يستهل الشيخ سلسلة دروس في الفقه من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، مستعرضاً حديث أسامة بن زيد عن صيام النبي في شعبان وصيام يومي الاثنين والخميس. يبين فضلهما وسبب تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بالصيام في شهر شعبان لرفع الأعمال فيه.
يوضح المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم أياماً ويفطر أياماً فلا يداوم على صيام الدهر، بل يعتدل في عبادته كما ورد في أحاديث عائشة وابن عباس وأنس. وينهى عن سرد الصوم المستمر، مؤكداً أن من رغب عن سنته فليس منه كما بيّنه في حديث عبدالله بن عمر وخطبته رداً على تعبد بعض الصحابة بالتشدد.
يوضح المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم ويفطر ولا يسرد الصيام، ونهى عن صيام الدهر بقوله: «لا صام ولا أفطر». كما بينت قصة سلمان مع أبي الدرداء أهمية إعطاء كل ذي حق حقه من النفس والضيف والأهل، وأن الاعتدال في العبادة هو سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
يوضح المقطع أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصيام كان بالتوسط، فلا يواصل الصيام أياماً متتالية ولا يفطر أياماً متتالية، بل يصوم ويفطر بالتناوب. ويشير إلى أهمية تفقه طائفة من كل فرقة في الدين لإنذار قومهم، مستشهداً بقوله تعالى: "فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين".
فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذروا. المسائل الفقهية من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم، الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد، المدرس بدار الحديث بالشيخ. بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فيا عباد الله، ويا أيها المستمعون الكرام، فهذه حلقات فيها شرح لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أسميناها: «المسائل الفقهية من قول خير البرية عليه الصلاة والسلام». نذكر فيها أحاديث عن رسول الله صلوات الله وسلام عليه، ونذكر بعض الفوائد والمسائل الفقهية التي نسأل الله عز وجل أن ينفعنا بها جميعًا. أيها المستمعون الكرام، فإننا إن شاء الله تعالى نبدأ بهذه السلسلة التي فيها نأخذ من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقهها وفوائدها ومسائلها، لعل الله عز وجل ينفعنا بها في هذه الحياة وفي الدار الآخرة. فنرجو من الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا، ويجعله لنا زادًا وخيرًا إلى يوم القيامة. فياعباد الله، وأيها الإخوة الكرام المستمعون، فإن شاء الله تعالى، بما أنه دخل، وهل دخل شهر شعبان، فنذكر بعض الأحاديث التي في هذا الشهر العظيم، وأيضًا فيما يكون فيه من مسائل في هذا الشهر، شهر شعبان. فنختار أولًا هذا الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد والنسائي. فقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا ثابت بن قيس أبو غصن، قال: حدثني أبو سعيد المقبري، قال: حدثني أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصوم الأيام يسرد حتى يقال لا يفطر، ويفطر الأيام حتى لا يكاد أن يصوم إلا يومين من الجمعة، إن كانا في صيامه وإلا صامهما. ولم يكن يصوم من شهر من الشهور ما يصوم من شعبان. فقلت: يا رسول الله، يقول أسامة: فقلت: يا رسول الله، إنك تصوم لا تكاد أن تفطر، وتفطر حتى لا تكاد أن تصوم إلا يومين، إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما. قال: «أي يومين؟». قلت: يوم الاثنين ويوم الخميس. قال: «ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم». قال أسامة: وقلت: لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان. قال: «ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم». فهذا الحديث، عباد الله، ذكره الإمام أحمد كما قلنا، وأخرجه الإمام النسائي، وإسناده حسن، وله شواهد تدل عليه. فهذا الحديث قد تضمن ذكر صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم من جميع السنة، وصيامه من أيام الأسبوع، وصيامه من شهور السنة. فأما صيامه من السنة، فكان يسرد الصوم أحيانًا كما جاء في هذا الحديث، ويفطر أحيانًا، فيصوم حتى يقال لا يفطر، ويفطر حتى يقال لا يصوم. وقد كان هذا دأبه عليه الصلاة والسلام وسنته في صيامه في السنة. ولهذا جاء ذلك عنه عليه الصلاة والسلام من أحاديث عدة من الصحابة رضي الله عنهم. فمما نذكره في هذا المقام مثلًا ما جاء في صحيح البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم. وفيهما أيضًا، أي في البخاري ومسلم، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصوم إذا صام حتى يقول القائل: لا والله لا يفطر، ويفطر إذا أفطر حتى يقول القائل: لا والله لا يصوم. وكذلك أيضًا جاء من حديث أنس عند البخاري ومسلم كذلك، أنه سئل عن صيام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، سألوا أنسًا عن صيام رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فقال رضي الله عنه: ما كنت أحب أن أراه من الشهر صائمًا إلا رأيته، ولا مفطرًا إلا رأيته، ولا من الليل قائمًا إلا رأيته، ولا نائمًا إلا رأيته. وكذلك جاء في رواية مسلم أنه قال رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصوم حتى يقال قد صام قد صام، ويفطر حتى يقال قد أفطر قد أفطر. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ينكر على من يسرد صوم الدهر. فقد كان هذا صومه عليه الصلاة والسلام، يصوم أيامًا حتى يقال أنه لا يفطر، ثم يفطر أيامًا حتى يقال أنه لا يصوم. وإنما ذلك لأجل أن يوزع صومه عليه الصلاة والسلام. وسياتي أيضًا أنه كان يتحرى صيام بعض الأيام كذلك عليه الصلاة والسلام. وأما سرد الصوم كله في السنة، فإنه كان عليه الصلاة والسلام ينهى عن ذلك ولا يفعل ذلك عليه الصلاة والسلام. فقد جاء في حديث عبد الله بن عمر عند البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال له، أي قال عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمر: «أتصوم النهار وتقوم الليل؟». قال: نعم. فقال عليه الصلاة والسلام: «لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأمس النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني». وجاء في رواية: «وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». وجاء كذلك من حديث أنس أن نفرًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فبلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فخطب وقال: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني». فهذه الأحاديث، أيها الإخوة الكرام، دل فيها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان لا يحب سرد الصيام، حتى لا يكون صيام دهر، بل أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان ينهى عن ذلك، ويبين للناس أنه كان يصوم ويفطر، ويقوم وينام، ولا يفعل شيء، ولا يكون مثل ما فعل هؤلاء الذين ذكروا في الحديث، لأنه مخالف لسنته عليه الصلاة والسلام، ولأن ذلك فيه مشقة على الناس. وكذلك قد كان هناك، كما جاء عند أحمد، الرجل من الأنصار رضي الله عنه، قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مولاة لبني عبد المطلب، فقيل: إنها قامت الليل وصامت النهار. فقال عليه الصلاة والسلام: «لكني أنا أنام وأصلي، وأصوم وأفطر. فمن اقتدى بي فهو مني، ومن رغب عن سنتي فليس مني. إن لكل عمل شرة وفترة، فمن كانت فترته إلى بدعة فقد ضل، ومن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى». هذا الحديث أخرجه أحمد بإسناد حسن. فللهذا، عباد الله، ويا أيها الإخوة المسلمون، في هذا الحديث أخذنا هذه الفائدة العظيمة، وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان سنته عليه الصلاة والسلام في سنته أنه ما كان يسرد صومًا دائمًا، ولا فطرًا دائمًا، وإنما كان يصوم عليه الصلاة والسلام ويفطر، وكان يبين ذلك في سنته كما تقدم ذكره، وكان ينهى عن صيام الدهر. بل قال عليه الصلاة والسلام كما في الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري: إنه كان عليه الصلاة والسلام يقول فيمن صام الدهر: «لا صام ولا أفطر، لا صام ولا أفطر». ولما أراد بعض الصحابة رضي الله عنهم أن يسرد الصوم، نهاهم عن ذلك عليه الصلاة والسلام، كما جاء ذلك في حديث عبد الله. وقد أخرج البخاري كذلك أن سلمان الفارسي رضي الله عنه زار أبا الدرداء، وكان النبي صلى الله عليه وعليه وسلم قد آخي بينهما. فرأى أم الدرداء متبذلة، أي عليها ثياب ليست ثياب زينة. فقال: «ما شأنك متبذلة؟». وهذا كان قبل الحجاب. فقالت: إن أخا الدرداء لا حاجة له في الدنيا. فلما جاء أبو الدرداء، قرب له طعامًا، قرب لأخيه سلمان طعامًا، فقال له: «كل». فقال: «إني صائم». فقال: «ما أنا بآكل حتى تأكل». فأكل. فقال النبي صلى الله عليه وعليه وسلم في آخر الحديث: قال سلمان لأبي الدرداء في آخر الحديث: «إن لنفسك عليك حقًا، وإن لضيفك عليك حقًا، وإن لأهلك عليك حقًا، فأعطِ كل ذي حق حقه». فلما أتي النبي صلى الله عليه وعليه وسلم فذكروا ذلك له، قال: «صدق سلمان». فهذا كله يدل على أن المسلم ينبغي عليه أن لا يسرد الصوم، بل يصوم ويفطر كما كان يفعل عليه الصلاة والسلام. لهذا صدق سلمان في هذا. فأول فائدة أخذناها في هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وعليه وسلم ما كان يسرد الصوم، بل كان ينهى عن ذلك، ويبين سنته عليه الصلاة والسلام. وقد نهى صلى الله عليه وعليه وسلم عن صيام الدهر، فقال: «لا صام ولا أفطر»، وغير ذلك من الأحاديث التي جاءت في هذا الباب. فهذه الفائدة التي أخذناها من هذا الحديث، والمسألة، وهي أن النبي صلى الله عليه وعليه وسلم كان هديه في سنته عليه الصلاة والسلام في صيامه في السنة أنه كان لا يسرد صومًا، ولا يسرد فطرًا، أي لا يتابع الصيام، ولا يتابع الإفطار، بل يصوم ويفطر، يصوم ويفطر عليه الصلاة والسلام. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذروا. المسائل الفقهية من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم، الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد، المدرس بدار الحديث بالشيخ.