الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي سبب نزول الآية الكريمة التي أباحت الأكل والشرب والجماع في ليالي رمضان بعد أن كانت محرمة بعد النوم، مبيناً تخفيف الله عن المؤمنين لعلمه بمشقتهم. ويشير إلى أن المعتكف مستثنى من هذا الإباحة كما سيأتي بيانه في موضعه.
يبيّن المقطع جواز الأكل والشرب والجماع عند الشك في طلوع الفجر للأصل بقاء الليل، وعدم الجواز عند الشك في غروب الشمس للأصل بقاء النهار، مع صحة صيام من أكل غلبة ظناً ثم تبين الخلاف. كما يستحب السحور وتأخيره لوجود البركة فيه اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم.
يوضح أن السحور يمتد إلى طلوع الفجر الصادق لا الشمس، ويحرم الأكل بعد تبين الفجر، ويصح صيام من أصبح جنباً أو حائضاً طهرت قبل الفجر إذا اغتسلا بعد دخول الوقت. ويؤكد استثناء المعتكف من إباحة المباشرة في ليالي الصيام لعدم شموله بالآية.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾. يقول رحمه الله: كان في أول فرض الصيام يحرم على المسلمين الأكل والشرب والجماع في الليل بعد النوم، فحصلت المشقة لبعضهم، فكفّ الله تعالى عنهم ذلك وأباح في ليالي الصيام كلها الأكل والشرب والجماع، سواء نام أو لم ينم، لكونهم يختانون أنفسهم بترك بعض ما أمروا به. ومعلوم أن قوله جل وعلا: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ ﴾ على أنه كان محرماً عليهم، وقد جاء ذلك في الصحيحين في قصة قيس بن صرمة، لما نام عن إفطاره، فكان كما في حديث سلمة بن الأكوع: كان الرجل إذا أفطر قال: إذا دخل الليل لا بد أن يأكل قبل أن ينام، فإذا نام فإنه لا يأكل. فقيس كان في عمل طول النهار، فجاء الليل فطلب فلم يجد شيئاً عند امرأته، فذهبت تأتي له بطعام، فنام من شدة التعب، فقالت: خيبة لك. ثم إنه قام من نومه فلم يأكل شيئاً، وفي نصف النهار سقط. وهكذا أيضاً جاء في سنن أبي داود عن عمر في مسألة جماع امرأته، فأنزل الله عز وجل تخفيفاً على أهل الإيمان هذه الآية: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ﴾، سواء نمتم أو لم تناموا، كما ذكر المؤلف هنا. والمفسر قال: سواء نام أو لم ينم، لكونهم يختانون أنفسهم، أي وقع منهم هذا الأمر. ﴿ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ ﴾ أي تقعون في مثل هذا الشيء. ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ﴾: عفى الله عز وجل عن أهل الإيمان ممن حصل منه شيء من هذا. قال رحمه الله: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: الله عليكم بأن وسع لكم أمراً كان لولا توسعته موجب توسعته موجباً للإثم، وهذا من رحمة الله عز وجل على عباده، يأمرهم أولاً بأمر، فإذا وجد المشقة عليهم كفّ عنهم. قال: ﴿ وَعَفَا عَنكُمْ ﴾ ما سلف من التخاون. قال: فالآن، أي بعد هذه الرخصة والسعة من الله، باشروهن: وطأً وقبلةً ولمساً وغير ذلك. فالمباشرة هو المراد بها إلصاق الجسد بالجسد، وهنا أراد الجماع كما ذكر ابن عباس وغيره. قال: ﴿ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾: أن ينووا في مباشرتكم لزوجاتكم التقرب إلى الله، والمقصود الأعظم من الوطء هو حصول الذرية، وعفاف فرجه وفرج زوجته، وحصول مقاصد النكاح. ومما كتب الله لكم ليلة القدر الموافقة لليالي صيام رمضان، فلا ينبغي لكم أن تشتغلوا بهذه اللذة عنها وتضيعوها، فاللذة مدركة، وليلة القدر إذا فاتت لم تدرك. هذا أراد المؤلف رحمه الله أن يجمع بعض الأقوال التي ذكرت في هذه الآية: ﴿ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾. وبعضهم فسرها على عمومها: أي ابتغوا ما كتب الله لكم، أي ما أمركم الله به. وبعضهم أراد هذا كما ذكره المؤلف هنا، وهو المقصود الأعظم من الوطء: حصول الذرية، وعفاف الزوجة، وغيرها من هذه المقاصد. قال: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ﴾. قال: هذا غاية للأكل والشرب والجماع. وفيه أنه إذا أكل ونحوه شاكاً في طلوع الفجر فلا بأس عليه. وفيه دليل على استحباب السحور للأمر، وأنه يستحب تأخيره. شكا: هل طلع الفجر أو لم يطلع؟ فإذا أكل لا بأس في أكله لأن الأصل بقاء الليل. وإن ظن أن الفجر لم يطلع بعد أيضاً وأكل فهو كذلك. إن ظن أن الفجر قام من النوم، وظن أن الوقت بقي من الأذان، أو سمع أذاناً يظنه الأذان الأول، فأكل وشرب، فهو أيضاً لا شيء عليه لأنه بحسب ظنه فعل، والأصل بقاء الليل. لكن الإشكال إذا حصل ذلك في النهار، إذا حصل ذلك عند الإفطار، إذا ظن غروب الشمس فأكل. فإن كان غلب على ظنه أنه قد غربت الشمس ثم أكل، فالقول الصحيح في هذه المسألة أن صيامه صحيح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في البخاري في حديث أسماء لم يأمرهم بالقضاء. أفطروا ثم رأوا الشمس بعد أن أفطروا، فلم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضوا. وما جاء في رواية البخاري أنه قال: لا بد من قضاء، إنما هو من كلام هشام بن عروة رحمه الله، وليس من كلام النبي عليه الصلاة والسلام. وإلا فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يأمرهم بأن يقضوا ذلك اليوم الذي أفطروا فيه، فدل على أن من غلب على ظنه أن الشمس قد غربت فأكل لذلك فصيامه صحيح. أما إذا شك في غروب الشمس أو عدم غروبها فإنه لا يجوز له أن يأكل، لأن الأصل بقاء النهار، لا بد حتى يتيقن أو يغلب على ظنه أن الشمس قد غربت. والأفضل أنه يتيقن خروجاً من الخلاف، لأن بعض العلماء يرى بالشافعي ورواية مشهورة عن أحمد أنه يفطر، أن يكون مفطراً الذي يأكل وظن أن الشمس غربت وهي لم تغرب فأكل، قالوا: يقضي. والصحيح كما قلنا: عدم القضاء. قالوا: فيه دليل على استحباب السحور للأمر، وأنه يستحب تأخيره. ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ﴾. وقد جاءت الأوامر بالاستحباب أو بالأمر بالسحور. ومن أشهر هذه الأحاديث ما جاء في الصحيحين في حديث أنس، قد رواه عنه جماعة من أصحابه: قتادة وثابت وغيرهم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تسحروا فإن في السحور بركة، تسحروا فإن في السحور بركة». فجاءت أوامر، فمن الذي صرف هذه الأوامر إلى الاستحباب؟ ذكر الإمام البخاري رحمه الله أن مما يصرف هذا، أو مما في تصرفه في أبوابه وفي ذكر الأحاديث، ذكر أحاديث الوصال، على أنها صرفت هذا الأمر، وهو الأمر بالسحور، إلى الاستحباب، أنها صرفت أمر الوجوب إلى الاستحباب. قالوا: فيه دليل على استحباب السحور للأمر، وأنه يستحب تأخيره، كما كان يفعل النبي عليه الصلاة والسلام. في حديث أنس عن زيد بن ثابت أنه قال: «تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة»، فقال أنس لزيد: كم كان بين الأذان والصلاة؟ أو قال: بين سحوركم والصلاة؟ فقال: قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية. وقال العلماء: المراد بالخمسين آية المتوسطة، كما قال الشيخ ابن عثيمين: قرابة ثلث ساعة أو نحوها، هذا بين السحور وإقامة الصلاة. فهذا يدل على أنهم كانوا يتسحرون قرب الفجر. بل جاء في النسائي في حديث حذيفة - واختلف في وقفه ورفعه - أنه قال: «تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح إلا أن الشمس لم تطلع»، الصبح إلا أن الشمس لم تطلع. معناه: أنهم تسحروا وقد ظهر ضوء النهار. تسحروا، قد ظهر ضوء النهار، أي في معناه قبل أن يطلع الفجر كما فسره العلماء، لكنه تسحروا في آخر وقت السحر، حتى أنه قد ظهر في الليالي المقمرة، في بعض الليالي المقمرة التي يكون في آخر الليالي القمر كأنه نهار، كأنه نهار. فسر بهذا الحديث. وما جاء عن بعض السلف أنهم يأكلون حتى طلوع الشمس، فهذا من الأقوال الشاذة، جاء عن الأعمش وغيره. لكن الصحيح أنه لا بد أن الإنسان إذا سمع الأذان أو علم بطلوع الفجر فإنه يمسك عن الطعام، ولو كان في يده. وأما حديث أبي هريرة فهو الصحيح أنه موقوف على أبي هريرة، وليس مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهو اجتهاد من أبي هريرة رضي الله عنه. فلهذا فإذا سمع الرجل الأذان الذي يعلم أنه على الوقت، أو علم بالوقت، أو رأى الفجر أمامه، فإنه يمسك عن الطعام والشراب لهذه الآية: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ﴾. قالوا: هذا غاية للأكل والشرب والجماع، وفيه أنه إذا أكل ونحوه شاكاً في طلوع الفجر فلا بأس عليه. وفيه دليل على استحباب السحور للأمر، وأنه يستحب تأخيره، أخذاً من معنى رخصة الله وتسهيله على العباد. وفيه أيضاً دليل على أنه يجوز أن يدركه الفجر وهو جنب من الجماع قبل أن يغتسل. وهذه المسألة قد جاء فيها في الصحيحين أحاديث من سلمة وعائشة. وكان أبو هريرة رضي الله عنه يفتي ويحدث عن الفضل بن العباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يفطر، أي: من أصبح جنباً. لكن لما سأل أبا هريرة، سأله أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فدخل على أم سلمة وعائشة وسألهما عن ذلك، فقال: قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً من أهله ثم يصبح صائماً. فقال مروان لأبي بكر: اذهب إلى أبي هريرة وأخبره بذلك. قال: أخاف أن أخبره، معناه: أستحي أن أخبر شيخي بذلك، معناه: أبو هريرة يعتبر شيخه. وأبو بكر بن عبد الرحمن هو أحد الفقهاء السبعة في المدينة، ممن أخذ عن علماء الصحابة. قال: لا بل اذهب وأخبره، وأخبره ما حدثت به عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما. فقال أبو هريرة: إنما حدثني الفضل بذلك، معناه: ما جئت به من عندي، إنما حدثني الفضل بذلك. فاستقر قول أهل العلم، وبعضهم ذكر إجماعاً بعد الصحابة، أن من أصبح جنباً، أو امرأة حائضاً طهرت قبل الفجر ولم تغتسل بعد، معناه: جاء الفجر ولم تغتسل، فصيامها صحيح. كذلك الجنب إذا أصبح واغتسل بعد أن دخل الفجر أيضاً صيامه صحيح، كما ذكر هنا. تدل هذه الآية على هذه المسألة كذلك. قال: ويصح صيامه، لأن لازم إباحة الجماع إلى طلوع الفجر أن يدركه الفجر وهو جنب، ولازم الحق حق. قال: ثم إذا طلع الفجر أتم الصيام، أي: أمسك عن المفطرات إلى الليل، وهو غروب الشمس. ولما كان إباحة الوطء في ليالي الصيام ليست إباحة عامة لكل أحد، فإن المعتكف لا يحل له ذلك، استثناء بقوله: ﴿ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾. أراد المؤلف أن يبين أن من كان معتكفاً ليس هو داخلاً في هذه الآية. سيأتي إن شاء الله تعالى، سيذكر المؤلف بعض المسائل في هذه الآية، فإن شاء الله تعالى نكتفي بذلك، وإن شاء الله تعالى آمين.