الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 26، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي أن الآية تصف المفسد الذي إذا نُصح بتقوى الله استكبر وأنف، مبيناً أن العزة هنا بمعنى التكبر والعنفة. ويشير إلى أن هذا الخلق قد يصدر حتى من أهل الإيمان فيكون من صفات النفاق، كمن يرد النصيحة بقوله: لا تقل لي اتق الله.
يؤكد المقطع أن الأمر بتقوى الله موجه حتى للنبي ﷺ، فمن باب أولى لغيره، وأن النصيحة بالتقوى ليست للغيظ أو التشهير بل واجبة شرعاً. ويبين أنه يجب على المسلم قبولها ممن وجهها إليه مهما كان مركزه أو ماله.
يبيّن المقطع كيفية تعامل المسلم مع النصيحة سواء كانت صحيحة أو ظنها الناصح صواباً، مبيناً أن الواجب قبول الحق أو التبيين بالحجة. ويشرح معنى العزة في الآية بأنها القوة والغلبة التي تدفع صاحبها للاعتداء على الناصحين والتمادي في المعاصي.
يفسر المقطع معنى "أخذته العزة بالإثم" بأن الكبرياء الناتجة عن المعصية وعدم تقوى الله تمنع الإنسان من قبول النصيحة، وتجعله يتكبر على الناصح. ويختم بأن جزاء ذلك هو جهنم كفايةً وردعاً لصاحبه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين. قال علامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. فقال رحمه الله: ثم ذكر أن هذا المفسد في الأرض بمعاصي الله إذا أمر بتقوى الله تكبر وأنف، أن العزة هنا مراد بها التكبر والعنفة والحمية. قال: وأخذته العزة بالإثم، يعني يقول لمن قال له: اتق الله. فمثلا يقول: أيش، اتق الله؟ أو يقول مثلا: إنه يأنف عن النصيحة، التكبر فيقول للناصح: أنت تنصحني؟ أو يقول له: ما أريد نصيحة أحد. وغيرها من هذه الأنفات التي تدل على التكبر والعنفة. وقد يدخل فيها حتى أهل الإيمان إذا فعلوا مثل هذا، إلا أن هذه صفات النفاق. وإذا قيل له: اتق الله، أخذته العزة بالإثم. فمثلا يقول: لا تقل لي، اتق الله، أنا أخاف الله كذا. فهذا أيضا يدخل فيه. فقد قال ربنا جل وعلا لنبيه وهو خير الناس عليه الصلاة والسلام: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾، فكيف بغيره؟ فمن دونه أولى. قال له: اتق الله. والأمر بتقوى الله جل وعلا ليس فيه شيء من حال النصيحة تكون لغيظ، ولو كان عالما. إذا كان قد أخطأ في شيء أو مثلا يتجاوز حده، فيقول له عالم آخر أو حتى ناصح: يا فلان، اتق الله، يا أبا فلان، اتق الله، فإن هذا الذي أُخِذَ به مثلا كذا وكذا، أو خطأ. وليس على قول أهل السنة من باب النصح، وليس من باب التشهير والتعيير. وإن كان مثلا منها البدع والتقوى، أو رجل ليس له دين، بعضهم يعين بعضاً، عنده علم لكن ليس عنده دين، وليس من باب النصح فيقال له: اتق الله، من باب النصح. فلهذا فالأمر بتقوى الله عز وجل من باب النصح، فلا ينبغي للإنسان أن يأنف ممن يقول له ذلك، ولو كان أصغر منه، ولو كان دونه، ولو كان أيضا فقيرا وهو غني. فإنه ينبغي أن يتقبل هذه النصيحة، أو أنه إن كان رأى أن كلامه مخطأ، أحيانا الناصح يقول مخطأ، فيسكت مثلا منه، أو كان هناك تبيين للأمر، يبين له الأمر، يقول له: الأمر ليس كذلك، بل الأمر كذا وكذا، قد جاء حديث صحيح كذا وكذا. لأن أحيانا تجد بعض النصحة أنه ينصح بشيء خطأ يظنه صوابا، وهذا كثير في أمور الناس، بل في أمور الدين. قال: وإذا قيل له: اتق الله، أخذته العزة بالإثم. قال: فيجمع بين العمل بالمعاصي والتكبر على الناصحين. والعزة هنا من الأنفة والغلبة، من عز يعز إذا قوي وغلب. وتأتي العزة بمعنى القلة والشيء الذي لا يوجد إلا قليلا، من باب عز يعز فهو عزيز وهو قليل. لكن هنا المراد بها من باب عز يعز إذا قوي وعز، فهو يعتدي على الناصح وعلى من يرشد. وأخذته العزة بالإثم، أي الإثم الذي في نفسه بسبب عدم تقواه الله وعدم انقياده لشرع الله، فبهذا السبب فهنا سببية تبين لك معنى الآية: أخذته العزة أي للإثم الذي في صدره والإثم الذي يحمله، هذا الذي منعه عن أخذ النصيحة والتكبر على المنصور، على الناصح. قال: وأخذته العزة بالإثم، فحسبه جهنم. أي يكفيه بذلك ويردعه جهنم