تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 40

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 40

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 40، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح العلامة السعدي لثلاثة أعمال عظيمة: الإيمان والهجرة والجهاد

يفسر العلامة السعدي الآية الكريمة التي تذكر الإيمان والهجرة والجهاد، مبيناً أنها عنوان السعادة وقطب رحى العبودية. يفصل فضيلة كل عمل: الإيمان فاصل بين السعادة والشقاوة، الهجرة مفارقة المحبوب لرضا الله، والجهاد بذل الجهد في سبيل الله.

حقيقة الرجاء وشروطه والفرق بينه وبين التمني

يوضح المقطع أن الجهاد هو ذروة الأعمال الصالحة وجزاؤه الجنة، وأن الرجاء الحقيقي برحمة الله لا يصح إلا بعد السعي في أسباب الطاعة. أما الرجاء المقترن بالكسل وترك الأسباب فهو تمنٍّ وغرور، كمن يرجو الولد بلا نكاح أو الحصاد بلا بذر.

الرجاء رحمة الله وعدم الاغترار بالأعمال

يشرح أن العبد يجب أن يرجو رحمة الله ومغفرته دون الاعتماد على أعماله، لأن الدخول للجنة برحمة الله لا بمجرد الأعمال. الأعمال نفسها توفيق من الله، والمغفرة تدفع العقوبات بينما الرحمة تجلب الخيرات، والفضل كله لله.

توفيق الله ورحمته بعباده في الأعمال الصالحة

يبين أن توفيق العبد للأعمال العظيمة القربة إلى الله هو من رحمة الله وتوفيقه، وأن الله يجازيهم بالثواب والقبول والإحسان. وقد اكتفى المؤلف بشرح هذه الآية مبيناً فضل الله على عباده.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة سعد رحمه الله عند تفسير قول الله جل وعلا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾، قال رحمه الله: «هذه الأعمال الثلاثة هي عنوان السعادة وقطب رحاء العبودية: الإيمان، والهجرة، والجهاد». قال: «هي عنوان السعادة وقطب رحاء العبودية، وبها يعرف ما مع الإنسان من الربح والخسران». فأما الإيمان، فلا تسأل عن فضيلته، وكيف تسأل عن شيء هو الفاصل بين أهل السعادة والشقاوة؟ وهذه الآية نزلت بعد تحريم القتال، بمعنى ذكر القتال في الأشهر الحرم. ذكر ابن إسحاق رحمه الله أن هذه الآية نزلت بإسناده عن عروة بن الزبير، أنها نزلت بعد هذه الآية؛ لأجل أن الله عز وجل كافأهم وبين فضل أصحاب عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي الذين قتلوا عمرو الحضرمي، فأراد ربنا جل وعلا أن يبين فضلهم على غيرهم وفضل أهل الإيمان كذلك، فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾، إنما يريد أن يبين أن من ليس من أهل الإيمان، ولا من أهل الهجرة، ولا من أهل الجهاد، فهؤلاء لا يرجون رحمة الله. فذكر أولاً هذه الأعمال الثلاثة العظيمة. قال: «فأما الإيمان، فلا تسأل عن فضيلته، وكيف تسأل عن شيء هو الفاصل بين أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأهل الجنة من أهل النار؟» معنى الفاصل بينهما هو الإيمان بالله جل وعلا. ولهذا لما سئل النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين عن أفضل الأعمال، قال: «إيمان بالله». قال: «هو الذي إذا كان مع العبد قبلت أعمال الخير منه، فيقبلها الله، وإذا عدم منه لم يقبل له صرف ولا عدل». ويقال: الصرف هو الفرض، والعدل هو النافلة، لم يقبل له صرف ولا عدل، ولا فرض ولا نفل، معناه كأنه كرر المعنى. قال: «وأما الهجرة، فهي مفارقة المحبوب المألوف لرضى الله تبارك وتعالى، فيترك المهاجر وطنه وأمواله وأهله وخلانه تقرباً إلى الله ونصرة لدينه». فلهذا كان أجر المهاجر عظيماً عند الله جل وعلا، ولم يعذر الله عز وجل من لم يهاجر ممن كان في أرض الكفر، كمن كان في مكة بعد أن هاجر الناس إلى المدينة، فلم يعذرهم الله عز وجل في وجودهم إلا المستضعفين من الرجال والولدان والنساء الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، كما ذكر ربنا جل وعلا، فهؤلاء عذرهم الله. وأما غيرهم من الرجال الأقوياء، فلم يعذرهم لبقائهم عند الكفار يفتنونهم في دينهم. قال: «وأما الهجرة، فهي مفارقة المحبوب المألوف لرضى الله تبارك وتعالى، فيترك المهاجر وطنه وأمواله وأهله وخلانه تقرباً إلى الله ونصرة لدينه، مثل ما فعل الصحابة رضي الله عنهم، تركوا ديارهم، تركوا أموالهم لأجل الله جل وعلا. لما أمرهم الله عز وجل بالهجرة، أولاً هاجروا إلى الحبشة مرتين، ثم هاجروا إلى المدينة». قال: «وأما الجهاد، فهو بذل الجهد في مقارعة الأعداء، والسعي التام في نصرة دين الله وقمع دين الشيطان، وهو ذروة الأعمال الصالحة، وجزاؤه أفضل الجزاء، فجزاؤه الجنة، كما أخبر ربنا جل وعلا ونبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾، ثم ذكر بقية الآية. وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال في بدر: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض»، فجزاؤه الجنة». قال: «وهو السبب الأكبر لتوسيع دائرة الإسلام، وخذلان عباد الأصنام، وأمن المسلمين على أنفسهم وأموالهم وأولادهم؛ لأن الجهاد يرفع راية الإسلام، ويخذل هؤلاء أهل الشرك، ويؤمن أهل الإسلام في بلدانهم، وفي أنفسهم، وفي أموالهم، وفي أولادهم». قال رحمه الله: «فمن قام بهذه الأعمال الثلاثة على لوائها ومشقتها، بمعنى ما يجده من الصعوبة والمشقة والعسر في تأدية هذه الأشياء، كان قياماً بها وبه وتكميلاً، فحقيق بهؤلاء أن يكونوا هم الراجين رحمة الله؛ لأنهم أتوا بالسبب الموجب للرحمة». وفي هذا دليل على أن الرجاء لا يكون إلا بعد القيام بأسباب السعادة، أن الرجاء لا يكون إلا بعد القيام بأسباب السعادة، وإلا كان جهلاً، وكان أيضاً كذلك سوء ظن، وليس حسن ظن بالله جل وعلا. فلا يرجو العبد رحمة الله وثوابه إلا إذا فعل السبب. ولهذا يدل، كما ذكر الحسن البصري رحمه الله، أن أناساً، قال: أن أناساً، معنى كلامه أنهم اغتروا بعفو الله وكرمه، أناس اغتروا بعفو الله وكرمه، فرجوا مغفرة الله ولم يحسنوا العمل، أو قالوا: وقالوا: «نحن نحسن الظن بالله»، فقالوا: وكذبوا، لو أحسن الظن، لو أحسن الظن لأحسن العمل، لو أحسن الظن لأحسن العمل، وحسن الظن هو الرجاء. فلهذا فإن من يرجو رحمة الله جل وعلا ويحسن الظن بالله، لا بد أن يقوم بأسباب ذلك الأمر. ولهذا قال: هنا المؤلف رحمه الله: «في هذا دليل على أن الرجاء لا يكون إلا بعد القيام بأسباب السعادة». إذا سلك الإنسان أسباب السعادة، ولو لم يتمها، ولو لم يأتِ بها بكمالها، لكن قد سلكها، سلك فيها، وأيضاً قطع الطريق فيها، فإن هذا يرجو رحمة الله ويحسن الظن بالله. وأما الرجاء المقارن للكسل وعدم القيام بالأسباب، فهذا عجز وتمن وغرور، وهو دال على ضعف همة صاحبه ونقص عقله، بمنزلة من يرجو وجود الولد بلا نكاح، ووجود الغلة بلا بذر وسقي ونحو ذلك. قد ذكر الإمام ابن القيم عدة أمثلة في هذا الباب، أن الذي يرجو رحمة الله، والذي يريد المغفرة من الله عز وجل، وهو لا يسلك الأسباب، فهو مغرور ومتمنٍّ على الله عز وجل، مثل كما قال هنا المؤلف. وهذا أيضاً المثال قد ذكره الإمام ابن القيم، وذكر أشياء أخرى معنا: من يريد أو يرجو وجود الولد بلا نكاح، ليس عنده زوجة، ويرجو من الله أن يأتيه ولد، أن يسر له ولداً، وهو لا يريد النكاح، فهل هذا له عقل صحيح؟ هذا ليس له عقل صحيح، كيف يأتي الولد وهو لم يتزوج، أو لا يريد الزواج؟ فهل هذا مثل الذي يرجو رحمة الله ومغفرته وهو لا يسلك أسباب هذه الرحمة وهذه المغفرة؟ قال: في قول ﴿ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ﴾ إشارة إلى أن العبد لو أتى من الأعمال بما أتى به، لا ينبغي له أن يعتمد عليها ويعول عليها، بل يرجو رحمة ربه، ويرجو قبول أعماله ومغفرة ذنوبه وسترة عيوبه. حتى لو أنه عمل هذه الأعمال أيضاً، لا ينبغي له أن يعتمد عليها، خلاص يقول: «أنا عملت كذا وقمت الليل»، معنى كأنه يقول: إنه مضمون، وعقيدتي أو نفسي فيها أن الله عز وجل سيغفر لي، ويظن أنه بهذا العمل يغتر بما عمله، وهذا أيضاً لا ينبغي. لكن يرجو من الله عز وجل أن يغفر له، أن يرحمه، ويتوسل بهذه الأعمال العظيمة. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «واعلموا أنه لن يدخل أحدكم الجنة بعمله»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه». فكل الناس يدخلون برحمة الله عز وجل، وهذه الأعمال سبب سبب لدخول الجنة، لكن يدخلون برحمة الله؛ فإن الأعمال قد تذهب بسبب، إما عدم الإخلاص، وإما العجب، وغيرها من هذه الأمور. ولهذا قال: ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾، غفور: أي لمن تاب توبة النصوح، رحيم: وسعت رحمته كل شيء، وعم جوده وإحسانه كل حي. وفي هذا دليل، وفي هذا دليل على أن من قام بهذه الأعمال المذكورة حصل له مغفرة الله، إذ الحسنات يذهبن السيئات، وحصلت له رحمة الله. وإذا حصلت له المغفرة، اندفعت عنه عقوبات الدنيا والآخرة التي هي آثار الذنوب التي قد غفرت واضمحلت آثارها. وإذا حصلت له الرحمة، حصل له، أو حصل على كل خير في الدنيا والآخرة. وهذا ليس تناقضاً من المؤلف، لا يظن أن هذا تناقض، لا، هذا كلام صحيح بالنسبة لما عند الله جل وعلا، أما بالنسبة للعبد في نفسه، فهو لا يغتر بعمله، لا يغتر بهذه الأعمال وإن عمل ما عمل؛ لأن هذا الاغترار قد يذهب عليه هذه الأعمال، والعجب هذا قد يذهب عليه أيضاً هذه الأمور. لكن الله عز وجل قدر، وأيضاً وعد ربنا سبحانه وتعالى العبد أنه إذا أتى هذه الأشياء فهو يعطيه ربنا جل وعلا رحمته سبحانه وتعالى ومغفرته. قال: «وإذا حصلت له المغفرة، اندفعت عنه عقوبات الدنيا والآخرة التي هي آثار الذنوب التي قد غفرت ومحيت آثارها، وإذا حصلت له الرحمة حصل على كل خير في الدنيا والآخرة. بل أعمالهم المذكورة من رحمة الله بهم، هذه الأعمال وفقوا فيها برحمة الله، فلولا توفيقه إياهم لم يريدوها، ولولا إقداره عليهم لم يقدروا عليها، ولولا إحسانه لم يتمها ويقبلها منهم، فله الفضل أولاً وآخراً، وهو الذي منّ بالسبب والمسبب». ثم ذكر الآية الأخرى، فهذا يبين الشيخ رحمه الله أن هذا كله بتوفيق الله جل وعلا، وهذا من رحمة الله أن وفق عباده إلى هذه الأعمال العظيمة، فبرحمته سبحانه وتعالى وفقهم لهذه الأعمال العظيمة التي تقربهم إلى الله جل وعلا، وكذلك أيضاً يعطيهم من ثواب الله وقبول وإحسانه لهم جل وعلا. فهذا ما ذكره المؤلف رحمه الله في هذه الآية، فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر