الدرس في من حوارات القرآن والسنة 14، الدرس الرابع عشر: ( الحوار الذي دار بين إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام مع ملائكة الرحمن الأضياف ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يسرد المقطع قصة إبراهيم الخليل مع الملائكة الأضياف مظهراً حرصه على إكرامهم، ويستعرض مواقف أنبياء الله كلوط ويوسف ومحمد صلى الله عليه وسلم في القيام بحق الضيافة، مؤكداً أن إقراء الضيف خلق نبوي عظيم كان سبباً في هداية الكافرين.
يستعرض المقطع قصصاً عديدة من سيرة الصحابة في إكرام الضيف والإيثار عليه، كقصة أبي بكر مع ابن الدغنة، وأبي طلحة الأنصاري، وأبي التيهان، وجعفر بن أبي طالب، وجابر بن عبدالله، مبيناً عظمة هذا الخلق وفضله عند الله تعالى.
يبين المقطع الأحاديث النبوية التي تحدد جائزة الضيف بيوم وليلة والضيافة ثلاثة أيام، وتقرر أن إكرام الضيف من خصال الإيمان، مع ذكر أحقية الضيف في أخذ حقه إن لم يكرم، والبركة في الطعام، والجزاء الأخروي على إطعام الطعام.
يستعرض المقطع فضائل الضيافة كسبب لدخول الجنة، ثم يفصل آداب المضيف من التجمل، والمسارعة، ومباشرة الخدمة، والبشاشة، وترك التكلف المشق، وحقوق الضيف وآدابه كإجابة الدعوة وعدم استصغار المقدم، مع النهي عن حضور ولائم المنكر والبدع.
يبيّن المقطع أن من آداب الضيف عدم التطفل على بيوت الناس في أوقات الطعام بغير دعوة، ويصف الطفيلي بأنه من يقصد المنازل عند الوجبات، مستشهداً بالآية الكريمة الناهية عن دخول بيوت النبي ﷺ لطعام بغير إذن.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فحوار درسنا لهذا اليوم: الحوار الذي دار بين إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام مع ملائكة الرحمن الأضياف. قال جل وعلا: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴾ [الذاريات: 24-30]. في هذه الآيات دار هذا الحوار بين الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام وبين ملائكة الرحمن الأضياف، وفيه خلق عظيم من أخلاق الأنبياء الذين كانوا عليه، وهو إقراء الضيف والقيام بأمر الضيافة وإطعام الطعام. فهذا من الخلق الرفيع الذي كان عليه أنبياء الله جل وعلا والصالحون. فانظروا إلى إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام حين جاءه هؤلاء الأضياف، ماذا قدم لهم؟ يقول الله جل وعلا: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ﴾، لأن إبراهيم أكرمهم، فقال الله جل وعلا: ﴿ الْمُكْرَمِينَ ﴾، أي الذين أكرمهم إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام. ومن هذا الإكرام أنهم لما قالوا: «سلاما»، قال: «سلام، قوم منكرون»، ما كان يعرفهم، وقال: «قوم منكرون»، ولم يقل: «أنتم منكرون»، وهذا من الأدب في الكلام. ثم بعد ذلك أنه ذهب إلى أهله، ﴿ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴾، العجل الذي هو صغير من البقر، هو صغير لكن سمين، صغر مع سمن فيه غاية اللذة، وهذا من الإكرام. وفي آية أخرى قال جل وعلا: ﴿ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ [هود: 69]، مشوي، شواه، وهذا من لذيذ اللحم أن يكون اللحم مشويا فينضج بالشواء، وهذا من الإكرام. وامرأته كذلك، وامرأته قائمة، ذكر بعض التفسير: أي قائمة بأمر الأضياف، كذلك إبراهيم قائم بأمر الضيف، وامرأته كذلك قائمة أيضا بأداء هذا الحق وإقراء الضيوف. فهذا يدلنا على عظيم هذا الخلق. ولذلك إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام كما جاء في البخاري من حديث عبد الله بن عباس، لما ترك زوجته أم إسماعيل وابنها بواد غير ذي زرع، لما رجع إبراهيم أراد أن يتفقد تركته، قد مات ثم إسماعيل قد تزوج، إسماعيل من جرهم، فجاء إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام إلى تركته، لم يجد إسماعيل، وجد زوجته، فسألها عن إسماعيل، قالت: ذهب، خرج يبتغي لنا الطعام. فسألها عن حالهم: كيف حالكم؟ قالت: نحن في شر وفي شدة وفي ضيق. فقال إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام: «إذا جاء إسماعيل فأقرئه السلام، وقول له: يغير عتبة بابه، وقول له: يغير عتبة بابه». فذهب إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، وجاء إسماعيل، فكأنه آنس شيئا، قال: هل جاءكم من أحد؟ قالت أهله: نعم، جاء رجل كذا وكذا، وصفته، فقال: ماذا قال لك؟ قالت: سألنا عن حالنا، فذكرت أننا في شدة وفي جهد وفي مشقة، فقال: هل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، يقرئك السلام ويقول لك: غير عتبة بابك. فقال: ذلك أبي، وأمرني أن أطلقك، فطلقها. لماذا؟ لأن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام رأى أن هذه المرأة لا تقوم بأداء الحقوق، ومن هذا إكرام الضيف، هذا ضيف له حق، لكن تشتكي، نعم، وقالت: نحن في كذا وكذا، ماذا يفهم من هذا؟ يعني العفو، ما عندنا شيء، نعم. ولما عاد إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام بعد فترة وبعد زمن، جاء، وكذلك لم يجد ابنه إسماعيل، وجد زوجتها الثانية، لتزوجها من جرهم، فسألها نفس الأسئلة التي سألها الأولى، فقالت: نحن الحمد لله بخير وفي نعمة. فقال لها: «إذا جاء زوجك فأقرئه السلام، وقولي له: يمسك عتبة بابه». فجاء إسماعيل وأخبرته الخبر، فقال لها: «ذلك أبي، أمرني أن أمسكك». أمره: أطلق الأولى، لكن الثاني: أن يمسكها. لماذا؟ لأنها ممن تراعي الحقوق، ومن هذه الحقوق القيام بحق الأضياف. هذا الخلق، إقراء الضيف، تخلق به أنبياء الله جل وعلا. فهذا لوط عليه السلام، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ﴾ [هود: 78]. خاف على أضيافه، قوم لوط يريدون ماذا؟ يريدون فعل الفاحشة والعياذ بالله، وهؤلاء نزلوا أضيافا على لوط عليه الصلاة والسلام. انظروا ماذا قال لهم: «هؤلاء بناتي»، من شدة حرصه على الأضياف أنه عرض بناته: «هؤلاء بناتي هن أطهر لكم، فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي، أليس منكم رجل رشيد؟». وهذا يوسف عليه الصلاة والسلام يقول لأخوته: ﴿ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ﴾ [يوسف: 59]، «وأنا خير المنزلين»، أي خير من يضيف الأضياف ويحسن إليهم الذين ينزلون عليه. وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرئ الضيف حتى قبل البعثة، عليه الصلاة والسلام. في الصحيحين من حديث أم المؤمنين خديجة رضي الله تعالى عنها، لما نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم بغار حراء، جاءه الملك وغطه وقال: اقرأ، قال: «ما أنا بقارئ»، إلى آخر الحديث. رجع النبي عليه الصلاة والسلام إلى خديجة رضي الله تعالى عنها وهو خائف، يقول: «زملوني، زملوني». فقال: «يا خديجة، ما الخبر؟ والله لقد خشيت على نفسي». فماذا قالت خديجة رضي الله تعالى عنها؟ «كلا، والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتكسب المعدوم وتقرئ الضيف وتعين على نوائب الحق». ذكرت هذه الخلال والأخلاق الفاضلة، ومنها إقراء الضيف، فكان عليه الصلاة والسلام قبل بعثته يقرئ الضيف، عليه الصلاة والسلام، كما أنه كان يصل الرحم ويكسب المعدوم، عليه الصلاة والسلام. النبي عليه الصلاة والسلام من إقراءه للضيوف حتى أنه كان يقرئ الكافر، يضيف الكافر. في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام أضافه رجل كافر، طلب الضيافة، النبي صلى الله عليه وسلم فأضافه، النبي عليه الصلاة والسلام استضافه، ثم جاء إليه بشاة فحلبت، فشرب هذا الكافر هذا اللبن، ثم جاء نبي الله بشاة أخرى فشرب الحليب، ثالثة ورابعة وخامسة وسادسة وسابعة، سبع شياه، يحلب النبي صلى الله عليه وسلم منها ويعطي هذا الرجل الكافر. فلما أصبح، أسلم هذا الكافر. ونبي الله صلى الله عليه وسلم كان يضيفهم رجاء إسلامهم وتأليف قلوبهم، فأسلم هذا الكافر لما أصبح. فحلب له النبي عليه الصلاة والسلام من الشاة فأعطاه، فشرب، ثم حلب نبي الله حلبة أخرى فأعطاه، قال: «كفاني». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «الكافر يشرب من سبعة أمعاء، والمؤمن يشرب من معاء واحد، الكافر يشرب من سبعة أمعاء، والمؤمن يشرب من معاء واحد». الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم يؤدي هذا الحق ويقوم به حتى مع الكافر، رجاء أن يدخل في الإسلام وفي دين الله جل وعلا، وينفع الله جل وعلا به. وهكذا الصحابة رضي الله تعالى عنهم والصالحون كانوا على هذا الخلق العظيم من إقراء الضيف. فهذا أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، كما في الصحيحين، لما آذاه كفار قريش، خرج رضي الله تعالى عنه متوجها إلى الحبشة، حتى وصل إلى برك الغماد، إلى برك الغماد موضع، فلقيه ابن الدغنة، وهو سيد القارة، فقال: يا أبا بكر، إلى أين؟ فقال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: «إن قومي أخرجوني، وأنا أريد أن أسيح في الأرض، أعبد ربي جل وعلا». فقال ابن الدغنة: «مثلك يا أبا بكر لا يخرج، ولا يُخرج، مثلك يا أبا بكر لا يخرج، ولا يُخرج، إنك تصل الرحم وتصدق الحديث وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق وتقرئ الضيف، تقرئ الضيف». انظروا ماذا يقول ابن الدغنة لأبي بكر رضي الله عنه، يذكر له هذه الأخلاق الفاضلة التي كان عليها رضي الله عنه، ومن ذلك أنه كان يقرئ الضيف ويقوم بهذا الحق. وهذا أبو طلحة الأنصاري رضي الله تعالى عنه، كما في الصحيحين، أبو طلحة الأنصاري قصته في الصحيحين، وهي مثل عظيم في الإيثار ومثل عظيم في إقراء الضيف. جاء رجل مجهود إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله، إنني رجل مجهود، أي به جوع، احتاج لطعام. فأرسل النبي عليه الصلاة والسلام إلى بعض نسائه: هل عندكم شيء من الطعام؟ جاء الخبر أن لا شيء، والذي بعثك بالحق ما عندنا إلا الماء. أرسل النبي عليه الصلاة والسلام إلى زوجة أخرى، والخبر نفس الخبر: ما عندنا إلا الماء. وثالثة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من يضيف هذا، رحمه الله؟ من يضيف هذا، رحمه الله؟». فقام أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه، قال: أنا يا رسول الله. فذهب به إلى أهله، فقال: يا أهلي، هل عندكم طعام؟ قالت: لا، إنما هو قوت الصبيان، قوت صبياننا، هذا الذي عندنا. فقال: «أكرمي، أكرمي ضيفا، ضيف رسول الله عليه الصلاة والسلام، إذا قربت الطعام، قومي إلى سراجك، أريه أنك تصلحينه، فأطفئيه، وأريه أنك تأكلين». ففعلت ما أرشدها إليه، قربت الطعام، وقامت إلى السراج تريه أنها تصلحه، فأطفأته، فجلس، يريان الضيف أنهما يأكلان، ولا يأكلان، فأكل الضيف حتى أصبح. فذهب أبو طلحة رضي الله عنه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله قد عجب من صنيعكما ليلة البارحة مع ضيفكما». تعجب الله جل وعلا من صنيعهما، وذلك لعظيم ما قام به من هذا الإيثار العظيم: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 9]. قاموا بهذا الحق العظيم. وهكذا أيضا أبو طلحة جاء إلى أم سليم، كما في الصحيحين أيضا، وأخبرها أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم على حالة من الجوع وشدة، فهل عندها من شيء؟ فأرسلت أم سليم وأبو طلحة شيئا من الخبز مع أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، فذهب يريده للرسول عليه الصلاة والسلام، فالمجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وجد النبي عليه الصلاة والسلام مع أصحابه جالسا مع أصحابه، فلما رآه من أسلم، رأى أنسا، قال: «أبعثك أبو طلحة؟» وهما يريد أن يعرف لأن الشيء قليل، فقال: نعم. فقال: «يا أصحابي، قوموا إلى بيت أبي طلحة». فلما جاء أنسا، سبق النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «أخبرت النبي عليه الصلاة...» ولكن رسول قال للصحابة، فقال أبو طلحة لأم سليم بالخبر، فقالت: «الله ورسوله أعلم». فالنبي عليه الصلاة والسلام قدم، فقال: «هاتي ما عندك يا أم سليم». فقربت ما عندها، فأخذ النبي عليه الصلاة والسلام الخبز وما معه من الإدام، ففته عليه الصلاة والسلام، ودعا فيه بالبركة، فكان يأمر بأن يدخل عشرة بعد عشرة، يدخل عشرة فيأكلون ثم يخرجون، عشرة يأمر بعشرة غيرهم ويأكلون ويخرجون، وهكذا حتى انتهوا. قال الصحابي: كنا سبعين وثمانين رجلا أكلوا من هذا الطعام القليل الذي دعا فيه بالبركة. وهذا من إقراء هؤلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم لأضيافهم. وهذا كذلك أبو التيهان رضي الله تعالى عنه الأنصاري، كما في الصحيحين أيضا، خرج النبي عليه الصلاة والسلام فوجد أبا بكر وعمر، فقال لهما: «ما أخرجكما؟» قالا: يا رسول الله، الجوع، الجوع، أخرج أبا بكر وعمر من بيوتهم، من بيوتهم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «وأنت ماذا أخرجك؟» قال: «الذي أخرجكما أيضا، الجوع». فقال لأبي بكر وعمر: «قوموا نذهب». فذهب بهم إلى بيت أبي التيهان الأنصاري، فلم يجده، فسأل امرأته، فقالت: خرج يطلب لنا. فرجع هذا الصحابي الأنصاري، معه شيء من التمر والرطب، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، قال: «لا أحد من الناس أكرم أضيافا مني اليوم». استبشر، وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه المضيف، صاحب البيت يكون على فرح، يظهر على وجهه، ما يرى يغتم، «فما أحد قال: أكرم مني أضيافا اليوم». فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر هذا التمر وهذا الرطب، فأكلوا منه، ثم أخذ المدية وهي السكين يذبح لهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: «إياك والحلوب، تبه من الحلوب، لا تذبح الحلوب، فيها لبن، تذبح غيرها». فذبح لهم وأكلوا. ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي بكر وعمر: «خرجتم من بيوتكم لا شيء معكم، والآن ترجعون وأنتم على هذا الشبع، والله لتسألن عن هذا يوم القيامة، عن هذا النعيم». الشاهد: إكرام هذا الصحابي، ذبح لهم وأكرمهم غاية الإكرام. هذا جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، كما في الصحيح أيضا، كما يروي ذلك أبو هريرة رضي الله عنه، قال: «كنت أخرج بيتي بسبب الجوع، وأقرئ الشخص الآية، أستقرئه الآية ليطعمني، قال: فليس هناك من يحب المساكين مثل جعفر بن أبي طالب، قال: كان يأتي بنا إلى بيته ويطعمنا، حتى أنه ليأتي بالعكة، حتى أنه ليأتي بالعكة، العكة: إناء من جلد، وعاء الجل، يوضع فيه الإدام». فقال أبو هريرة: «فكنا نشقها، نشقها ونلعقها لعقا». وهذا من إكرام هذا الصحابي رضي الله تعالى عنه. هذا جعفر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، وقصته كذلك في الصحيح، في غزوة الخندق، لما حفر النبي عليه السلام الخندق، أصابهم الجوع والتعب، فجاب الراء النبي عليه السلام على الحال الذي كان عليه، فجاء إلى زوجته، أخبرها أن الرسول عليه الصلاة والسلام به تعب وعليه الجوع، فذهب إلى النبي عليه السلام، أمر زوجته أن تذبح وأن تعجن طعاما وخبزا، فذهب النبي عليه الصلاة والسلام، رد النبي عليه الصلاة والسلام، فقط ما رد، أهل الخندق، أهل الخندق، قرابة ألف، ماذا يكفيهم؟ فلما جاء جابر وأضاف النبي صلى الله عليه وسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أهل الخندق، قوموا، بناء». فأخذهم إلى بيت جابر بن عبد الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لزوجة جابر: «دعي البرمة مكانها». جاء النبي صلى الله عليه وسلم ودعا في هذه البرمة وفي الطعام، ويقول: «لا تغرفي»، فغرفت، «كلوا»، أكل الجميع، حتى قالت: «والله، البرمة لا زالت تغلي، لا زالت تفور». أكل من البرمة. انظروا الإكرام والبركة التي تحل على هؤلاء الذين يؤدون هذا الحق العظيم. والنماذج كثيرة، حتى ربما المرأة تكون عروسا، عادتها عروس تزوجت، لا يمنعها ذلك من القيام بهذا الحق. في الصحيحين من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه، أن أبا أسيد الساعدي رضي الله تعالى عنه استضاف النبي عليه الصلاة والسلام ضيفا، فقال: كانت الخادمة لهما عروسا، العروس كانت الخادمة، ماذا فعلت؟ قال: صنعت للنبي صلى الله عليه وسلم، أنقعت له تمرا في الليل، أنقعت له تمرا في الليل، يعني مع الماء، فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم، قدمت له ذلك الشراب. هل امرأة عروس تقوم، ما تقول: في حنة، وفي كذا، وفي كذا، ها، كيف أغسل المواعين، وماذا أفعل، وإني عروس؟ لا يعرفون الحق، ولذلك حصلت على هذا الثناء العظيم لقيامه بهذا الحق العظيم. النبي عليه الصلاة والسلام من حرصه على هذا الحق وإقراء الضيف وإطعام الأضياف، أنه جعل ذلك من خصال الإيمان. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر»، كما في الصحيحين، من حديث أبي هريرة: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت». وفي الصحيحين من حديث أبي شريح العدوي، قال عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، جائزته». فليكرم ضيفه، جائزته. قال: «وما جائزته يا رسول الله؟» قال: «يوم وليلة، يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما زاد على ذلك فهو صدقة». ومراد قول النبي صلى الله عليه وسلم، كما ذكر ابن حجر نقلا عن الخطابي رحمه الله، أنه قال: «جائزته يوم وليلة»، أنه إذا جاء الضيف إليك فأنت في يوم وليلة، في أول يوم والليلة، تحرص على هذا الضيف حرصا عظيما، فتتحفه بما عندك، ولو ذهبت وتعنيت بالإتيان بالطيب، يوم وليلة. وبعد اليوم والليلة، في بقية الأيام الأخرى، تكملت الثلاثة، تعطيه ما تيسر من عندك، لكن في اليوم والليلة يكون منك الحرص أشد، لأن هذه جائزة خاصة. وبعد ذلك، بعد ثلاثة الأيام، فإن بقي عندك وأحببت ذلك فهو صدقتك، قد أديت هذا الحق. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم إقراء الضيف من خصال أهل الإيمان. وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمر، كما في الصحيحين، قال له عليه السلام: «إن لربك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، وإن لزورك عليك حقا». لزورك: الزور، الضيف. «وإن لزورك عليك حقا». وأقر نبي الله سلمان الفارسي، لما قال أبي الدرداء: «إن لأهلك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، وإن لضيفك عليك حقا». من حرص النبي عليه الصلاة والسلام على أداء هذا الحق، أنه عليه الصلاة والسلام أثنى على من تخلق بهذا الخلق. جاء في المسند عن عباس، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من أحد أفضل من رجل يجاهد في سبيل الله، ورجل في باديته مع غنمه يقري ضيفه، ورجل في باديته مع غنمه يقري ضيفه ويؤدي حق الله». أثنى النبي عليه. وهكذا النبي عليه السلام، من حرص على أداء هذا الحق، أمر من لم يؤد إليه هذا الحق أن يأخذ حقه. في حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، في الصحيحين، قال عقبة: قال عقبة: «يا رسول الله، إنك تبعثنا، فنجد أقواما لا يضيفوننا». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا، إذا نزلتم بقوم فلم يضيفوكم، فخذوا حقكم، خذوا حقكم منهم». يؤخذ الحق، أنت ما إذا ما قمت بهذا الحق الذي قد وجب عليك، فإنه يؤخذ منك، لأنه حق. بل جعل المسلم مثل الدين، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من نزل بفناء قوم فلم يكرموه، فله عليهم دين، فإذا شاء أخذه، وإذا شاء تركه». فجعلهم مثل الدين على هذا الذي لم يقم به. النبي عليه الصلاة والسلام كذلك أقر أبا سعيد الخدري والصحابة، كما جاء في الصحيحين، حين خرج، أو في حديثهما، حين خرج أبو سعيد الخدري مع بعض الصحابة، فنزلوا على حي من أحياء العرب، فلم يضيفوهم، فلم يضيفوهم، فلدغ سيد القوم، لدغته إما عقرب وإما حية، فجاءوا إلى أبي سعيد وأصحابه: هل عندكم من دواء؟ هل فيكم من راقٍ أن يرقي؟ قالوا: «لن نرقي لكم حتى تجعلوا لنا جعلا، أي أجرا». فقالوا: «نجعل لكم قطيعا من الغنم، قطيع من الغنم». فقام أبو سعيد، ضرع مع الصحابة، فقرأ فاتحة الكتاب، قرأ سورة الفاتحة، ثم جمع بزاقه، ثم نفث على موضع اللدغة، قيل: فكأنما نشط من عقال، سيد القوم، فأخذوا القطيع من الغنم. قال: «يا أبا سعيد، لا نأكل حتى نخبر رسول الله عليه الصلاة والسلام». فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما جرى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سعيد: «وما يدريك أنها رقية؟ كلوا، واضربوا لي بسهم». أقرهم على ذلك، لأنهم لم يقروا ولم يقوموا أولئك بهذا الحق، فأخذوا هذا منهم. في سورة الكهف، في قصة الخضر مع موسى عليهما السلام، ﴿ فَاسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴾ [الكهف: 77]. موسى يقول للخضر: هؤلاء الذين ما ضيفونا، الآن تقيم هذا الجدار، خذ الأجر، كأنه يقول: هذا الجزاء، ما قاموا بالحق، فأخذ الجزاء عليه. فهذا حق، إذا لم يؤد، جاز لصاحبه أن يأخذه بالمعروف من غير ظلم. فضل الضيافة وإقراء الضيف كثيرة. من فضائل إقراء الضيف: أن من أطعم أحدا أطعمه الله. في الحديث بهريرة عند مسلم، في الحديث القدسي، قال النبي عليه السلام: «إن الله جل وعلا يقول: يا ابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني، يقول: كيف يا رب أطعمك وأنت رب العالمين؟ يقول: هذا يوم القيامة، كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول الله: يقول الله: يقول الله: أطعمك، أما إنك لو أطعمت لوجدت ذلك عندي. يا ابن آدم، مرض عبدي فلم تعده، يا ابن آدم، لم تعد لي، يا ابن آدم، لم تعد لي، قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: مرض عبدي فلان فلم تعوده، أما أنك لو عدته لو وجدت ذلك عندي، أو لو وجدتني عنده. قال: يا ابن آدم، استسقاك فلان فلم تسقه، يا ابن آدم، أسقني، قال: كيف أسقيك يا رب وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي». ومن فضائل إقراء الضيف والضيافة: دخول الجنة. يقول نبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عبد الله بن سلام: «أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا جنة ربكم بسلام». وهي من صفات الأبرار: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا ﴾ [الإنسان: 8-18]. فضائل عظيمة لهؤلاء الأبرار الذين كان من خصالهم أنهم يطعمون الطعام. والفضائل الكثيرة في إقراء الضيف. آداب الضيافة: للضيافة آداب يجب على المضيف أن يتأدب بها، وعلى الضيف أن يتأدب بها. أولا: نذكر الآداب التي تتعلق بصاحب البيت، المضيف. من آداب المضيف: أن يتجمل لضيفه، لا يأتي ضيفه وعليه ثياب لا تليق بالضيافة، بل يتجمل. شاهدوا هذا، ما ثبت في حديث عمر في الصحيح، أتي للنبي عليه الصلاة والسلام بثوب، لكنه من حرير، حلة، فقال النبي السلام: «البس هذه يا رسول الله، وتجمل بها لوفد الناس، وتجمل بها لوفد الناس»، أي الذين يفدون عليك، ومن هؤلاء الأضياف. ما أنكر النبي عليه صلى الله عليه ذلك، لكن أنكر أنها من حرير، لا تحل، قال: «هذه لباس من لا خلاق له». الشاهد: قرر نبي عليه الصلاة والسلام التجمل للوافدين، ومن هؤلاء الضيوف الذين يقدمون عليك. من أداب المضيف، صاحب البيت: أن يسرع في الضيافة، لا يتأخر، لا تجعل الضيف يتلوى من الجوع، الضيف جائع وأنت ما شاء الله على تأنٍ وعلى مهل، لا، ما ينبغي. ماذا قال ربنا جل وعلا عن إبراهيم؟ ﴿ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾، المعنى: بسرعة، ﴿ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ بسرعة. وفي الآية الأخرى: ﴿ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴾، فلا تؤخر الضيف، وإنما عليك بالمسارعة. من أداب المضيف: أن لا يستحقر شيئا، ولو كان شيئا قليلا، يقول: كيف استضيف وأنا عندي الشيء القليل؟ لا، المسلم يقول: «يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة جارتها، ولو فرسن شاة»، حتى الحوافر، حوافر الشاة. وقال: «يا أبا ذر، يا أبا ذر، إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك». كما في الصحيح هذه الأحاديث. وهكذا كذلك أن يقول: «لو دعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت، لأجبت». فلا يستحقر الضيف شيئا، يقول: هذا شيئا لا، بما تيسر، الجود بالجود، لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما أتاه الله، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها، سيجعل الله بعد عسر يسرا، فبالموجود، والجود بالموجود، كما يقال. كذلك من أداب صاحب البيت، المضيف: أنه يباشر الخدمة بنفسه. ماذا قال الله جل وعلا عن إبراهيم؟ ﴿ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ ﴾، فهو قائم بحق الضيف، يقوم يقرب، مع تجلس، ليس من الأدب، من الأدب أنك تتحرك، أن تأتي بطعام، تقربه، قال: ﴿ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ ﴾، هذا من أداب الضيف... من أداب الضيافة أنك لا تنظر إلى الضيف وهو يأكل نظرا، يعني ما ينبغي، بعض الناس الميداجة، الضيف ينظر فيه، لا، وإنما لك أن تنظر، يعني أن تنظر، الله تخافه، من غير ما يجعر، لمصلحة، تنبهه على شيء، يأكل شوكة، هو ما يدري، تقول له: ابعد هذه الشوكة، أو كذا، إلى آخر ذلك. ولذلك ذكروا عن هشام بن عبد الملك، وقيل سليمان بن عبد الملك، أن أعرابيا دخل عليه فأكل معه الطعام، فأراد الأعرابي أن يأكل، وكان في لقمته شعرة، فقال له سليمان: «أزل الشعر عن لقمتك، أزل الشعر عن لقمتك». فقضي بهذا الأعرابي، قال: «للموت خير من زيارة بخيل يلاحظ أطراف الأكيل على عمد»، يعني حتى شعر في لقمتي لاحظتها، يعني قضي بهذا الأعرابي. انتبهوا، الأعراب وللبدو نعم، فلهم معاملة خاصة، لخلاف المتفهم، يعرف أن هذا جائز، الشرع أن الضيف، أن ينظر في ضيفه، ليس لأنه يرى ماذا يأكل، لكن ينبه، لعله يخطأ في شيء، يأكل شوكة، في شعرة يأكلها، لكن الأعراب أولا لهم مسلوب خاص، فما اقتنع بهذا، نعم، فغضب وأنشد هذه الأبيات، كما ذكر ذلك عنه. كذلك أيضا من حق المضيف، من حق الضيف على المضيف: أن تكون على وجه البشاشة، وأن يأتي بأفضل ما عنده، لا يكون بخيلا. جاءت أحاديث في النهي عن التكلف للضيف، بعضها العلماء يحسنها، وبعضها العلماء قال فيها مقال، والبخاري بوّب بجواز التكلف للضيف. والجمع بين هذه الأقوال: أنه يتكلف للضيف بما لا مشقة فيه، يعني إذا ذبح، ما نقول: هذا تكلف، مدام أنه ما شاء الله صاحب غنم، ما هو تكلف، يذبح، يكرم ضيفه، ذبح إبراهيم لأضيافه، وذبح أبو التيهان، النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا الصحابة. لكن لا يكون ذلك لأجل يذهب يستدين، عنده ضيف، يذهب بدين، لا، لا يشق، يكلف على نفسه، إن يسر، بدون مشقة، فيقدم الأطيب والأفضل، كما دلت على ذلك النصوص، وإن لم يجد فبما تيسر، فبما تيسر. هذه ما يتعلق بالحقوق للضيف على صاحب البيت، المضيف. حقوق صاحب المضيف على ضيفه: أولا: إجابة الدعوة، إذا دعاك أحد ضيافة، أجب الدعوة. النبي عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين، أجاب دعوة امرأة يهودية، امرأة يهودية دعت النبي عليه السلام واستضافته، فذهب، حتى جعل ذلك السم في ذراع تلك الشاة. فكيف إذا دعاك المسلم واستضافك، عليك أن تلبي الدعوة، إلا إذا كانت هذه الدعوة تخالف شرع رب العالمين جل وعلا، فالولائم التي تقوم وهي لإحياء بدع ومحدثات، فلا تجاب، البدع والمحدثات تفعل لها ولائم وزيارات وموالد وختاميات وولائم منكرة، هذه لا تجاب، لماذا؟ لأنها تخالف الشرع، ليست كل دعوة تجاب، الدعوات التي فيها منكر لا يحضر، ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ [الأنعام: 68]، وجب الإعراض وعدم الحضور. لكن إذا كانت الضيافة لا شيء من المنكر فيها، فيجيب الضيف الدعوة. من الآداب التي على الضيف: أن لا يستحقر شيئا، كما تقدم، يقول: ماذا عنده؟ هذا العسان، استضافني، ما معها شيء، هذا يمكن معها شيء خفيف، أحتاج أذهب وأتعب نفسي على شيء، لا، لا تحقر شيئا، ولو كان كراعا، كما قال الله صلى الله عليه وسلم، أو ذراعا، لا، أجاب عليه الصلاة والسلام. من الآداب التي على الضيف: أن لا يكون طفيليا، الطفيلي ليس بضيف، الطفيلي ليس بضيف. من الطفيلي؟ هذا يتقصد بيوت الناس وقت الوجبات، يعرف الإنسان ما شاء الله اليوم عنده ضيافة، السلام عليكم يا فلان، كيف حالة، طيب، بالسوق، يتقصد، يعني يقول له: ما نحن في الضيافة اليوم، أو يمر تحت البيت يعمل حركات، هذا طفيلي. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِن