الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 21، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع أن من جحد أو استكبر عن أحد أركان الإسلام الخمسة يكفر كفراً مخرجاً من الملة، لأن الجحود هو إنكار باللسان مع استيقان القلب. يستدل المؤلف بقصة إبليس وفرعون اللذين علما الحق وجحدا واستكبرا.
يفرق النص بين الجحود الذي يضاد تصديق القلب ويتعلق بتكذيب الأخبار الشرعية، والاستكبار الذي يضاد انقياد القلب ويتعلق بترك الأوامر مع الإقرار بها. ويضرب مثالاً للاستكبار بمن يقر بوجوب الصلاة ويمتنع عن أدائها، ثم يبين حكم من يترك الواجبات بتأويل فاسد كاستحلال الخمر.
يبيّن المقطع أن إنكار الواجبات المعلومة من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة يُعد كفراً، مستدلاً بنسخ آية الخمر ورفض تأويل الصوفية الغلاة لسقوط التكاليف. كما يميز بين جحود الفرائض النادر والاستكبار الشائع في ترك الشعائر مع الإقرار باللسان، مبيناً أن ترك جميع شعائر الإسلام كفر صريح.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، الأولاد الذين في الخلف ما في حلهم مدرسون، اضبطوا طلابكم بارك الله بهم. قال الشيخ حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال الرابع والثلاثون: ما حكم من جحد واحداً منها أو أقر به واستكبر عنه؟ قال: الجواب يُقتل كفراً كغيره من المكذبين والمستكبرين، مثل إبليس وفرعون. هذا السؤال أراد المؤلف من إيراده بيان حكم من جحد أو استكبر عن شيء من هذه الأركان الخمسة. فهذه المسألة تتعلق بنواقض الإسلام ومسائل التكفير. فما حكم من جحد أو استكبر عن واحد من هذه الأركان وأمثالها من الواجبات المتواترة المعلومة من الدين بالضرورة؟ أولاً لا بد أن نعلم ما معنى الجحود وما معنى الاستكبار. فذكر في هذا السؤال ناقضين من نواقض الإسلام: الجحود والاستكبار. والجواب على هذا: أولاً الجحود أو الجحد. الجحد هو بمعنى الإنكار مع استيقان القلب. هذا في اللغة: الإنكار باللسان واستيقان القلب، أي أن القلب يخالف ما تنطق به اللسان. وكما تعلمون أن القلب له قول يسميه العلماء قول القلب، وهو التصديق، وهو التصديق. فالجحود هو التكذيب في الظاهر والاستيقان في الباطن. هذا في اللغة يسمى جاحداً. وأما على وجه العموم فالجحود هو التكذيب في الظاهر والباطن. فإذاً ما الفرق بين الجحود والتكذيب؟ الفرق بينهما أن الجحود... أو يمكن أن نقول أن بينهما عموم وخصوص. فالتكذيب أعم من الجحود، لأن الجحود يكون باللسان مع استيقان القلب، وأما التكذيب فيكون بتكذيب اللسان وكذلك بتكذيب القلب، بتكذيب القلب. نعم، والتكذيب تضاد قول القلب. قول القلب، فالقلب له تصديق وهو كما تقدم يسميه العلماء قول القلب. فمن كذب فقد جعل قلبه مكذباً كذلك، ولم يحقق قول القلب ألا وهو التصديق. فإن من الإيمان قول القلب، أي تصديق القلب. فإذاً عندنا تصديق يقابله تكذيب وجحود. تصديق يقابله تكذيب وجحود. فخلاصة ما أراده المؤلف من معنى الجحود: أن من قال: "أنا أكذب بوجوب الصيام" أو "أكذب بوجوب الحج" أو الصلاة، أو كذلك الزكاة، فهذا يكفر. سواء أكان تكذيبه باللسان دون القلب وهو الجحود، وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾. فبعض الكفار يعلم الحق، يعلم الحق ويوقن به، لكنه يكذب بلسانه، يكذب بلسانه. وهذا معنى الجحود. فمن قال: "أنا لا أصدق أن هناك في الدين الإسلامي صلاة أو زكاة أو حج أو غيرها من الواجبات المعلومة من الدين بالضرورة"، فهذا يكفر. فمثله كما ذكر المؤلف كمثل إبليس. إبليس يعلم الحق، نعم، وشاهد خلق آدم وأمره الله أن يسجد لآدم، فاستكبر وأبى الإيمان، فكان من أهل النار. وهكذا فرعون، أتاه الله عز وجل بالدلائل الكثيرة وأرسل إليه موسى عليه السلام، ومع هذا كفر بالله العظيم ولم يصدق بما جاء به موسى عليه السلام. فهذا هو الجحود. وأما الاستكبار فإنه يضاد عمل القلب. لأن معنى الاستكبار هو عدم الإنقياد للحق والعمل به، والعمل به. إذن ما الفرق بين الجحود والاستكبار؟ ذكر العلماء فرقين. الفرق الأول: أن الجحود كما تقدم معنى يضاد قول القلب، يعني تصديق القلب. هذا الجحود. وأما الاستكبار فإنه يضاد عمل القلب. وما معنى عمل القلب؟ يعني عدم الإنقياد للحق والعمل به. وهذا هو عمل القلب. فالقلب له قول وله عمل. وهذا هو اصطلاح العلماء. إذا سمعت في اصطلاح العلماء "قول" و"عمل"، فقول القلب وعمل القلب، فيريدون بقول القلب التصديق، تصديق القلب، ويريدون بعمل القلب الاستسلام والإنقياد للحق. هذا هو عمل القلب. فإذن الفرق الأول بين الجحود وبين الاستكبار: أن الجحود يضاد ماذا؟ أن الجحود يضاد قول القلب، لأن الجحود التكذيب، وقول القلب التصديق، والكذب هو نقيض الصدق، نقيض الصدق. وأما الاستكبار فهو يضاد عمل القلب وهو الاستسلام والإنقياد. هذا إحدى الفروق بين الجحود والاستكبار. الفرق الثاني: أن الجحود يكون في الأخبار. يخبر الله عز وجل عن وجوب الصلاة فيكذبها، هذا يسمى جحود، يسمى جحود. فالتكذيب بالأخبار فهذا يسمى ماذا؟ جحود. وأما الاستكبار فيتعلق بالأوامر لا بالأخبار. فالمستكبر يصدق بالأخبار، يقول: "الصلاة واجبة"، لكنه يستكبر عن أدائها، فلا يؤديها، ولا كذلك يأتمر بأمر الله عز وجل فيها. فهذا يتعلق بالأوامر. فإذا هناك فرقان بين الجحود والاستكبار. الفرق الأول ما هو؟ أن الجحود يضاد قول القلب وهو التصديق، وأما الاستكبار فإنه يضاد عمل القلب وهو الاستسلام والإنقياد. هذا فرق. وفرق آخر: أن الجحود يتعلق بالأخبار، وأما الاستكبار فيتعلق بالأوامر، يتعلق بالأوامر. فإذا ما معنى الاستكبار؟ معنى الاستكبار: أن يقال لشخص: "أنت مسلم، أمر الله عز وجل المسلم أن يصلي، صَلِّ". قال: "لا، أنا ما سأصلي". طيب، أنت تصدق بأن الله أمر بالصلاة؟ قال: "نعم، أصدق بأن الله أمر بالصلاة، ما أجحد فرضية الصلاة". طيب، صَلِّ. قال: "ما سأصلي". فهذا معنى الاستكبار. فهذا يكفر بتركه لهذا الأمر الذي أمر الله سبحانه وتعالى به. نعم، فهذا هو الفرق بين الجحود والاستكبار. الجحود والاستكبار. طيب، هنا مسألة أيضاً قد تشكل على بعض الناس، وهي: من ترك هذه الواجبات متأولاً، متأولاً. فقسم العلماء هذا التأويل إلى قسمين. القسم الأول: التأويل الذي هو من قبيل الاشتباه على الشخص. فهذا تقام عليه الحجة، فإن أصر على ذلك فإنه لا شك أنه يكفر. مثاله: مثلاً إنسان قال: "الخمر، الخمر ما حرمها الله". لماذا قال؟ لأن الله عز وجل قال في كتابه الكريم في عدم الإتيان للصلاة وأنتم سكارة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾. قال: "فقط عند الصلاة نُهينا عن الإتيان إلى الصلاة". نعم، عند الصلاة نُهينا عن شرب الخمر، فدل ذلك على أن غير الصلاة يجوز لنا أن نشرب الخمر. فيقال له: هذه الآية منسوخة، فقد قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾. فهذه الآية نسخت الآيات التي قبلها. فإن رجع، الحمد لله، وإلا وأصر على ما هو عليه، فهذا لا شك أنه يكفر. لماذا؟ لأنه جحد أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، وجاء دليله في القرآن والسنة، وهناك تأويل لا كذلك، يعني لا يستساغ. هناك تأويل لا يستساغ. مثل غلاة الصوفية الذين يتأولون قول الله عز وجل: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. قالوا: "اليقين هذه مرتبة، إذا وصل إليها الولي سقطت عنه التكاليف الشرعية، فلا صلاة عليه ولا صيام عليه". فغلاّس وصل مرحلة اليقين. فهذا لا شك التأويل لا يستساغ. لماذا لا يستساغ؟ لأنه تكذيب للقرآن. فمن قال من السلف الصالح أن اليقين هنا هذه المرتبة التي قد يصل إليها الولي؟ ومن أعظم الأولياء أليس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام رضوان الله عليهم؟ هل سقطت عنهم التكاليف؟ هل تركوا الصلاة لأنهم وصلوا إلى هذه المرتبة؟ فهذا شيء لا يستساغ، فلا يكون مبرراً لعدم تكفير هؤلاء. فهذه زندقة، القول بهذا زندقة وكفر بالله سبحانه وتعالى. طيب، أيضاً مسألة أخرى بالنسبة للجحود. فربما هذا نادر جداً أن يقع في المسلم، أن يقع في المسلم أن... يعني يجحد فرضية الصلاة أو فرضية الصيام، ويقول: "لا، لم يشرع الله عز وجل هذه الواجبات". هذا شيء ربما نادر جداً، وقد يقع في هذا الزمان مع وجود تلك الوسائل والقنوات الإلحادية، فيشككون في بعض ثوابت الدين، كتشكيكهم في عذاب القبر، وتشكيكهم كذلك في بعض الأخبار التي جاءت في الكتاب أو في السنة، من مثلا التماس الجن بالإنس ونحو ذلك. فهذا شيء نادر وقليل. لكن بالنسبة للاستكبار فهذا كثير في المسلمين. بمعنى أنه مسلم، مسجل في البطاقة مسلم، ولا يصلي، لا يصلي، ولا كذلك يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بما أمر الله سبحانه وتعالى به. وهذا له أسباب، من أعظم أسباب ذلك ضعف الإيمان بما أخبر به ربنا سبحانه وتعالى ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذه المسألة فيها تفصيل سيبينه المؤلف في أنواع الترك، ترك الواجبات، خصوصاً الصلاة. هل تركها متعمداً أو تركها كسلاً أو نحو ذلك؟ هذا سيأتي تفصيله وبيانه. سيأتي تفصيله وبيانه. أما من ترك جميع الشعائر الإسلامية، يقول بلسانه: "أنا مسلم"، وأقر بكل ما جاء به الإسلام، لكن ما يعمل بشيء من شعائر الإسلام، فهذا لا شك أنه يكفر، وهو معنى الاستكبار، وهو معنى الاستكبار. وإنما الخلاف كما سيأتي معنا السؤال الذي بعد هذا، في من أقر بهذه الأركان ثم تركها أو ترك بعضها تكاسلاً أو تأويلاً، كما سيأتي معنا من كلام المؤلف رحمه الله تعالى. طيب، نكتفي بهذا اليوم إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر