تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 39

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 39

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 39، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية الشهر الحرام ونسخ تحريم القتال

يشرح المقطع قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ﴾ مبيناً أن تحريم القتال في الأشهر الحرم نُسخ بآيات الجهاد. ويؤكد أن فتنة الكفار بصد المؤمنين عن دينهم أكبر من القتل في الشهر الحرام، وأن الله متم نوره رغم كره الكافرين.

إنفاق الكفار لصد الناس عن سبيل الله

يوضح المقطع كيف يبذل الكافرون أموالهم وأوقاتهم ويمكرون المكر العظيم لمنع الناس من الدخول في دين الله بدوافع الحسد وحب المناصب. ويستشهد بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ...} مشيراً إلى تقصير المسلمين في الدعوة مقابل هذا الجهد.

جهود الملحدين في نشر الشبهات ومحاربة الإسلام

يصف المقطع حال أهل الإلحاد الذين لا وجهة لهم مستشهداً بشعر إليا أبي ماضي، ويبين أن الكفار يبذلون جهوداً كبيرة عبر الجمعيات والدعاة والمدارس والقنوات لنشر الشبهات وتشكيك المسلمين. ويؤكد أن الله يتم نوره رغم كيد الكافرين وكرههم.

الدعاء بنصر الدين وعاقبة كيد الكافرين

يسأل الكاتب الله أن يتم نعمته على المؤمنين بإقامة الدين أتم قيام، وأن يخذل من يريد إطفاء نور الإسلام ويجعل كيدهم في نحورهم. ويستشهد بآية تنذر بأن إنفاق الكفار لصد الناس عن سبيل الله سيحبط ويكون عليهم حسرة كما حدث مع الأمم السابقة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين. بعد، ذكرنا تفسير قولنا عز وجل: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِهِمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾. بعدما ذكر المؤلف تفسير هذه الآيات، وتحريم القتال في الأشهر، وذكر خلاف العلم فيه، وقلنا: إن أظهر العلم على أنه منسوخ، نسخته آيات المدافعة، أو آيات القتال. ثم قالوا: وقالوا: الفتنة أكبر من القتل، أي: في شهر الحرام. كيف؟ وقد اجتمعت فيهم، فعلم أنهم فساق ظالمون في تعييرهم المؤمنين. وقالوا: الفتنة أكبر من القتل، أي: فتنة الرجل عن دينه، فهو أكبر من القتل في الأشهر الحرم. قال: هم أكبر. تعالى: أنهم لا يزالوا يقاتلون المؤمنين، وليس غرضهم في أموالهم وقتلهم، إنما غرضهم أن يرجعوهم عن دينهم، ويجعلوهم كفارا بعد إيمانهم، حتى يكونوا من أصحاب السعير. فهم باذلون قدرتهم في ذلك، يسعون بما أمكنهم. ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ولو كره الكافرون. لو تأمل هؤلاء حالهم، أي: الكفار، لماذا يفعلون هذه الأفعال؟ يحاولون أن يصدوا أهل الإيمان عن إيمانهم، وأيضا يردونهم عن دينهم، مع أنهم لو تأملوا ذلك لوجدوا أنهم لا فائدة لهم إلا الحسد الذي أكل قلوبهم، كما في اليهود، وكذلك أهل الشرك، سواء كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أو في غيره. فتجد أهل الدعوات، دعاة على أبواب جهنم، يدعون الناس إلى النار، ويدعون الناس إلى الكفر بالله جل وعلا، وهم لا فائدة لهم إلا أنهم يكسبون فقط الناس على دينهم، وعلى ما هم عليه. بل بعضهم يعلم يقيناً أنه على باطل، لكن يستمر إما لأجل الحرص على منصب، أو حرص على قيادة، أو حرص على مال، أو غيرها من هذه الأشياء التي يحرص عليها الإنسان، ولو أدت به إلى النار، والعياذ بالله. فلهذا تجدهم ساعين، ويبذلون أوقاتهم، ويبذلون أموالهم. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾. والذين كفروا إلى جهنم يحشرون. ينفقون أموالهم بالليل والنهار، يبذلون أوقاتهم بالليل والنهار، لماذا؟ لأجل أن يصدوا الناس عن سبيل الله، يصدوا الناس عن دين الله. بل ويمكرون المكر العظيم لأجل أن يصدوا عن دين الله جل وعلا. ويمكرون، ويمكر الله، والله خير الماكرين. فإنما كيدهم على أنفسهم. فلذلك تجد أنهم يجتهدون، وأهل الإسلام لا تجد منهم ذلك الاجتهاد في دعوة هؤلاء إلى الإسلام، ودعوتهم إلى الخير. لكن تجدهم يدعون عند أهل الكفر، كالنصارى واليهود، يبثون دعاتهم في كل مكان لأجل الدعوة إلى دينهم. أهل الإلحاد الذين لا دين لهم، ولا وجهة لهم، ما يدعون؟ أين وجهتهم؟ حتى تشكك واحد منهم إلى أين يذهب، حتى قال شاعرهم: أتيت ولا أدري من أين أتيت، وأين الطريق قدامي؟ حما شيئاً، ما يدري من أين، لا يدري من أين خلق، ولا يدري إلى أين يذهب، ولا يدري أيضاً أين تؤديه طريقه. أولئك أهل الإلحاد. هذا قاله إليا أبو ماضي. ومعلوم أن إليا أبو ماضي أشعار فيها إلحاد. فالمهم أن هؤلاء ما يدرون وجهاتهم، وتجد أنهم يبذلون الجهد والأوقات لأجل نشر ما يقومون عليه. قال: فهم باذلون قدرتهم في ذلك، يسعون في ذلك بما أمكنهم. ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ولو كره الكافرون. وهذا الوصف عام لكل الكفار: لا يزالون يقاتلون غيرهم حتى يردوهم عن دينهم. بل حتى بالقتل، على أن لا يكتفون فقط بالكلام، أو بالمكر، أو بالكيْد، بل حتى بالقتل، حتى يصدوا أهل الإسلام عن دينهم، ويردوهم. قالوا: قصصاً أهل الكتاب من اليهود والنصارى، الذين بذلوا الجمعيات، ونشروا الدعاء، وبثوا الأطباء، وبنوا المدارس، لجذب الأمم إلى دينهم، وإدخالهم عليهم كل ما يمكنهم من الشبه التي تشككهم في دينهم. أن عندهم ناس، همهم هذا، أو عملهم ووظيفتهم تشكيك على الإسلام في دينه، يبثون فيه هذه الشبه. وهناك أيضاً لهم قنوات، ولهم مواقع، يبثون مثل هذه الشبه في هذه المواقع. قال: ولكن المرجو من الله، الذي مَنَّ على المؤمنين بالإسلام، واختار لهم دينهم القيم، وأكمل لهم دينهم، أن يتم عليهم نعمته بالقيام به أتم قيام، وأن يخذل كل من أراد أن يطفئ نوره، ويجعل كيدهم في نحورهم، وينصر دينه، ويعلي كلمته. وتكون هذه الآية صادقة على أولاء الموجودين من الكفار، كما صدقت على من قبلهم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن س