأن ذلك الزمان زمان نزول الوحي، فلا يقع من الصحابة فعل شيء ويستمرون عليه إلا وهو غير ممنوع. الفعل قد استدل جابر وأبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما على جواز العزل بأنهم كانوا يفعلونه، والقرآن ينزل، ولو كان مما ينهى عنه لنهى عنه القرآن. طيب، هذا الحديث معروف من حديث جابر. أما حديثه بسعيد، جاء ما يشبه هذا، وإلا حديثه بسعيد سؤاله عن العزل، فقال: هي الموؤودة الصغرى. وإلا جاء أيضاً كذلك ما يؤيد حديث جابر من حديث أبي سعيد، أخرجه النسائي. قال: ويلتحق من قولي حكماً ما ورد بصيغة الكناية في موضع الصيغ الصريحة بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم، كقول التابعي عن الصحابي: يرفع الحديث، أو يرويه، أو ينميه، أو رواية، أو يبلغ فيها، ورواها. وهذه كل ألفاظ تدل على رفع الحديث. قال: وقد يقتصرون عن القول، ما حذف القائل، ويريدون به النبي صلى الله عليه وسلم، كقول من روى عن أبي هريرة: قال: هل تقاتلون قوماً، تقاتلون قوماً؟ يعني النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قال. وفي كلام الخطيب أنه خاص بأهل البصرة. قال: من الصيغة، قال: من الصيغة المحتملة: قول الصحابي: من السنة كذا. فالأكثر على أن ذلك مرفوع، وهذا هو المذهب الصحيح أنه مرفوع، لأن السنة يطلقون على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، إلا إذا دلت قرينة على أنها ليست سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ونقل ابن عبد البر الاتفاق. قال: وإذا قال غير الصحابي، فكذلك، ما لم يضفها إلى صاحبها، كسنة العمرين، يعني تكون مرفوعة، ما لم يضفها إلى صاحبها، مثل يقول: كسنة العمرين، معناه أنها سنة أبي بكر وعمر. قال: في نقل الاتفاق، نظر عن الشافعي في أصل مسألة قولان، وذهب إلى أنه غير مرفوع: أبو بكر الصيرفي من الشافعية، أبو بكر الرازي من الحنفية، ومن أهل الظاهر. واحتجوا بأن السنة تتردد بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين غيرهم. وأجيبوا بأن احتمال إرادة غير النبي صلى الله عليه وسلم بعيد، هذا هو الظن، فالغالب أنهم يريدون سنة النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال سالم بن عبد الله: وهل يريدون بالسنة إلا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: وقد روى البخاري في صحيحه: ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه في قصته مع الحجاج، حين قال له: إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة، وما عرفه. قال ابن شهاب: فقلت لسالم: فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: وهل يعنون بذلك إلا سنته صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ فنقل سالم، وواحد الفقهاء السبع من أهل المدينة، واحد الحفاظ من التابعين، عن الصحابة، أنه إذا أطلقوا السنة لا يريدون بذلك إلا سنة النبي صلى الله عليه وسلم. وأما قال بعضهم: إذا كان مرفوعاً، فلِمَ لا يقولون فيه: قال رسول الله؟ فأجيبوا: إنهم تركوا الجزم بذلك تورعاً عنه، احتياطاً. طيب. قالوا: من هذا، يعني هذا كان مرفوعاً، مشاناً. ومن هذا: قوله: بانقلاب عن أنس: من السنة إذا تزوج البكر على ثيب أقام عندها سبعاً. رواه الصحيحان. قال أبو قلابة: لو شئت لقلت: إن أنساً رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أي لو قلت لم أكذب، لأن قوله: من السنة، هذا معناه، لكن أراد الصيغة التي ذكرها صحابياً أولاً. ومن ذلك: قول الصحابي: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا. والخلاف فيه كالخلاف الذي قبله، لأنه مطلق ذلك ينصرف بطبعه إلى من له الأمر والنهي، وهو رسوله صلى الله عليه وسلم. خيب، هذا أيضاً مسألة خلاف فيها. إذا قال: أمرنا كذا، ونهينا عن كذا، فمن الآمر ومن الناهي؟ فأكثر أهل العلم على أنه النبي صلى الله عليه وسلم. قالوا: خالف في ذلك. طيب، فتمسكوا باحتمال أن يكون المراد غيره، كأمر القراء، أو الجماعة، أو بعض الخلفاء، أو الاستنباط. طيب، طيب. معنا هذا محتمل، هذا محتمل، لكن الاحتمال على صح، الاحتمال الأكيد أنهم يريدون أمرنا، أي النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه ليس هناك أحد له حق الأمر إلا الشارع. قالوا: يجيبوا أن الأصل هو الأول، ومعداه محتمل، لكنه ليس بالنسبة لي مرجواً، هذا ليس ذكرنا. وإضافة: من كان في طاعة رئيس، إذا قال: أمرت، لا يفهم أنه إن أمره ليس إلا رئيسه. وأما من قال: وأما قوله: من قال، يحتمل أن يظن ما ليس بأمر أمر، فالاختصاص له بهذا المثل، بل هو مذكور في ما لو صرح فقال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا، وهذا الذي ذكره. ثم قال الحافظ: أنه أيضاً حتى لو قال: أمرنا رسول الله، على لو كنا دخلنا في هذا الباب، نقول: هل هذا الخبر صحيح أم أنه فيه كلام، أم أنه لم يأمره، إنما قال هذا ليس لنا؟ قاله: هو احتمال ضعيف، لأن الصحابي عدل، عارف باللسان، فلا يطلق إلا بعد التحقق. ومن ذلك: قولنا: كنا نفعله كذا، فلا هو حكم الرفع أيضاً كما تقدم. ومن ذلك: حكم الصحابي على فعل من أفعال بأنه طاعة لله، ومن ذلك: حكم الصحابي على فعل من أفعال بأنه طاعة لله أو لرسوله صلى الله عليه وسلم، ومعصية. قول عمار: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم. وهذا الحديث مختلف في صحته، لكن الظاهر أنه صحيح. قال: فهذا حكم الرفع أيضاً، لأن الظاهر أن ذلك مما تلقاه عنه صلى الله عليه وسلم. طيب، هناك الآن عندنا حكم رفع صريح، وحكم رفع حكماً، ليس لفظاً، وإنما هو حكماً. وهذا الأمثلة التي يذكرها المؤلف كلها تدور حول هذا، إن شاء الله أعلم.