تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 11

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 11

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير السعدي لتحريم أكل المال بالباطل وصوره

يستعرض المقطع تفسير العلامة السعدي لآية البقرة 188 مبيناً شمول النهي لجميع صور التعدي على أموال الغير كالغصب والسرقة والربا والغش. ويؤكد أن حقوق المسلمين في المال والنفس والعرض متساوية في الحرمة والوجوب.

عدم إحلال حكم القاضي للحرام ومسؤولية الوكيل

يقرر المقطع أن حكم الحاكم لا يغير حقيقة الحرام، فما أُخذ بغير حق يظل حراماً وإن حكم به القضاء الظاهري. ويحرم على الوكيل أن يخاصم عن موكله الخائن استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾.

ضوابط المجادلة في الملكية عند الظن والبينات

يبين المقطع أن من يعتقد ملكية عقار لسكنه الطويل لا يلام على مجادلته فيه ما لم تقم بينات قاطعة ببطلان حقه. ويؤكد وجوب الكف عن الجدال عند ظهور البينة القاطعة مستفاداً من دلالة الآية الكريمة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188]. قال رحمه الله: أي لا تأخذوا أموالكم إلى أموال غيركم، أضافه إليهم لأنه ينبغي للمسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويحترم ماله كما يحترم ماله، ولأن أكله لمال غيره يجر غيره على أكل ماله عند القدرة. وهذا تجد أن الله عز وجل يعبر في آيات كثيرة على أن يجعل الشيء بين المسلمين واحدًا، مثل قوله جل وعلا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29]، المراد: أي لا يقتل بعضكم بعضًا، وهكذا غيرها من الآيات التي تدل على أن المراد أن المسلم نفس واحدة، وأن حقوقهم واحدة من المال والنفس والعرض، فإذا تجرأ على مال أخيه فكأنه تجرأ على ماله. فقال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، أي لا يأكل بعضكم مال بعض. قال: ولما كان أكلها نوعين: نوعًا بحق، ونوعًا بباطل، وكان المحرم إنما هو أكلها بالباطل، قيده تعالى بذلك، ويدخل بذلك أكلها على وجه الغصب والسرقة والخيانة في وديعة أو عارية أو نحو ذلك، ويدخل فيه أيضًا أخذها على وجه المعاوضة المحرمة كعقود الربا والقمار، كلها فإنها من أكل المال بالباطل. وذكر القرطبي رحمه الله تقسيمًا نفس التقسيم، لكن قال: وأكل أموال الناس بالباطل إما بغصب وعدم اختيار، فذكر السرقة والخيانة والغصب وغيره، أو باختيار صاحبها لكن محرمة، مثل عقود الربا والقمار وما يجري مجراها، فإنها تكون غالبًا باختيار الشخص، فهو الذي يرابي وهو الذي يقامر، وهكذا، قال: كلها فإنها من أكل المال بالباطل لأنه ليس في مقابلة عوض مباح، وقد حرم الله عز وجل هذه الأشياء كلها التي ذكرت. قال: ويدخل في ذلك أخذها بسبب غش في البيع والشراء والإجارة ونحوها، حتى في البيع والشراء إذا كان عن غش، عن خداع، عن تدليس، فإنه أيضًا يدخل في الحرام. لو باع سلعة وهو يعلم أنها مغشوشة فهذا أيضًا من المحرم، أو يعلم أنها قد انقضى أمدها وأصبحت نتنة فباعها لأخيه، فهذا أيضًا من الغش الذي لا يجوز. ويدخل في ذلك استئجار الأجراء وأكل أجرتهم، أي لا يعطيهم أجرتهم، وهو من أكل المال الحرام. ويدخل فيه جميع التصرفات في مال الغير التي بغير إذن. قالوا: كذلك أخذهم أجرًا على عمل لم يقوموا بواجبه، لم يقوموا على حسب الاتفاق، فقد أعطاهم مثلًا أجر هذا الشيء لكن لم يقوموا بما اتفق معه، فهو أيضًا من أخذ المال بالحرام. ويدخل في ذلك أخذ الأجر على العبادات والقربات التي لا تصح إلا إذا أريد بها وجه الله تعالى. هناك بعض العبادات والقربات لا تصح من الغير فيأخذ عنها أجرة، مثل من يقول مثلًا: سأصلي لميتك، أو أسبح له، مثل ما يفعله الآن بعض المتصوفة، فيأتي هذا الرجل أو يأتيه ناس عندهم جهل، يقول له: أريد سبحة، أو يريد عشر سبح لأبي مثلًا مع الميت، فيسبح له، يسبح عشر سبحات مثلًا، فيتفق معه بكذا وكذا، فهذا من أكل أموال الناس بالباطل. ويدخل في ذلك الأخذ من الزكوات والصدقات والأوقاف والوصايا، أي بغير حق، لمن ليس له حق منها، وفوق حقه، فكل هذا ونحوه من أكل المال بالباطل. ويدخل أيضًا فيه أكل الأموال العامة، سواء كانت أموال حكومة أو أموال جماعة وضعوا لمشروع أو لشيء من خير أو غيره، فيأخذ منها بغير حق. قال: فكل هذا ونحوه من أكل المال بالباطل، فلا يحل ذلك بوجه من الوجوه، حتى لو حصل فيه النزاع والارتفاع إلى حاكم الشرع. معنى: حتى لو حكم الشرع أن له فيها... أقصد القاضي. ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾، أي تعلق هذه القضية إلى الحاكم حتى يحكم فيها. فإن حكم الحاكم، فإن حكم الحاكم لا يغير الواقع. حكم الحاكم لا يغير الواقع، ولهذا لو حكم الحاكم بشيء محرم، معناه أخذه بالظاهر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أحكم بما ظهر». ولهذا القاضي يحكم بما ظهر له من العلامات أو من الشواهد وغيرها أو البينات، فقد تكون... فقد يكون الشخص ألحن بحجته من الآخر وبيانه أوضح، فيغرر في كلامه، فيظن القاضي أن الحق معه، أو أنها مثلًا تكون بيده، تكون تحت يده، تركها هذا الشخص عنده، عنده مثلًا مال، أو قال له: اسكن في هذا البيت، هذا بيتي، اسكن فيه حتى مثلًا أشعرك، مثلا متى تخرج من هذا البيت، فلما جاء الوقت لأجل أن يخرجه قال: هذا بيتي، فتحاكم إلى القاضي، فإذا لم توجد بينة عند هذا الرجل الذي هو صاحب البيت، فلا لا شك أن القاضي سيحكم لمن كانت بيده، فهذه بينة أن هذا الرجل عنده بينة أنه هو الساكن في هذا البيت، طيب، فإذا حكم القاضي بهذه البينة فإنها لا تحل له الحرام، فهو حرام، لا زال أنه الحرام، يعلم أنه ليس له وإنما لصاحبه، فهذا من أكل أموال الناس بالباطل، ولو جاءت إلى الحاكم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأيّما رجل حكمت له بمال أخيه فإنما أحكم له بقطعة من النار»، كما قال عليه الصلاة والسلام وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن باب أولى القاضي، فإذا حكم بما عنده من البينات، فحكم القاضي لا يحل الحرام ولا يحرم الحلال. قال: فإن حكم الحاكم لا يبيح محرما ولا يحلل حراما، إنما يحكم على نحو مما يسمع، وإلا فحقائق الأمور باقية، فليس في حكم الحاكم للمبطل راحة ولا شبهة ولا استراحة. فمن أدلى إلى الحاكم بحجة باطلة وحكم له بذلك، فإنه لا يحل له، ويكون آكلًا لمال غيره بالباطل والإثم وهو عالم بذلك، فيكون أبلغ في عقوبته وأشد في نكاله. قال: وعلى هذا فالوكيل إذا علم أن موكله مبطل في دعواه لم يحل له أن يخاصم عن الخائن، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105]. أي إذا كان إنسان وكل شخصًا في أرض، والوكيل يعلم أن موكله مبطل، أو علم بعد ذلك بالقرائن وبالشهود وبكذا أن موكله مبطل وأن الأرض ليست له، فلا يجوز له أن يجادل عنه، لأنه من المجادلة عن الخائنين، ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾. فخلاصة معنى هذه الآية: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، أي لا يأكل بعضكم بعضًا مال أخيه بالحرام، سواء كان بإجبار أو برضا كالربا وغيره، وأيضًا لو كانت هذه الأموال أخذت من طريق المحكمة، طريق القاضي، فإنه أيضًا لا يجوز أن يأكل مال أخيه بالإثم والعدوان وهو يعلم أنه باطل، هو يعلم أنه باطل. لكن مثلًا من ظن أن هذا المال ما له، أو له فيه حق، فشارع فيه، فهذا لا شيء فيه، إذا كان يظن أن هذا المال له فيه وأراد حقه كما ظن، فهذا ليس بمبطل، وهذا يرجع إلى حكم الحاكم فيها وإلى البينات. ولكن إذا كان يظن أنه له في هذا المال شيء، مثلًا أحيانًا يحصل كثيرًا أنه مثلًا يكون بيتًا يسكن فيه الناس، وهذا البيت ليس لأبيهم، لكن أبوهم يموت ولا يخبرهم، لا يخبرهم أن البيت ليس بيتهم، فيأتي أناس أصحاب البيت نازعونهم فيه، فتجد... تجد غالبًا أن الشخص هنا ما عنده إلا أنه يعلم أن هذا البيت بيته، وأنهم يسكنون من قديم الزمان في هذا البيت، وهؤلاء وهؤلاء جاءوا بعد ذلك بسنوات كثيرة وادعوا أنه لهم، فمثل هذه المسائل، مسائل لو خاصم فيها الشخص مثلًا ليس عليه شيء، لأنه يظن أن هذا البيت بيته، وله فيه حق، إلا إذا تبين بالبينات أنه ليس له حق، فلا ينبغي له أن يجادل بعد ذلك. طيب، هذا ما يذكر في هذه الآية، والله تعالى أعلم. شكرًا.