أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 2

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 2

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أول واجب على المكلف: معرفة الله وتوحيده

يبيّن أن أول ما يجب على المكلف هو معرفة الله بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، ثم تحقيق ذلك بعبادته وحده لا شريك له. وتؤكد النصوص كآية ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ والميثاق في صلب آدم هذا الواجب.

غاية الخلق والبعث في تحقيق التوحيد

توضح أن خلق السماوات والأرض والجنة والنار ويوم القيامة كلها مرتبطة بتحقيق توحيد الله وإفراده بالعبادة. فمن وحّد الله نال الجنة والنور، ومن أشرك استحق النار والعذاب.

الرد على بدع الأشاعرة والمعتزلة في أول الواجب

يستعرض خلاف الأشاعرة الذين يجعلون أول الواجب معرفة انفراد الله بالخلق أو النظر العقلي، والمعتزلة الذين يجعلونه الشك، ويرد عليهما بأن الصواب هو الشهادتان كما دلت النصوص. ويبين أن نور أهل التوحيد يستمر يوم القيامة بينما ينقطع نور المشركين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله أحمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول الشيخ حافظ ابن أحمد الحكمي رحمه الله تعالى في كتابه «أعلام السنة المنشورة»: السؤال الأول: ما أول ما يجب على العباد؟ وإذا كان هذا السؤال عن أول واجب، فالواجب على العبد أن يقدمه وأن يعتني به، ولذلك بدأ المؤلف بهذا السؤال؛ لأنه من أوجب ما ينبغي للمسلم أن يعرفه، وأن كذلك يعمل به وأن يعمل به. فما أول ما يجب على العباد؟ قال: الجواب: أول ما يجب على العباد معرفة الأمر الذي خلقهم الله له، ولا شك أن هذه المعرفة لابد أن يتبعها عمل، لابد أن يتبعها عمل. فأول ما يجب على العباد: فأهل السنة والجماعة متفقون على أن أول ما يجب على العباد أن يعرف الله تبارك وتعالى بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، ثم أن يقوموا بمقتضى هذا العلم، وذلك من عبادته سبحانه وتعالى وحده لا شريك له. فهذا هو أول واجب على المكلف: أن يشهد أن لا إله إلا الله، وهي بدلالة المطابقة تدل على وجوب توحيد الله عز وجل في العبادة، وهكذا تدل دلالة التضمن على توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات. فهذا أول أمر يجب أن يعلمه المسلم وأن يعمل به. ودليل ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «إلا ليوحدون». فمن وحد الله فقد حقق العبادة؛ لأن من مقتضى التوحيد عبادة الله سبحانه وتعالى وحده. فهذا معنى قوله: أول ما يجب على العباد معرفة الأمر الذي خلقهم الله له، وأخذ عليهم الميثاق به، يشير إلى قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا ﴾. فهذه العبادة وهذا التوحيد قد أخذ على بني آدم وهم في صلب أبيهم آدم عليه السلام، وأشهدهم على هذا الحق العظيم. ومما جاء في السنة مما يدل على ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتدياً به؟ يقال لهذا الرجل - ومن أهل النار -: لو معك كذا وكذا من المال في الدنيا، هل ستفتدي بهذا المال من عذاب النار؟ فماذا يقول هذا الرجل؟ يقول هذا الرجل: نعم، لا شك. فيقول له الرب سبحانه وتعالى: قد أردت منك ما هو أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم ألا تشرك بي شيئاً، فأبيت إلا أن تشرك بي، فأبيت إلا أن تشرك بي». الشاهد في قوله: «قد أخذت عليك في ظهر آدم ألا تشرك بي شيئاً»، أي: أخذ عليه الميثاق، وهو توحيد الله سبحانه وتعالى، وأن لا يشرك بالله عز وجل شيئاً. وقوله: «وأرسل به رسله إليهم»، وهذا يشير إلى قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾. هذا هو الحق الذي يجب على العباد أن يعبدوا الله، هذا معنى الإثبات، واجتنبوا الطاغوت هذا معنى النفي، وهو معنى قولنا: لا إله إلا الله، وهي عبارة عن نفي وإثبات، عبارة عن نفي وإثبات. وهكذا في قول الله سبحانه وتعالى في قوله: «وأنزل به كتبه عليهم»، في قوله سبحانه وتعالى يشير لقوله عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ ﴾. فأوحى الله عز وجل إلى جميع الأنبياء والمرسلين بإفراده سبحانه وتعالى بالعبادة، وبنهيهم عن الشرك، وكما قال سبحانه وتعالى في الآية الأخرى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾. ما من رسول إلا وأمره الله عز وجل وأوحى إليه بتبليغ هذه الكلمة العظيمة وهذا الحق العظيم، ألا وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة. قال: ولأجله خلقت الدنيا والآخرة، يعني: ما فيها من بحار، من سماء، من أرض، من أشجار، كل ذلك خلق من أجل هذا الأمر، الذي خلق الله عز وجل من أجله العبادة، هو الحق الذي سيأتي ذكره في السؤال الذي بعده، كقول الله عز وجل: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾. وهكذا الجنة والنار خلقت من أجل هذا الأمر العظيم، حتى يثاب أهل التوحيد والعبادة بالجنة، ويعاقب أهل الشرك والكفر بالنار، فخلقت الجنة لمن حقق هذا الحق العظيم وهذا الواجب، وخلقت النار لمن تخلى عن هذا الحق العظيم فوقع في ضده من الشرك والكفر. وهكذا وبه حاقت الحاقة، ووقعت الواقعة، يعني: من أجله جعل الله عز وجل ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة، فالحاقة اسم من أسماء يوم القيامة، والواقعة اسم من أسماء يوم القيامة، وذلك اليوم ليجزى - أو تجزى - كل نفس بما كسبت، بما كسبت، فيجزى أهل التوحيد وأهل الطاعة بالحسنة، ويجزى أهل الشرك والكفر بالسوء والعذاب، والعياذ بالله. فهذا كله مما يقع في يوم القيامة، وهو من ما يجازى به العبد، فإن أطاع الله وحقق توحيد الله عز وجل جوزي بالجزاء الحسن، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ﴾. قال: ووقعت الواقعة، وفي شأنه يعني: من أجله تنصب الموازين، فتوزن أعمال العباد، فأهل التوحيد يزن توحيدهم كل ما قد وقع منهم من سيئة وخطيئة فيما هو دون التوحيد، كما في حديث صاحبي البطاقة المشهور، وتتطاير الصحف، وكل ذلك يكون في يوم القيامة، وفيه تكون الشقاوة والسعادة، فالسعادة لأهل التوحيد والعبادة لله عز وجل، والشقاوة لأهل الشرك والكفر والعصيان. قال: وعلى حسبه تقسم الأنوار، فيعطى العبد من النور في الدنيا والآخرة، نور الدنيا: أن يبصر الله عز وجل هذا العبد بطريق الهداية، طريق الحق، طريق السعادة، وفي الآخرة يجعل الله عز وجل له نوراً يهديه به إلى جنات النعيم، كما قال الله عز وجل: ﴿ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَىٰ وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾ إلى آخر الآية. فأهل الشرك والنفاق ينقطع نورهم يوم القيامة، لأن نورهم في الدنيا منقطع، ما عندهم نور التوحيد والعبادة، فلما انقطع نورهم في الدنيا انقطع نورهم في الآخرة، وأهل التوحيد لما كان نورهم متواصلاً في الدنيا ويبصرون به ظلمات الجهل والشرك والغواية، استمر معهم هذا النور إلى يوم القيامة، فهذا معنى قوله: وعلى حسبه تقسم الأنوار، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور، فالله سبحانه وتعالى نور السماوات والأرض. وفي هذه المسألة - وهو أول ما يجب على العباد - خالف أهل البدع والأهواء وأهل المنطق والفلسفة أهل السنة بهذه المسألة، وتخبطوا فيها تخبطاً عظيماً، فبعضهم كالأشعري ذهب إلى أن أول واجب يجب معرفته على العبد: معرفة أن الله عز وجل منفرد بخلق العالم، منفرد بخلق العالم، يعني: لا يعمل شيء حتى تتوصل إلى هذه المعرفة، حتى تتوصل إلى هذه المعرفة، وأن الله منفرد بخلق العالم، فعنده هذا القدر لو حصل فهو كاف في تحقيق أول واجب على المكلف، وإن لم يعمل شيئاً، ولا شك أن هذا غير صحيح، هذا غير صحيح، ترده الأدلة من الكتاب والسنة. أما الكتاب: كما مر معنا ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾، ما خلقهم من أجل أن يتوصلوا إلى أنه المنفرد بخلق العالم. وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما أرسله إلى اليمن: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله»، ما قال له: أول ما تدعوهم إليه معرفة ماذا؟ معرفة انفراد الله عز وجل بخلق العالم، وإنما قال له: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، فإنهم أجابوك لذلك»، ما قال له: «فإن أجابوك لذلك وعرفوا أن الله منفرد بخلق العالم فأخبرهم بأن الله افترض عليهم خمس صلوات»، لا، لأن من شهد أن لا إله إلا الله فإن هذه الشهادة تتضمن الإيمان بأن الله عز وجل منفرد بخلق العالم، وهو معنى توحيد الربوبية. فهذا قول باطل: أن أول ما يجب على المكلف، على المكلف أن يعلمه أن يعرف انفراد الله عز وجل بخلق العالم. وهكذا ذهب بعض الأشاعرة وغيرهم إلى أن أول واجب: النظر، والمراد بقولهم النظر: أي الدليل العقلي الذي يثبت للباحث انفراد الله عز وجل بخلق العالم، ويقولون: أول واجب على المكلف النظر، أن يبحث بعقله ويثبت بعقله أن الله عز وجل منفرد بخلق العالم. وهذا هو كما يقول شيخ الإسلام في أقوال هؤلاء: أن الخلاف بينهم خلاف في اللفظ ومعناه واحد، وهو القول بالاستدلال على وحدانية الله عز وجل بالبحث والنظر وكذلك العقل. ومنهم من قال: أول واجب القصد إلى النظر، ويريد بالقصد: النية، قبل أن يؤمن لابد أن ينوي بقلبه أنه سيبحث عن أن الله عز وجل المنفرد بخلق العالم. وهذه كلها أقوال باطلة. وأعظم من ذلك قول المعتزلة، فإنهم يقولون: أن أول واجب على المكلف الشك، لابد يكون عنده شك أول شيء في الإله الحق، ثم يتبع هذا الشك بالوصول إلى ماذا؟ إلى اليقين. انظروا إلى هذه الفلسفة وإلى هذا الضلال، جعلوا الشك وسيلة للنظر الموصل إلى المعرفة. والمؤلف في هذا السؤال، كما بين في مقدمته، يبين فقط اعتقاد أهل السنة والجماعة دون التعرض لأقوال المخالفين، ولكن من باب الفائدة ولبيان أهمية ذكر العلماء لمثل هذه المسائل - وهو أول ما يجب على العباد - حتى يرد على أهل الباطل، وحتى يبين العقيدة الصافية النقية التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه. الخلاصة من ذلك: أن عقيدة أهل السنة والجماعة متفقون على ذلك، أن أول ما يجب على العباد أن يعرف العبد الأمر الذي من أجله خلق، الأمر الذي من أجله خلق، وهو توحيد الله وعبادة الله سبحانه وتعالى، المتضمن لتوحيد الله عز وجل في ربوبيته، وفي ألوهيته، وفي أسمائه وصفاته. هذه خلاصة هذا الجواب على هذا السؤال، وبه نكتفي، وإلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر