تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 30

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 30

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 30، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

إثبات الصفات الاختيارية والرد على تأويل الأشاعرة والجهمية

يستعرض المقطع دلالة آية البقرة 210 على ثبوت الصفات الاختيارية كالمجيء والنزول، وينقل اعتراف المخالفين بظهور النصوص فيها. ثم يرد عليهم نقلا وعقلا مبينا أن نفيها يستلزم التعطيل والتشبيه بالمعدوم، وأن العقل السليم يقتضي كمال الفاعل بصفات الفعل.

حجة ابن تيمية في إثبات الصفات الإلهية والرد على الأشاعرة والمعتزلة

يشرح المقطع حجة شيخ الإسلام في التدمرية بأن إثبات الذات يستلزم إثبات الصفات ونفيها يؤدي للعدم، منتقدا تناقض الأشاعرة في إثبات سبع صفات فقط. ويذكر مناظرة محمود بن سبكتكين التي انتهت بإقرار ضلال من ينفي مكانة الله وصفاته.

تناقض مذاهب الجهمية والمعتزلة والأشاعرة في إثبات الصفات ونفيها

يبين المقطع كيف أثبتت الفرق الكلامية بعض الصفات ونفت أخرى بدعوى التنزيه فوقعوا في التناقض والتشبيه الذي فروا منه. بينما أهل السنة يثبتون جميع صفات الكمال بلا تعطيل ولا تمثيل، وعلم الكلام أوردهم في متاهات واضطرابات.

خاتمة الحديث عن إثبات الصفات وتفسير آية مجيء الله في ظلل من الغمام

يختتم المؤلف باب إثبات الصفات الإلهية مستشهدا بتفسير آية مجيء الله في ظلل من الغمام، معلنا الاكتفاء بما ذكر مع تفويض العلم لله تعالى. وتكون هذه الخاتمة خلاصة للمسار العقدي في إثبات الصفات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أخذنا في درس مضى قول الله عز وجل: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ [البقرة: 210]. وذكر المؤلف تفسير هذه الآية، أنها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات الاختيارية، كالاستواء والنزول والمجيء. والصفات الاختيارية هي التي تكون في فعل الله عز وجل، إن شاء فعلها وإن شاء تركها. فقد جاءت النصوص، ثم في آخر الكلام قال: "فهؤلاء ليس معهم دليل النقل، بل ولا دليل العقل". هؤلاء الذين حرفوا هذه الصفات ونفوها، ليس معهم دليل النقل، بل ولا دليل العقل. هم يدعون أن عندهم العقل. قال رحمه الله: "أما النقل، فقد اعترف أن النصوص الواردة في الكتاب والسنة ظاهرها، بل صريحها، دال على مذهب أهل السنة والجماعة، وأنها تحتاج لدلالتها على مذهبهم إلى أن تخرج عن ظاهرها، ويزاد فيها وينقص". وهذا كما ترى لا ينقضيه من في قلبه ذرة من إيمان. بل تمادوا في ذلك، وقالوا: "إن من قال بظاهر هذه النصوص إما أن يكون كافراً أو ضالاً". وذكر ذلك العضدي الإيجي في كتابه "المواقف"، صلف الأشاعرة وغيرهم في تكفير من أخذ بالظواهر. وهذا عجيب، أمر عجيب: الذي يأخذ بالظاهر إما أنه كافر أو ضال، والذي لا يأخذ بالظاهر هو الذي على الصواب، وأخذ بالقاعدة: "كل نص أوهم التشبيه فأوله أو فوضه ورد إلى تنزيهه". هكذا يقولون. وكل نص أوهم التشبيه عندهم، مصوص الصفات توهم التشبيه، يجعلون يقولون: إن إثبات الصفات يستلزم التشبيه. وهذا باطل نقلاً وعقلاً، باطل. فالله عز وجل قد ذكر صفات للمخلوقين، وذكر له سبحانه وتعالى صفات، فليس هناك شيء من التشابه بين هذه الصفات. بل قال جل وعلا: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11]. وكذلك أيضاً حتى في المخلوقات، من باب العقل، أنه قد تسمى بعض الأجزاء في المخلوقات تتشابه التسمية، لكن لا تتشابه الكيفية. فعلى سبيل المثال، كما يذكره العلماء: يد الفيل ويد النملة. يد الفيل ويد النملة، ما يشبه إلا الاسم، فليس فيها شبه من أي جهة كانت، ليس فيها شبه من أي جهة كانت. فلذلك، فحتى بالعقل والدليل العقلي، ليس معهم دليل. قال رحمه الله: "وأما العقل، فليس في العقل ما يدل على نفي هذه الصفات، بل العقل دل على أن الفاعل أكمل من الذي لا يقدر على الفعل، وأن فعله تعالى المتعلق بنفسه والمتعلق بخلقه فهو كمال". وهذا كما قال شيخ الإسلام وغيره: "إننا نثبت الصفات حتى بعقولنا، حتى بالعقل نثبت الصفات، لأنه لا يوجد شيء ليس له صفات إلا المعدوم". ليس هناك شيء ليس له أسماء وصفات إلا الشيء المعدوم. ولهذا شبه كثير من الجهمية الرب سبحانه وتعالى بالمعدوم، الشيء المعدوم. لهذا كان السلف يقولون: "الجهمية تعبد عدم، والرافضة تعبد صنم". وكانوا أيضاً... قال: "بل العقل دل على أن الفاعل أكمل من الذي لا يقدر على الفعل، وأن فعله تعالى المتعلق بنفسه والمتعلق بخلقه هو كمال. فإن زعموا أن إثباتها يفضي إلى التشبيه بخلقه، قيل لهم: الكلام على الصفات يتبع الكلام على الذات". وهذا من القواعد التي استدل بها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كلامه في "التدمرية" والرد على الأشاعرة وغيرهم، وأن الكلام على الصفات يتبع الكلام على الذات، ويلحق حدو ما قلتم في الذات، لا بد أن تقولونه في الصفات. فإثباتكم ذاتاً بغير صفات، هذا شيء من العدم. قال: "فكما أن لله ذاتاً لا تشبهها الذوات، فلله صفات لا تشبهها الصفات". أن تؤمنوا بأن لله عز وجل ذاتاً لا تشبهها الذوات، فكذلك أيضاً يكون له صفات سبحانه جل وعلا التي نقرها. وهذه الصفات لا تشبهها صفات غيره. بل قال قد فصل بهذا، فقال: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾. قال: "فصفاته تبع لذاته، صفات الخلق تبع لذواتهم، فليس في إثباتها ما يقتضي التشبيه بوجه". ويقال أيضاً: لمن أثبت بعض الصفات ونفى بعضها، أو أثبت الأسماء دون الصفات، هم معتزلة. إما تثبت الجميع كما أثبته الله عز وجل لنفسه وأثبته رسوله. لهذا حجة الأشاعرة أمام المعتزلة واهية، حجة الأشاعرة أمام المعتزلة واهية. وكما أن المعتزلة كانوا أيضاً... كما أن المعتزلة أيضاً كانت تحاجهم الجهمية: "أن كيف تثبتون الصفات؟ تثبتون الأسماء ولا تثبتون الصفات". والمعتزلة تقول: "كيف تثبتون سبع صفات وتنفون بقية الصفات؟". قالوا: "أثبتناها بالعقل". قالت الأشاعرة: "أثبتناها بالعقل". لكن المعتزلة قالوا: "إننا لم نثبتها بعقولنا مثلكم، بل العقل عند المعتزلة أنها لا تثبت". أقول: المعتزلة أدت بهم عقولهم إلى أنها لا تثبت، لا السبع الصفات. والأشاعرة أدت بهم عقولهم إلى إثبات هذه السبع الصفات، مع حالاتها تكون أربع عشرة، مع السبع الصفات الموجبة تكون عشرون صفة. لهذا يقولون في عقيدة العوام: "بالله عشرون صفة". قال: "فإما أن تثبت الجميع كما أثبته لنفسه، كما أثبته الله عز وجل لنفسه وأثبته رسوله، وإما أن تنفي الجميع وتكون جاحداً لرب العالمين، لأن الرب الذي ليس له صفات فهو العدم، فهو عدم". ولهذا قال محمود بن سبكتكين لما حاجه شيخ الإسلام، أو غيره بعض الأشاعرة، عن وجود الرب جل وعلا، وأنه في السماء، فكانوا ينكرون أن يكون في شيء، لا مكان، فيقولون: "ليس في مكان، وليس الله يقال له أين"، وكذا. فقال: "فأين الله؟ مادام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أين الله؟ من جارية". فهذا يدل على أنه يجوز أن يقال في السؤال: أين الله؟ أين الله؟ وأما قولكم: إن الله عز وجل لا يقال بالأين لأنه ليس له مكان، تنزه عن المكان وغيره، فهذا إنما إضاعة لرب العالمين، أو إضاعة لعقيدة في رب العالمين. سبحانه وتعالى عما تعتقدون، في عدم ليس له صفات، وليس أيضاً له مكان، كما أخبر به عن نفسه سبحانه وتعالى. قال: "آخر شيء، آخر مناظرة". فأنت مع أنه كان محمود بن سبكتكين كان أشعرياً، لكن لما رأى ما قالوا، قال: "هؤلاء قوم ضيعوا ربهم، هؤلاء قوم ضيعوا ربهم". قال رحمه الله: "وأما إثباتك بعض ذلك ونفيك لبعضه، فهذا كان قضياً، ففرق بين ما أثبته وبين ما نفيته". ففرق بين ما أثبته وبين ما نفيته، لن تجد إلى الفرق سبيلاً. فإن قلت: "ما أثبته لا يقتضي تشبيهاً"، قال لك أهل السنة والإثبات: "لما نفيته لا يقتضي تشبيهاً". أنا الذي نفيته أيضاً لا يقتضي تشبيهاً. لماذا هذه فقط السبع الصفات التي لا تقتضي التشبيه؟ إثباتك إثباتك هذه الصفات يلزمك أن تثبت جميع الصفات. مثل ما أثبت الجهمية صفة الوجود، كذلك المعتزلة أثبتت صفة الوجود، لأنهم لا يستطيعون أن يقولوا: إن الله ليس له وجود. فلذلك أثبتوا صفة الوجود. فقال لهم أهل السنة: "هذه صفة، وأيضاً المخلوق موجود كذلك، فأنتم الآن شبهتم الله عز وجل بخلقه في صفة الوجود". فعمّا الفلاسفة منهم قالوا: "لا موجود ولا معدوم"، جمعوا بين النقيضين. وقالوا: "لا موجود ولا معدوم"، وغير ذلك من هذه الأشياء التي أتوا بها الباطلة، بسبب أنهم أرادوا أن يلتزموا نفي الصفات، فدخلت عليهم لوازم كثيرة لم يستطيعوا أن يلتزموها، ولم يستطيعوا أيضاً أن يردوا عليها. وتجد أنهم يتهربون بالتأويل، يتهربون عن رد هذه الشبهات، أنهم ينزهون الله عز وجل عن خلقه. فإذا كان تنزيهكم الله عز وجل عن خلقه بسبب إثبات الصفات، فلماذا أثبتتم أنتم أصلاً سبع صفات للأشاعرة؟ ولماذا المعتزلة أثبتوا بعض الصفات؟ ولماذا الجهمية نفوا إثبات الصفات؟ فكل هذا يلزمهم، ويدل كما قال شيخ الإسلام على أن مذاهبهم متناقضة. قال: "حتى وخاصة مذهب الأشاعرة، كما قال شيخ الإسلام: مبني على التناقض، مبني على التناقض، لأنه لا يستطيع إثبات صفات ونفي بعضها". قال: "ولن تجد الفرق سبيلاً. فإن قلت: ما أثبته لا يقتضي تشبيهاً، قال لك أهل السنة والإثبات: بما نفيته لا يقتضي تشبيهاً. فإن قلت: لا أعقل من الذي نفيته إلا تشبيهاً، قال لك النفاة: ونحن لا نعقل من الذي أثبته إلا تشبيهاً". أن هذه الصفات: العلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، هذه السبع الصفات التي أثبتها أيها الأشعري، لا نعلم إنما هي قطعاً التشبيه، كذلك. من أين لك أن هذه لا تقتضي التشبيه وتلك تقتضي التشبيه؟ قال: "فما أجبت به... فما أجبت به النفاة، أجابك به أهل السنة لما نفيته". أنا أنت الأشعري الذي ينفي الصفات إلى السبع، ما أجبت به على المعتزلة، فهذا لماذا نفيتم عن الأشاعرة؟ يقولون: "نحن نعقل إثبات السبع الصفات لأنها صفات لازمة، صفات لازمة". طيب، طيب، كيف تردون على المعتزلة لما نفوا هذه الصفات؟ فردكم هذا على المعتزلة هو رد أهل السنة عليكم في إثباتكم السبع الصفات. قال رحمه الله: "الحاصل أن من نفى شيئاً وأثبت شيئاً لما دل الكتاب والسنة على إثباته فهو متناقض، لا يثبت له دليل شرعي ولا عقلي، بل قد خالف المعقول والمنقول". وهؤلاء الأشاعرة ظنوا أنهم أهل التحرير وأهل التدقيق، وأنهم فحول العلماء، بسبب أن معهم علم الكلام. لكن أضلهم علم الكلام، وجعل عقولهم كعقول الصبيان. لهذا الإمام ابن قيم رحمه الله يقول: "أهل الكلام مثل الذي معه شمعة تضيء له، وأراد أن يدخل مكاناً مظلم، مكاناً مظلم. فقال له أهل السنة: خذ هذه الشمعة تضيء لك في الطريق، والشمعة هذا النور: الكتاب والسنة. قال: فيأخذها ثم يطفئها، ويدخل في هذا المكان المظلم، لا شك أنه سيخبط عشواء". فدخلوا في علم الكلام، وأطفأوا نور الله عز وجل، عن رسولهم والكتاب، فتخبطوا وتناقضوا أيما تناقض. فتجد بعضهم يجعل هذه القاعدة قاعدة، والآخر ينقضها، ويجعل نقضها كفراً بالله، أو يجعل إثباتها كفراً بالله. وهكذا يتناقض الجهمية والمعتزلة والأشاعرة. فهذا ما ذكره المؤلف في إثبات الصفات، وأيضاً في تفسير هذه الآية: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.