تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 74

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 74

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 74، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير السعدي لقصة الفارين من الموت في سورة البقرة

يشرح العلامة السعدي قصة القوم الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت فأماتهم الله ثم أحياهم، مبيناً أن الحذر لا يغني عن القدر، مستشهداً بموقف عمر بن الخطاب في الفرار من قدر الله إلى قدر الله، ومؤكداً أن الأسباب الشرعية هي المعتبرة دون مجرد الهروب من المقدر.

القضاء والقدر ودروس بني إسرائيل في الفرار من الطاعون

يؤكد المقطع أن كل شيء بقضاء الله وقدره، محذراً من الفرار من الطاعون خوفاً على العقيدة، مستدلاً بقصة بني إسرائيل وبوفاة النبي ﷺ وخالد بن الوليد على فراشهما رغم المعارك، ومقرراً أن الموت لا يختص بأماكن القتال بل يأتي حيث كان الإنسان.

عبرة قصص إحياء الموتى وحتمية الأجل وترغيب الجهاد

يستعرض المقطع قصص أقوام أماتهم الله ثم أحياهم كآلاف بني إسرائيل وعزير وأصحاب الكهف، لتأكيد قدرة الله على الحياة والموت وأن الأجل محتوم لا يفر منه هارب، مبيناً أن هذه القصص توجب شكر النعم وتُرغّب في الجهاد وتزيل الخوف من الموت في سبيل الله.

جهالة مكان ووقت الموت وخاتمة بالدعاء

يشير المقطع إلى أن الموت قد يأتي للصغير والكبير وفي أي مكان مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾، ويختتم بالدعاء بأن ييسر الله الخير.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 243]. قال رحمه الله: أي ألم تسمع بهذه القصة العجيبة الجارية على من قبلكم من بني إسرائيل؟ وهنا الرؤية: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ رؤية قلب، لهذا فهي لم تحتج إلى مفعولين. ففسرها المؤلف هنا: «ألم تسمع» أو يقال: «ألم تعلم»، ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي: ألم تعلم أو ألم تسمع؟ قال: بهذه القصة العجيبة الجارية على من قبلكم من بني إسرائيل، حيث حل الوباء بديارهم، فخرجوا بهذه الكثرة فرارًا من الموت، فلم ينجهم الفرار، ولا أغنى عنهم من وقوع ما كانوا يحذرون. عاملهم الله بنقيض مقصودهم، وأماتهم الله عن آخرهم، فلا يغني حذر من قدر. لم يغنهم الحذر. فهذه القصة حصلت لقرية من القرى، ذكر بعض المفسرين كابن عباس وغيره أنها «دراويند» أو «دراو ويند» أو «دراو رد»، وهي منطقة يقولون إنها قرب واسط. والمهم أن العبرة ليست باسم القرية. فخرج منها أكثر... قال أهل العلم: إنه حصل لهم وباء في هذه القرية، فخرجوا فرارًا من الموت، رأوا الناس يموتون فخرجوا فرارًا من الموت. فلما جاءوا إلى وادٍ أو نحو ذلك في الطريق، أماتهم الله. هم فروا من الموت فأماتهم الله جميعًا. قيل: إنهم ماتوا جميعًا في ساعة واحدة، وقيل: إنهم ماتوا على ساعات وعلى أيام. وكل ما جاء فيها قصص من قصص بني إسرائيل. أيضًا اختلفوا في العدد: فمنهم من يقول أربعون ألفًا، ومنهم من يقول عشرة آلاف، ومنهم من يقول أكثر، ومنهم من يقول سبعون ألفًا. لأن الله عز وجل يقول هنا: ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾، لم يقل «آلاف»، فهنا «أُلُوف» جمع كثرة، يدل على أنهم أكثر من عشرة آلاف؛ لأنه لو كان عشرة وأقل لقال: «وهم آلاف»، لكن قال: ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾. وهذا كما قال أهل اللغة: جمع كثرة، يدل على أنهم أكثر من عشرة آلاف. أنا الظاهر أن القرية كلها خرجت، كما جاء في تفسير مجاهد وغيره: أن القرية كلهم خرجوا، أرادوا أن ينجوا من هذا الوباء، فلم ينجهم الفرار، ولا أغنى عنهم من وقوع ما كانوا يحذرون؛ لأنه لا يغني حذر عن قدر، إلا بما جاء في الأسباب الشرعية. أن الإنسان يأخذ بالأسباب الشرعية أو القدرية. وأما الإنسان يفر من الوباء، فإنه ليس أمرًا شرعيًا ولا قدريًا. ولهذا جاءت الأحاديث تبين هذا. ما جاء في الصحيحين في قصة عمر لما أراد أن يدخل الشام، فوقف ببعض القرى، فقيل له: إن الشام قد حدث فيها الطاعون، وكان بسرغ. فاستشار أصحاب النبي ﷺ، استشار الصحابة، استشار المهاجرين والأنصار، واستشار السابقين من المهاجرين، ثم استشار أيضًا... وكلهم يختلفون. ثم استشار مسلمة الفتح من الذين أسلموا في الفتح، وهم قادة الناس، فلم يختلف منهم أحد على أن يرجع بالناس. وكان هذا رأي عمر، فقرر أن يرجع. فقال أبو عبيدة: «أفرارًا من قدر الله يا أمير المؤمنين؟» قال: «لو غيرك يا أبا عبيدة قالها... نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله». ثم ذكر له: «إذا رأيت في أرض... فما هو جاذبة وخصبة، فإن رأيت الخصبة فهو بقدر الله، وإن رأيت الجدبة فهي بقدر الله». فلذا فالإنسان لا يدخل مكانًا فيه مرض، حتى لا يحدث شيء في عقيدته؛ لأنه سيظن أن هذا حصل له بسبب دخوله إلى هذه القرية. والذي يخرج أيضًا سيقول: «إنما عافاني الله، ولم يصبني ذلك المرض لأني خرجت». وهذا لا شك خدش في الاعتقاد. فكل شيء بيد الله جل وعلا. الطاعون أرسله الله عز وجل على قوم من بني إسرائيل، كما جاء في حديث عائشة، فبقيت منه بقية، فجعله الله عز وجل لهذه الأمة رحمة. فكان يرسل الله عز وجل على بني إسرائيل هذا الطاعون، ومن هذا هذه القرية. فلما خرجوا حذر الموت، قال الله: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾. فهم خرجوا فرارًا من الموت، فجاءهم الموت من حيث لا يعلمون. وهذه قصة عبرة لمن يعتبر: أنه ليس الموت في أماكن القتال، في أماكن الجهاد، لا، بل حتى الموت يكون في غير هذه الأماكن التي قد يأمنها الناس. فبعض الناس مثلًا إذا رأى إنسانًا يذهب إلى الجهاد يقول: «هذا يريد أن يموت». وهل الموت فقط في تلك الأماكن؟ فهذا نبي الله ﷺ قد قاتل في عدة أماكن، عدة غزوات، ومات ﷺ على فراشه، صلوات الله وسلامه عليه. وهذا أيضًا سيف الله وسيف رسوله، خالد بن الوليد، دخل غزوات كثيرة، وقاتل الروم، وقاتل الفرس، وهم بأعداد كثيرة، ولم يحصل له شيء، أي لم يُقتل في ساحة المعركة، ومات على فراشه رضي الله عنه. وهذا عبرة لمن أراد أن يعتبر: لأن ليس ذهاب الرجل إلى الجهاد موتًا محققًا، لا، قد يموت وقد لا يموت. هؤلاء كما قلنا عبرة، وكذلك أيضًا موعظة لمن أراد أن يعتبر: أن خاض المعارك العظيمة، ومع قلة النفر، ومع قلة المعين، أقصد معهم من المجاهدين، عن قلتهم، إلا أن الله عز وجل ينجيهم، وما ماتوا إلا في فرشهم. وإن كانوا أرادوا الشهادة، أنهم يحبون الموت أكثر مما يحبون الحياة؛ لأن الموت فيه شهادة لهم. لكن الله عز وجل لأجل يعتبر من أراد أن يعتبر، فماتوا في فرشهم. وهذه الآية معناها: هذه الآية أيضًا عبرة لهذا الأمر، فليس الموت في الجهاد في سبيل الله، وإنما الموت في كل مكان. ولهذا الله عز وجل يقول لبعض المنافقين: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: 78]، يعني: الموت آتٍ: الموت يأتيكم، آتٍ، ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾، يعني: بروج مغلقة، وكذلك أيضًا طويلة، والبرج هو غالبًا يكون الشيء البناء المرتفع. مع هذا إلا أنه يأتيكم الموت. وقال الله عز وجل أيضًا لبعض المنافقين: ﴿وَقُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: 154]. يعني: ليس القتل فقط في الجهاد في سبيل الله. فهذه عبرة: هذه القرية خرجوا لعجل أن يفروا من الموت، فوقعوا في الموت، فلا يغني حذر عن قدر. قال رحمه الله: فعاملهم بنقيض مقصودهم، وأماتهم الله عن آخرهم، ثم تفضل عليهم فأحياهم. إما بدعوة نبي، كما قاله كثير من المفسرين، قالوا: إنه نبي الله حزقيل، نبي من بني إسرائيل، دعا لهم فأحياهم الله عز وجل. وإما بغير ذلك، لأن هذا لا يجزم بمثلة، أنه دعا نبي لهم، لا يجزم به؛ لأنه لم يأت عن النبي ﷺ، إنما هو من قصص بني إسرائيل. والتحديث من قصص بني إسرائيل لا حرج، كما أخبر النبي ﷺ. لكن مسألة تصديقهم: لسنا ملزمين بتصديقهم، فقد يكون صحيحًا وقد يكون غير صحيح. لكن العبرة هو أنهم ماتوا، وأن الله عز وجل أحياهم. هل أحياهم بدعوة نبي؟ هل أحياهم لأجل أن يريهم قدرته سبحانه وتعالى، وأنهم لا ينبغي لهم أن يفروا من الموت؟ وكل ذلك جائز. قال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾. ولكن ذلك بفضله وإحسانه، وهو لا يزال فضله على الناس، وذلك موجب لشكرهم لنعم الله بالاعتراف بها وصرفها في مرضات الله. ومع ذلك فأكثر الناس قد قصروا بواجب الشكر. وهذا أيضًا مثل قصة ذاك الذي مر على قرية، يقال إنه عزير، أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: 259]، فأماته الله مائة عام ثم بعثه. وهذا أيضًا عبرة له: أماته الله مائة عام ثم بعثه، مع طعام وشراب وحمار، لم يتسنه طعامه ولم يفسد، وحماره لم يمت، فأقامه له. وهذه من قدرة الله عز وجل في إحياء الموتى. وكذلك أهل الكهف، أصحاب الكهف، أماتهم الله سنوات عديدة ثم بعثهم. ﴿وَلَا يَزَالُ فَضْلُهُ عَلَى النَّاسِ وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِشُكْرِهِمْ لِنِعَمِ اللَّهِ بِالِاعْتِرَافِ بِهَا وَصَرْفِهَا فِي مَرْضَاتِ اللَّهِ وَمَعَ ذَلِكَ فَأَكْثَرُ النَّاسِ قَدْ قَصَّرُوا بِوَاجِبِ الشُّكْرِ﴾. أن إذا لم يصبك الموت ولم يأتك الموت، فهذا تحمد الله عز وجل وتشكره على ما أنعم الله عز وجل عليه، أنه أبقاك في هذه الحياة حتى تشكره، حتى تعبده سبحانه وتعالى. قالوا: في هذه قصة عبرة بأنه على كل شيء قدير، وذلك آية محسوسة على البصر، أن هؤلاء أماتهم الله عز وجل وأحياهم. قال: فإن هذه القصة معروفة، منقولة نقلًا متواترًا عند بني إسرائيل، ومن اتصل بهم. ولهذا أتى بها تعالى بأسلوب الخبر الذي قد تقرر عند المخاطبين. ويحتمل أن هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم خوفًا من الأعداء، جبنًا عن لقائهم. فهذا محتمل، ويؤيد هذا أن الله ذكر بعدها الأمر بالقتال، وأخبر عن بني إسرائيل أنهم كانوا مخرجين من ديارهم وأبنائهم. وعلى الاحتمالين، فإن فيها ترغيبًا في الجهاد. عن الاحتمال الأول: أنهم فروا من البلاء. وأيضًا الثاني: البلاء، على ما ذكرناه قبل، على التوجيه الذي ذكرناه قبل، أنه فيه عبرة لمن يقول: إن الجهاد فيه الموت. فهؤلاء خرجوا من ديارهم وهم ألوف، ظنوا أنهم في غير موضع الموت، فأماتهم الله. فلذا فليس أماكن قتال العدو أماكن موت، وإن كانت هي أقرب إلى الموت، لكنها ليست تحققًا. فلذا لا يخاف... المراد أن الإنسان لا يبالي أن يكون في جهاد في سبيل الله، فإنه يعلم أن الموت من الله، سواء كان هنا أو في أماكن أخرى. كم من إنسان، كما قلنا، كان في القتال والجهاد سنوات كثيرة، وتجده يموت في فراشه، يموت مثلًا في موقع عمله، هذا كثير. وأما على الأمر الثاني، أو الاحتمال الثاني: أنهم فروا من العدو جبنًا عن لقاء، فهو أوضح. قال: فإن فيها ترغيبًا في الجهاد، وترهيبًا من التقاعد عنه، وأن ذلك لا يغني عن الموت شيئًا. ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾. وهذا أيضًا يوضح الآية التي بعدها، أن الله عز وجل أمر بالقتال، لأن الموت ليس الموت... إنما هو من الله، فلا يغني الحذر عنه. بل قد يأتي الصغير، ويأتي الكبير، ويأتي في موضع كذا وموضع كذا، في أي موضع يأتي. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: 34]. طيب، هذا إن شاء الله تعالى ما يسر الله تعالى.