تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 7

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 7

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تيسير الصيام ورخصة الفطر للمريض والمسافر وقضاء الأيام

بيّن الله تخفيف الصيام بفرض شهر واحد فقط، ورخّص للمريض والمسافر الفطر للمشقة مع وجوب قضاء الأيام بعد زوال العذر. يجوز قضاء الأيام في غير وقتها الأصلي مراعاةً للسهولة ورفع الحرج.

أحكام الصيام: من التخيير إلى الوجوب وحكم العاجز عن الصيام

في أول فرض الصيام خُيِّر المكلف بين الصيام وإطعام مسكين، ثم نسخ الله ذلك فأصبح الصيام واجباً على كل قادر. الشيخ الكبير والعجوز العاجزان يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكين، وهذا قول جمهور العلماء، وشهر رمضان فضله عظيم لنزول القرآن هدى وفرقان.

مشروعية التكبير في عيد الفطر وانتهاؤه بالصلاة والخطبة

التكبير مشروع بعد إكمال عدة رمضان شكراً لله على الهداية، ويستمر حتى يفرغ المصلي من صلاة العيد وخطبتها. يُختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسيره: ولما ذكر أنه فرض عليهم الصيام، أخبر أنه أيام معدودات، أي قليلة في غاية السهولة، وهذا من باب التخفيف والتيسير على العباد، فلم يوجب الله سبحانه وتعالى عليهم من الصيام إلا شهرًا واحدًا من اثني عشر شهرًا، وهذا يعتبر قليلًا. وكذلك أيضًا فيه ترغيب لهذه العبادة العظيمة المباركة، وأنها ما هي إلا أيام معدودة وأيام قليلة. قال: ثم سهل تسهيلا آخر، فقال: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، وذلك للمشقة في الغالب، رخص الله لهما في الفطر، لكون المرض في الغالب يشق على الإنسان أن يصوم وهو مريض. والمراد بالمرض في هذا الموضع الذي يحصل به الترخيص والفطر: هو المرض الذي يشق معه الصيام. أما المرض اليسير الذي لا يشق معه الصيام، فإنه لا يبيح للإنسان الفطر، كالألم اليسير في الإصبع، أو الضرس، أو صداع يسير في الرأس، أو نحو ذلك من مثل هذه الأمراض. وهكذا أيضًا السفر، فهو مظنة المشقة والتعب، فأباح الله جل وعلا للمسافر الفطر. قال: لما كان لا بد من حصول مصلحة الصيام لكل مؤمن، أمرهم أن يقضياه في أيام أخر إذا زال المرض وانقضى السفر وحصلت الراحة، أي إذا زال عذر الفطر الذي هو المرض، فعوفي وشفي المريض، وهكذا أيضًا أقام المسافر وانتهى سفره، فإنه يقضي ما أفطره من أيام رمضان حال سفره. قالوا في قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾: فيه دليل على أنه يقضي عدد أيام رمضان، كاملًا كان أو ناقصًا، أي إذا أفطر أيامًا من رمضان فإنه يقضي هذه الأيام، فلو أفطر رمضان كله فإنه يقضي عدد أيام رمضان كلها. وقالوا: إنه يجوز أن يقضي أيامًا قصيرة باردة عن أيام طويلة حارة، كالعكس، يعني لو كان رمضان في الصيف، ومعلوم في أيام الصيف يطول النهار ويقصر الليل، فأفطر لمرض أو سفر، فله أن يقضي في أيام الشتاء، وأيام الشتاء يقصر فيها النهار ويطول الليل ويبرد فيها الجو، فلا حرج عليه في ذلك، لأن الله عز وجل أطلق العدة، عدة القضاء: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فيقضي في أي أيام شاء من أيام السنة. قال: وقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، وهذا في ابتداء فرض الصيام، لما كانوا غير معتادين للصيام، وكان فرضه حتمًا فيه مشقة عليهم، درجهم الرب الحكيم بأسهل طريق، وخير المطيق للصوم بين أن يصوم وهو أفضل، أو يطعم، ولهذا قال: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. ثم بعد ذلك جعل الصيام حتمًا على المطيق وغير المطيق، يفطر ويقضيه في أيام أخر. فكان أول ما فرض الصيام على جهة التخيير: من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم بدل الصيام، كان هذا في أول الأمر، ثم لما نزل قول الله عز وجل: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، نسخ هذا التخيير وألزم بالصيام. قال: وقيل: وعلى الذين يطيقون أن يتكلفونه ويشق عليهم مشقة غير محتملة، كالشيخ الكبير، فدية عن كل يوم مسكين، وهذا هو الصحيح، وقال بهذا الصحابي الجليل ابن عباس رضي الله عنهما: أن في حق الشيخ الكبير والمرأة العجوز لا يطيقان الصيام، فيفطران ويطعمان عن كل يوم مسكين، وبهذا قال جمهور أهل العلم. فالكبير في السن الذي لا يطيق الصيام ولا يتحمله، فإنه يفطر ويطعم عن كل يوم مسكين، فيبقى عليه هذا الحكم؛ لأنه لا يستطيع أن يصوم ولا يستطيع أن يقضي، فجعل له الإطعام بدلًا، كما كان الإطعام بدلًا في أول الأمر عن من أراد الفطر، فكذلك من لم يطق الصيام، فإن البدل عن ذلك هو الإطعام. قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، قال: أي الصوم المفروض عليكم هو شهر رمضان، الشهر العظيم الذي قد حصل لكم فيه من الله الفضل العظيم، وهو القرآن، وهو القرآن الكريم المشتمل على الهداية لمصالحكم الدينية والدنيوية، وتبين الحق بأوضح بيان، والفرقان بين الحق والباطل، فسمي القرآن فرقانًا لأنه يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، وأهل السعادة وأهل الشقاوة. فحقيق بشهر هذا فضله وهذا إحسان الله عليكم فيه أن يكون موسمًا للعبادة مفروضًا فيه الصيام. فلما قرر ذلك، بين فضيلته وحكمة الله تعالى في تشريعه. قال: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، هذا فيه تعيين الصيام على القادر الصحيح الحاضر، أي من كان قادرًا على الصيام، وهو الصحيح غير مريض ولا عليل، وهو أيضًا حاضر غير مسافر، فحينئذ يجب عليه أن يصوم ولا يجوز له الفطر. ولما كان النسخ للتخيير بين الصيام والفدية خاصة، أعاد الرخصة للمريض والمسافر؛ لأن لا يتوهم أن الرخصة أيضًا منسوخة، يعني الرخصة في الفطر للمرض والسفر، فقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، أن يريد الله تعالى أن يسر عليكم الطرق الموصلة إلى رضوانه أعظم تيسير، ويسهلها أبلغ تسهيل، ولهذا كان جميع ما أمر الله به عباده في غاية السهولة في أصله، والله عز وجل لا يكلف العباد شيئًا لا يطيقون ولا يتحملون، فإن التكليف بما لا يطاق لا يجوز شرعًا ولا عقلًا، وإنما يكلف الله عز وجل العباد ما في قدرتهم واستطاعتهم، وإن وجد شيء من المشقة في العبادة فهي مشقة لا تنافي الاستطاعة والقدرة، ويحصل للعبد من الأجر والثواب بقدر ما يحصل له من المشقة والتعب في العبادة والطاعة. قال: وإذا حصلت بعض العوارض الموجبة لثقلها، سهله تسهيلا آخر، إما بإسقاطه أو تخفيفه بأنواع التخفيفات، ومن ذلك إسقاط الشيء من فروضه وواجباته، فإذا عجز الإنسان أن يصلي قائمًا سقط عنه القيام وجاز له أن يصلي جالسًا، وإذا عجز عن استعمال الماء إما لفقده أو للضرر بسبب استعماله انتقل إلى التيمم، وهكذا أنواع متعددة من التخفيفات التي جعلها الله عز وجل للعباد. قالوا: هذه جملة لا يمكن تفصيلها؛ لأن تفاصيلها جميع الشرعيات، ويدخل فيها جميع الرخص والتخفيفات، قد تكلم على أهل العلم في باب القواعد الفقهية في قاعدة: المشقة تجلب التيسير. قالوا: ﴿لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾، وهذا والله أعلم لألا يتوهم متوهم أن صيام رمضان يحصل المقصود منه ببعضه، دفع هذا الوهم بالأمر بتكميل عدته، ويشكر الله تعالى عند إتمامه على توفيقه وتسهيله وتبينه لعباده، وبالتكبير عند انقضائه، ويدخل في ذلك التكبير عند رؤية هلال شوال إلى فراغ خطبة العيد، يعني: إن يشرع التكبير ليلة عيد الفطر من غروب شمس آخر يوم من رمضان، لأنه بغروب شمس آخر يوم من رمضان أكملت عدة الصيام، والله عز وجل قال: ﴿لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، حينئذ يشرع التكبير إلى أن يفرغ من الصلاة وخطبة العيد. طيب الله، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.