الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 28، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الإمام السعدي أمر الله للمؤمنين بالدخول في الإسلام كاملاً دون تجزئة، مبيناً أن السلم المراد به هو الاستسلام لأحكام الله كلها. ويحذر من اتباع خطوات الشيطان بأخذ بعض الشرائع وترك البعض الآخر، مشبهاً ذلك بفعل أهل الكتاب الذين آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض.
يجب على المسلم أن يدخل في الإسلام كله فيؤدي ما يستطيع ويعذر بالعجز الحقيقي لا بالكسل، وتكفي النية الصادقة لإدراك أجر العمل المتعذر. وحذر النص من اتباع خطوات الشيطان التدريجية التي تقود من صغائر الذنوب إلى كبائرها.
يشرح المقطع كيف يبدأ الشيطان بإغواء العبد بالمعاصي الصغيرة كسرقة البيضة فتتدرج إلى الكبائر، ويبين أن الزلل واقع لا محالة لكن الله عزيز حكيم يقبل التوبة. محذراً من التسويف في الطاعات وتقديم المفضول على الفاضل.
يوضح المقطع أن الله وصف نفسه بالعزيز الحكيم ليبين أنه يضع الأمور في مواضعها بحكمة، فيعاقب المخالفين بحكمة لا بمجرد القسوة. وقد يكون العقاب بحرمان اليقين أو سعادة الدنيا أو بإصابة الجسد.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن محمدًا العبد ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام السعدي رحمه الله عند تفسير قول الله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾، ﴿ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾. قال رحمه الله: أراد أمر من الله تعالى للمؤمنين أن يدخلوا في السلم كافة، أي في جميع شرائع الدين، ولا يتركوا منها شيئًا، وأن لا يكون ممن اتخذ إلهه هواه، وإن وافق الأمر المشروع هواه فعلًا، وإن خالفه تركه. بل الواجب أن يكون الهوى تبعًا للدين، وأن يفعل كل ما يقدر عليه من أفعاله، وما يعجز عنه يلتزم وينويه فيدركه بنيته. وهذا على تفسير أن السلم هنا هو الإسلام: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ﴾، فأكثر قراءوها هكذا قصر السين، وأرادوا الإسلام. ولم يفرق أكثر المفسرين بين السلم والسلم، فإن جلّ من حول السلم ﴿ فَاجْنَحْ لَهَا ﴾ [الأنفال: 61]، ﴿ سِلْمٌ ﴾ [البقرة: 208]، معنى الصلح والسلم والاستسلام. فبعض أهل اللغة والتفسير فرقوا بين هذه الآية: بين السلم بالكسر، وبين السلم بفتح السين، وافترق أهل اللغة وغلبوا على التفريق؛ لأن الإسلام هو الاستسلام، والصلح يدخل في ذلك. لهذا بعضهم قرر تفسير هذه الآية في السلم، وقال: إن هذه الآية نزلت في مسالمة بعض العرب وبعض القبائل النبي عليه الصلاة والسلام، وبعضهم لم يدخل، فأمره الله عز وجل أن يدخل. لكن هذا تفسير صغير، بل الذي شهر عن ابن عباس وغيره أن المراد بالسلم هنا الإسلام، كما فسرهم، والمفسر رحمه الله: في السلم كافة، أي في جميع شرائع الدين، فلا يقوم الإسلام إذا ترك شيء في الدين، ويترك بعضًا، مثل ما ذكر الله عز وجل عن أهل الكتاب: ﴿ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ [البقرة: 85]، فجعل الله عز وجل هذا الأمر منهم كفرًا، وكفرًا بواحًا. لهذا أمر الله عز وجل أهل الإسلام أن يعملوا بشرائع الإسلام كلها، لا ينبغي لهم أن يأخذوا شيئًا ويتركوا شيئًا، أو أنهم ينكرون، أو أنهم لا يرون العمل به، كل ذلك من الباطل. بل الواجب عليهم أن يدخلوا في الإسلام كله، فما أدركوا بفعله واستطاعوا أن يفعلوه فعلوه، وما لم يروا ما لم يستطيعوا أن يفعلوه، وما لم يستطيعوا فعله إن كان لعدم القدرة فهم معذورون، وإن كان للكسل ينقص، فإن كان من الواجبات فإنه يؤاخذ من لم يفعله وأكد. قال رحمه الله: لما كان هنا، ذكروا أن يفعل كل ما يقدر عليه من فعل الخير، وما يعجز عنه يلتزم من باب الالتزام، أنه يلتزم هذا الأمر، لا يدع له أن ينكره، وينوي فيدركه بنيته. أنا يقول مثلًا: ينوي أنه مثلًا يكون من قرّاء الناس، لله عزيز، من أهل الخير، من أهل التقوى، من أهل الصلاة، وأن ما من فعل خير إلا وهو يود أن يفعله، لكن أحيانًا يتعذر به، إما كما قلنا عدم الاستطاعة، وإما الكسل والعجز وغيره. وأما كان كما قلنا عدم استطاعة فهو معذور. لهذا من أنواع هذا الأمر الذي يجري من نية ما جاء في ذلك بشرى بأجر، ما جاء فقراء المهاجرين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: يا رسول الله، ذهب إخواننا بالأجور، أو قال: ذهبوا بالدرجات. قال عليه الصلاة والسلام: «وماذا؟» قالوا: نصلي كما نصلي، ونصوم كما تصومون، ونقوم من الليل كما تقومون، ولكنهم يتفاضلون، يتصدقون بفضول أموالهم. ففهمهم النبي عليه الصلاة والسلام على أن يذكروا الله بعد الصلوات، الحديث المعروف. فهؤلاء ما عندهم أموال، وإلا لتصدقوا، فتمنوا أن يكونوا مثل هؤلاء الأغنياء الذين يتصدقون بما عندهم من الأموال، فهذا يدركوا بقلبه، هذا معنى كلام مجمل، وينويه فيدرك بنيته. قال: ولما كان الدخول في السلم كافة لا يمكن ولا يتصور إلا بمخالفة خطوات الشيطان، قال: ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾. ولأن أيضًا الشيطان يعترض الإنسان في عمل دين الإسلام وشرائعه، يعترضه في طريقه، فلا ينبغي له أن يتبع خطوات الشيطان، أي في العمل بمعاصي الله. قال: ﴿ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾، والعدو المبين لا يأتي إلا بالسوء، الفحشاء، وما به الضرر عليك. وهنا الله ربنا سبحانه قال: ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾، ولم يقل: ولا تتبعوا الشيطان، وإنما خطوات الشيطان. معنى ذلك أن الشيطان له خطوات ينقل بها العبد من خطوة إلى خطوة. انظر مثلًا إلى الزنا: يبدأ من النظر، ثم بعد ذلك تتبع خطوات إلى أن يفعل الفحشاء، والعياذ بالله. كذلك أيضًا السرقة: تبدأ بأخذ شيء يسير، ثم يتعود على السرقة، ويأخذ أشياء كبيرة كثيرة. لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده». النبي عليه الصلاة والسلام لعنه لأنه ملعون، لأنه خالف شريعة الله جل وعلا. لهذا قال: «لعن الله السارق يسرق البيضة». قال العلماء: كيف يسرق البيضة وتقطع يده، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا تقطع يد إلا في ربع دينار فصاعدًا»؟ فقال علماء العلم: أن المراد أن الإنسان أول ما يسرق يسرق شيئًا يسيرًا، يسرق شيئًا يسيرًا، فيضره الشيطان، فيأخذ من أموال الناس ما لا حق له فيه، ويأخذ صحاحًا وباطلًا، ويغذي نفسه بالحرام، فبعد ذلك يأخذ ما هو أكبر، ثم يتعود على الأخذ، فيأخذ أشياء، فتقطع يده. فهذا معناه، فهذا كله من اتباع خطوات الشيطان. وهكذا في كل المعاصي تجد أن الشيطان يتدرج للعبد في هذه المعاصي. وكما قال المفسر رحمه الله: وإن لم يستطع أن يأتي له من طريق المعاصي، يأتي له بتقديم المفضول على الفاضل، وبتقديم المهم على الأهم، فيقدم له المفضول على الفاضل، وهكذا يضيع عليه مثلًا الصلوات بحجة أنه مثلًا عنده كتابة، عنده كسب طيب. قالوا: لا تضيعوا. قال: ﴿ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾، والعدو المبين لا يقوم إلا بالسوء، الفحشاء، وما به ضرر عليه، أنه لا يريد الخير لهذا الشخص الذي هو عدو. قالوا: لما كان العبد لا بد أن يقع منه خلل وزلل، قال الله عز وجل: ﴿ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾، حتى لو استطاع أن يغلب الشيطان، استطاع أن يغلب الشيطان، فإنه لا بد أن يقع في الزلل، إما بتقصير، وإما بفعل سيء. وكما قال ربنا جل وعلا في الحديث: «يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم». وفي الحديث الآخر: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم». فالخطأ يقع فيه الإنسان ويخطئ، لكن إن استغفر الله وتاب إلى الله ورجع إلى الله، لهذا فلا بد أن يتداركوا الزلل والخطأ. ﴿ فَإِنْ زَلَلْتُمْ ﴾ يعني: من بعد ما جاءتكم البينات، أي على علم، ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾. قالوا: فيه من الوعيد السليم والتخويف ما يوجب ترك الزلل، فإن العزيز الحكيم إذا عصاه العاصي فيهره بقوته، وتجري حكمته، فإن من حكمته تعذيب العصاة المجرمين. وهنا ربنا جل وعلا لم يقل: فاعلموا أن الله غفور رحيم، وإنما قال: ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾، يضع الأشياء في مواضعها سبحانه وتعالى بحكمته، وهو أيضًا عزيز، فهو سيعاقب المخالف، سيعاقب المخالف، لكن يعاقبه بحكمته، يجعل ذلك حكمة منه سبحانه وتعالى. ممكن يعاقبه بأخذ شيء مما يكون عنده من اليقين، ومن الطاعات وغيره، ممكن يعاقبه بحرمانه شيء مما يكون من سعادة الدنيا، ممكن يعاقبه أيضًا بشيء مثلًا بما يكون فيه جرح له في جسده أو كذا، وكل ذلك