تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 57

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 57

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 57، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير المساكين في آية الحقوق العشر وفرقهم عن الفقراء

يشرح المقطع معنى المساكين بأنهم من أسكنتهم الحاجة والفقر فلم يحصلوا على كفايتهم، ويبين الفرق بينهم وبين الفقراء عند الجمهور مستدلاً بالآيات والحديث النبوي. كما يذكر أمثلة معاصرة كطلبة العلم المحتاجين للكتب والأسر المحتاجة للثلاجة كحاجات ضرورية تجوز فيها الزكاة.

حقوق الفقراء والمساكين وأحكام الجار في الإسلام

يفرق النص بين المسكين والفقير ويؤكد وجوب الإحسان إليهما وإعطائهما من الزكاة والصدقات. ثم يبين أنواع الجار الثلاثة وما لكل نوع من حقوق، مشيراً إلى وجوب بر الجار غير المسلم المعاهد.

عظمة حق الجار ووجوب الإحسان إليه

يؤكد النص على عظمة حق الجار في الإسلام مستدلاً بأحاديث نبوية تربط الإساءة للجار بضعف الإيمان، وتأمر بالإحسان إليه بالقول والفعل وتجنب الأذى حتى مع فسقه. يدعو إلى حل الخلافات بالرفق والنصيحة خاصة بين أهل الاستقامة.

إعلان استمرار درس إتحاف القارئين

أُعلن عن استمرار الأستاذ عمر محمد بن ربيعة في إلقاء درسه في كتاب إتحاف القارئين بإملاء البادئين بعد صلاة العصر من اليوم، داعياً الله التوفيق. يُعد هذا الإعلان تذكيراً بالحضور والمشاركة في الدروس العلمية المستمرة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى، العلامة السعدي، لتفسير قوله جل وعلا: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ في آية: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، آية الحقوق العشرة والوصايا العشر. وقوله: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾، قال: وهم الذين أسكنتهم الحاجة والفقر فلم يحصلوا على كفايتهم ولا كفاية من يمونون، فأمر الله تعالى بالإحسان إليهم بسد خلتهم وبدفع فاقتهم، والحث على ذلك والقيام بما يمكن منه. فالمساكين المراد بهم أهل الحاجة والفقر كما ذكر المؤلف رحمه الله، لأن المسكين إذا أطلق دخل معه الفقير، وإذا ذكر الفقير وحده دخل معه المسكين. وكما يقال: إذا اجتمعا تفرقا، وإذا تفرقا اجتمعا. يعني إذا قيل: فقير ومسكين، مثل ما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾، فهنا الفقراء هم أهل الحاجة الذين لا يجدون الشيء، والمساكين من يجد الشيء لكنه قد لا يجد الأشياء الضرورية أحياناً. فالمسكين على قول جمهور العلماء أنه أقل حاجة من الفقير، فالفقير هو أشد حاجة من المسكين. ولهذا قال الله عز وجل في سورة الكهف: ﴿فَأَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾، فسماهم مساكين مع أنهم معهم سفينة يعملون فيها في البحر، مع ذلك إلا أنه سماهم مساكين؛ فقد هذه السفينة لا تأتي لهم بحاجاتهم الضرورية. أيضاً النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح قال: «ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان، وإنما المسكين من لا يجد غنى يغنيه، ولا يتفطن له فيتصدق عليه». فدل على أن المسكين عنده لكن ليس كافياً، ولا يجد كفايته من الأشياء الضرورية. فإن المسلم إذا لم يجد الأشياء الضرورية ولو في جانب معين فإنه يعتبر مسكيناً يعطى من الزكاة. مثلاً: طلبة العلم، الكتب عندهم ضرورية، فإذا لم يستطيع أن يشتروا الكتب فلا بأس أن يأخذوا من الزكاة ويشتروا بها كتب العلم لأنها ضرورية في العلم. ليس المراد أنه يشتري كتباً لا يستفيد منها، وإنما المراد أنه يشتري الكتب التي يدرس فيها أو التي يحضر فيها وغير ذلك. وكذلك أيضاً قد يكون المسكين ليس عنده أشياء ضرورية في البيت، مثل: ثلاجة. الثلاجة أصبحت الآن من الأشياء الضرورية التي يحفظ بها الطعام وغيره، فيحتاج إلى ثلاجة فيشترى له ثلاجة ولو من مال الزكاة. وهكذا إذا لم يجد الأشياء الضرورية، أو أحياناً مثلاً لا يجد الطعام في بعض الأوقات، لا يجد طعاماً فيعتبر مسكيناً. وأما الفقير فهو غالباً المعدم الذي في غالب وقته لا يجد الطعام ولا يجد الحاجات الضرورية في أغلب أوقاته. فهؤلاء أمر الله عز وجل بالإحسان إليهم، أمر الله عز وجل بالإحسان إليهم، فإن الإحسان إليهم من الأعمال العظيمة. أوجب الله عز وجل على أهل الإسلام أن يحسنوا إلى الفقراء والمساكين، ويقوموا بحقهم، ويعطوهم من المال ما يقيم به أو ما يقيمون به معاشهم في الدنيا. ولهذا ذكرهم الله عز وجل فيمن يعطى من الصدقات والزكاة، وقال الله عز وجل أيضاً: ﴿وَآتُوا الْيَتِيمَ وَالْمِسْكِينَ﴾، أو قال أيضاً هنا في وصيته: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾. ﴿فَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾، وآت ذا القربى أيضاً. قال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾. إن هؤلاء لهم حق على المسلمين. وقال النبي عليه الصلاة والسلام في وصيته لمعاذ، أو لأمره بمعاذ: «خذ من أموالهم - أو من أغنيائهم - صدقة، فأعطها لفقرائهم». إن خذ من أموالهم أي من الأغنياء هذه الصدقة، وأعطها لفقرائهم. فهو حق عليهم، حق على المسلمين أن يحسنوا للمساكين، أن يحسنوا على المساكين. ومن باب الإحسان هو أعطائهم من الصدقة. قال: والجار ذو القربى أيضاً، هذه وصية بالجار القريب. والجار على ثلاثة أنواع: جار له ثلاثة حقوق، وجار له حقان، وجار له حق واحد. الجار الذي له ثلاثة حقوق هو الجار المسلم الذي يكون من ذوي القربى، فله ثلاثة حقوق: أولاً حق الجوار، وحق الإسلام، وحق القرابة. وجار له حقان: حق الجوار وحق الإسلام. وجار له حق واحد وهو حق الجوار، وهو الجار الكافر الذي ليس بكافر حربي، وإنما هو كافر معاهد أو مستأمن أو في الذمة من أهل الذمة ممن يدفعون الجزية. فهؤلاء لهم الجوار كذلك. ولهذا كان بعض السلف يعطي جاره المشرك، كما جاء عن عبد الله بن عمر، ذكره الإمام البخاري في الأدب المفرد: إذا جاءه شيء يقول: «أعطوا جارنا الكافر»، ويستدل بقول الله عز وجل: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾. فهؤلاء يبرون ما داموا من أهل السلم من المعاهدين، فيبرون. ومن البر أن يكون لهم حق الجوار، يكون لهم حق الجوار. ولا شك أن الجار أوصى به الشرع، فحث على أداء حقوقه، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»، أي سيجعله وارثاً. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره». وجاء في رواية: «فليكرم جاره». وقال النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً، كلها في الصحيح: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن». قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من لا يأمن جاره بوائقه». من لا يأمن جاره بوائقه، أي شروره، فلا يأمن الجار شروره، سواء كان من الخصومات، أو من وضع الأشياء القذرة، ووضع أيضاً ما يحجز عن الدخول إلى بيته، وغير ذلك، بمعنى يضيقه في هذه الأشياء. وكل ذلك من أذى الجار. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه». فدل على أن الجار له حق عظيم. لهذا قال: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾. الجار الجنب الذي ليس له قرابة. وكلما كان الجار أقرب باباً كان آكد حقاً. ينبغي للجار أن يتعاهد جاره بالهدية والصدقة والدعوة، واللطف بالأقوال والأفعال، وعدم أذاه بقول أو فعل. حتى لو كان من أهل المعاصي، من أهل الفسق، يحاول أن يتلطف به، يحاول أنه يدعوه، ينصحه. فهذا إذا كان من الفساق، فكيف إذا كان جارك امرؤ ملتزم بدين الله، من أهل السنة، من أهل استقامة؟ كيف بعد ذلك تحصل مثل هذه الأشياء والخصومات بين الجيران؟ خاصة من أهل السنة، لو نظرت ترى أن هذه الخصومات بسبب الأطفال، أو بسبب بعض الأشياء التي قد تكون من هذه الشرور والبوائق التي توضع في الطرق، أو توضع أمام بيت الجار، وغيرها من هذه الأمور التي لا ينبغي للجار أن يخاصم جاره بسبب مثل هذه الأمور. لهذا يحسن إلى جاره، ومن الإحسان إلى الجار أنه يلاطفه في القول وفي الفعل. إذا رأى منه خطأ جاء إليه ونصحه، وأصلح هو وإياه هذا الخطأ الذي حصل. فهذا الجار الذي أوصى به النبي عليه الصلاة والسلام. لهذا لا يجوز للمسلم أن يؤذي جاره، يؤذي جاره بالكلام، بالسبب، أو بالفعل، أو بغيرها. هذا ما يذكر في هذا المقام، ونكتفي به، والله تعالى أعلم. هنا إعلان: قال سيواصل أستاذ عمر محمد بن ربيعة درسه في إتحاف القارئين بإملاء البادئين بعد درس العصر من هذا اليوم إن شاء الله تعالى، وساعة الله خير.