الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 78، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع تفسير العلامة السعدي لآية قتل داود لجالوت مبيناً معاني الملك والحكمة وفصل الخطاب، ويوضح أن القصة من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لموافقتها الكتب السابقة. كما يبين حكمة مشروعية الجهاد في دفع الفساد عن الأرض وحفظ الدين والأوطان.
يبيّن المقطع أن الجهاد شُرع لدرء مفسدة الشرك والكفر الأعظم مع تحمل مشاقه لحفظ الضروريات الخمس، وأن عاقبة المجاهدين حميدة بخلاف الناكلة. كما يستعرض صفات الإمام العادل جامعاً بين العلم والقوة مستدلاً بقصة طالوت، ويؤكد وجوب تفقد الأمير للجيش واستبعاد الضعفاء والمخذلين قبل القتال.
يؤكد المقطع على استبعاد المنافقين المثبطين ووجوب تقوية المجاهدين بالإيمان والتوكل والدعاء بالثبات، مبيناً أن النصر من الله لا بالكثرة فقط كما في بدر. ويفرق بين مجرد العزم على القتال والثبات الحقيقي عند المواجهة، مستشهداً بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، وينهي بالنهي عن تمني لقاء العدو والأمر بالصبر والاحتساب للأجر الأخروي.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسيره عند قول الله تعالى: ﴿ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ [البقرة: 251]، قال رحمه الله: وقتل داود صلى الله عليه وسلم جالوت، وحصل بذلك الفتح والنصر على عدوهم، وآتاه الله -أي داود- الملك والحكمة، أي النبوة والعلوم النافعة، ﴿ وَآتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ﴾ [ص: 20]، كما قال جل وعلا في سورة ص. وفصل الخطاب: قيل هو "أما بعد"، يعني بعد ذكر الحمد والثناء على الله جل وعلا تقول: "أما بعد"، ثم تدخل في الموضوع. قيل: "أما بعد" هو فصل الخطاب. وقيل: كل ما يحصل به بيان الخطاب أو الفصل فيه فهو فصل الخطاب. وهذا أظهر، المعنى الثاني. ومنه -يعني من فصل الخطاب- قول: "أما بعد". قال: ثم بيان تعالى فائدة الجهاد، فقال: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ﴾ [البقرة: 251]، باستيلاء الكفرة والفجار وأهل الشر والفساد، ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [البقرة: 251]، قال: حيث لطف بالمؤمنين ودافع عنهم وعن دينهم بما شرعه وبما قدره. نعم، ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ﴾، يعني: لولا حصول الجهاد في سبيل الله جل وعلا، وقتال المؤمنين للكفار الذين يسعون في الأرض بالكفر والشرك بعبادة الله جل وعلا، فيدفعهم أهل الإيمان بقتلهم أو أسرهم، فيكفون شرهم، ويدفع الله عز وجل بأهل الإيمان الشر العظيم. لحصل الفساد في الأرض، لأن أعظم فساد هو الشرك والكفر، ويترتب على ذلك إذا وجد الكفر والشرك فإنها توجد جميع أنواع المعاصي والذنوب من قتل وسفك لدماء المحرمة، وهكذا ارتكاب الفواحش من زنا وغيره، وأكل الربا وغير ذلك من أنواع المعاصي، كلها من ثمرات الشرك والكفر، كلها من ثمرات الشرك والكفر. فيدفع الله عز وجل بأهل الإيمان الشر العظيم عن أهل الأرض من فساد الكافرين والفاجرين. قال: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾، حيث لطف بالمؤمنين ودافع عنهم وعن دينهم بما شرعه وبما قدره. فلما بين هذه القصة قال: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [البقرة: 252]. ومن جملة الأدلة على رسالته هذه القصة، حيث أخبر بها وحيا من الله مطابقا للواقع، أي مما يعلمه أهل الكتاب، ومما أخبر الله عز وجل به في الكتب السابقة في التوراة والإنجيل. فجاء النبي عليه الصلاة والسلام وأخبر بهذه القصة، وما حصل من نصرة الله جل وعلا لداود عليه السلام ومن معه، وكانت موافقة لما يعلمون، وهذا من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام وصدق رسالته. قال رحمه الله: في هذه القصة عبر كثيرة للأمة، منها: فضيلة الجهاد في سبيله، وفوائده وثمراته، وأنه السبب الوحيد في حفظ الدين، وحفظ الأوطان، وحفظ الأبدان والأموال. وأن المجاهدين لو شقت عليهم الأمور فإن عواقبهم حميدة، كما أن الناكلين ولو استراحوا قليلا فإنهم سيتعبون طويلة. نعم، الجهاد في سبيل الله جل وعلا هو السبب الوحيد في حفظ الدين، وحفظ الأوطان -أي أوطان المؤمنين-، وحفظ الأبدان والأموال. ولذلك شرع الجهاد مع أن فيه يعني مفسدة من تعريض النفس للموت والهلاك، وتعريض الزوجات لأن يكون أرامل، وتعريض الأبناء لليتم. لكن لما كانت المفسدة الأعظم وهي انتشار الشرك والكفر وظهوره وبقاؤه أعظم من هذه المفاسد التي ستحصل للمرء إذا جاهد، أجازت الشريعة الجهاد في سبيل الله جل وعلا، ارتكابا لأدنى المفسدتين لدفع الأعلى منهما، وهو الكفر والشرك. فكان في فريضة الجهاد هذه الفوائد العظيمة من حفظ الدين، فالجهاد في سبيل الله المقصود منه إعلاء كلمة الله، وعلى كلمة التوحيد: لا إله إلا الله. وحفظ الأوطان، أوطان أهل الإسلام والإيمان، من أن تقع في أيدي الكفار والمشركين، فتطمس معالم الدين ومعالم التوحيد. وهكذا أيضا حفظ الأبدان والأموال من انتهاكها وسلبها. ولهذا قال رحمه الله: وإن المجاهدين ولو شقت عليهم الأمور فإن عواقبهم حميدة. نعم، المجاهد ربما يسافر ويترك وطنه وأهله وأولاده، وربما كما سمعنا يقتل فييتم أولاده، وكذلك تكون النساء أرامل. وهذه كلها وإن كانت يعني أمور عظيمة ويشق على النفس، إلا أن العاقبة حميدة من ظهور الإسلام وإعلاء كلمة التوحيد. وهكذا أيضا ما للمجاهد عند الله جل وعلا من الأجر العظيم، وهو الفوز بالجنة ونعيمها. والناكلون: أي الذين تركوا الجهاد مع استطاعتهم وقدرتهم، وعدم العذر لهم في التخلف. فهؤلاء وإن حصلت لهم شيء من الراحة وبقاء بين أموالهم وأولادهم، فإنهم سيتعبون؛ لأنهم تركوا فريضة واجبة فهم مؤاخذون في تركها. وكذلك أيضا قد أوقعوا أنفسهم في النفاق، عياذا بالله، الذي لا يجد منه المرء إلا الشر في الدنيا والآخرة. قالوا: منها الانتداب لرياسة من فيه كفاءة، وأن الكفاءة ترجع إلى أمرين: إلى العلم الذي هو علم السياسة والتدبير، وإلى القوة التي ينفذ بها الحق. وأن من اجتمع فيه الأمران فهو أحق من غيره. يعني في باب الإمارة والخلافة: من كان عنده هذين الوصفين وهما العلم والقوة في البدن، لأن الله عز وجل قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ﴾ [البقرة: 247]. نعم، في العلم والجسم. فقال أهل العلم: هذا يدل على أن الحاكم والخليفة والرئيس الذي يراد اختياره لذلك، ينبغي أن يكون موصوفا بهذين الوصفين: أن يكون عنده العلم بأمور الشريعة وبأمور السياسة وحسن التدبير، وأن يكون عنده قوة، عنده قوة في تطبيق هذه الأحكام وفي تنفيذها. لأنه ربما لو كان عنده علم لكن ما عنده قوة، سيضعف في القيام بسياسة الدولة وتدبير شؤونها. ولو كان عنده قوة لكن ما عنده علم بشؤون السياسة وتدبيرها، ربما أفسد أكثر مما يصلح. فإذا اجتمع الأمران حصل بذلك الكمال في حسن التدبير مع قوة التنفيذ. قال رحمه الله: ومنها الاستدلال بهذه القصة على ما قاله العلماء: أنه ينبغي للأمير للجيوش أن يتفقدها عند فصولها، فيمنع من لا يصلح للقتال من رجال وخيل وركاب، لضعفه أو ضعف صبره، أو لتخذيله، أو خوف الضرر بصحبته. فإن هذا القسم ضرر محض على الناس. نعم، وجه ذلك في قول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ﴾ [البقرة: 249]. فلما يعني أتوا إلى هذا النهر فشربوا منه إلا القليل، إلا القليل لم يصبروا على هذا الامتحان والاختبار. وهكذا أيضا لما لقوا العدو تقاعس الكثير منهم. فلذلك الأمير الجيش عند قتال العدو يتفقد من معه، وينظر من عنده القوة والشجاعة والإقدام، ومن عنده الضعف والخور، أو ربما كان مندسا من المنافقين فيخذل الجيش عن القتال، ويظهر قوة العدو، فيقع يعني الخوف والرعب في قلوب أهل الإسلام، ويحصل بذلك الهزيمة، وكذلك أيضا تسلط العدو عليهم. فأمثال هؤلاء يعزلون ويبعدون حتى لا يحصل الضرر بوجودهم. وهذا كحال المنافقين، كحال المنافقين الذين كانوا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، حين كانوا يعني يخذلون أهل الإيمان وأهل الإسلام في قتال الأعداء، ويظهرون قوة العدو، حتى يحصل الخلل في جيش المسلمين، وإدخال الرعب في قلوبهم. فأمثال هؤلاء لا يستحقون الخروج مع المسلمين. قالوا: منها أنه ينبغي عند حضور البأس تقوية المجاهدين وتشجيعهم، وحثهم على القوة الإيمانية، والاتكال الكامل والاعتماد عليه، وسؤال الله التثبيت والإعانة على الصبر والنصر على الأعداء. نعم، لأن النصر هو من عند الله جل وعلا، ليس بقوة الجيش وقوة العتاد، وإن كانت هذه أسباب حسية مطلوبة: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ [الأنفال: 60]. لكن كذلك الإعداد المعنوي من قوة الإيمان، وصدق الاعتماد على الله جل وعلا، والالتجاء إليه، وطلب النصرة منه، هذا هو الذي يحصل به النصر. فكم قاتل المسلمون الكفار مع قلة عددهم وقلة عتادهم، وكثرة جيوش الكفار، ومع ذلك نصر الله جل وعلا أهل الإيمان، كما حصل في غزوة بدر: كان المسلمون نحو ثلاثمائة، والكفار نحو الألف، ومع ذلك نصر الله جل وعلا المسلمين. وهكذا غيرها من الوقائع والغزوات التي حصلت، كان النصر من الله جل وعلا مع قلة عدد المسلمين وعتادهم، بسبب لجوئهم إلى الله جل وعلا، واعتمادهم على الله سبحانه وتعالى. والله جل وعلا يقول: ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ [محمد: 7]. قال: ومنها: أن العزم على القتال والجهاد غير حقيقته، فقد يعزم الإنسان ولكن عند حضوره تنحل عزيمته. يعني: قد يكون أنا أريد الجهاد، أريد القتال، أريد أن ألقى الأعداء، فإذا حصل الأمر وواجه الأعداء، إذ به يضعف ويصيبه الخور والضعف والخوف. قالوا: لهذا من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد». والحديث رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه. قال: فأولئك الذين عزموا على القتال، وأتوا بكلام يدل على العزم المصمم، لما جاء الوقت نكص أكثرهم، يعني تراجعوا. ويشبه هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «وأسألك الرضا بعد القضاء». والحديث رواه أحمد والحاكم من حديث أبي الدرداء، وأيضا جاء من حديث زيد بن ثابت، وفي بعض أسانيده ضعف. قال: لأن الرضا بعد وقوع القضاء المكروه للنفوس هو الرضا الحقيقي. نعم، الرضا بعد وقوع القضاء المكروه للنفوس: الإنسان لا يحب أن يقتل، وأن يعني تسفك دمه، لا شك أن هذا شيء تكرهه النفوس. لكن إذا قضى الله عز وجل ذلك، وأراد ما عند الله عز وجل، وهانت نفسه في سبيل الله جل وعلا، فإنه يرضى بذلك، رضا بما عند الله سبحانه وتعالى مما هو خير له من هذه الدنيا وما فيها. نعم، فالمقصود أن بيان: العزم على القتال والجهاد غير الحقيقة، غير الحقيقة. فالإنسان قد يعزم، لكن إذا حصل الأمر ووقع قد لا يثبت. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لا تتمنوا لقاء العدو». يعني: عبد الله بن أبي أوفى. «لا تتمنوا لقاء العدو، وسألوا الله العافية». الإنسان يسأل الله العافية من الفتن، والعافية من قتال أو ملاقات العدو، لا شك أن العافية أسلم. فإذا حصل، قال: «فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف». نعم، إذا حصل ذلك ووقع، فالصبر والثبات، والنظر إلى ما عند الله جل وعلا من الأجر والثواب، الذي هو خير للإنسان مما في هذه الدنيا بما فيها. وهذا مما يثبته على ملاقات العدو والقتال في سبيل الله جل وعلا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.