تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 79

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 79

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 79، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

افتتاحية المحاضرة والصلاة على النبي

استهل المتحدث المحاضرة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وإعلان بدء المحاضرة في الليلة المباركة.

تفضيل الرسل والجمع بين الآية والحديث

فسر قوله تعالى ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ مبيناً تفاوت درجات الرسل، وناقش حديث «لا تفضلوني على أحد» موضحاً سياق التواضع والنهي عن التفضيل عند الخصام، مع إبراز تكريم موسى بالتكليم ورفعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

مكانة النبوة وآيات عيسى وتأييده بروح القدس

بين فضل الأنبياء على الأولياء ورد قول الغلاة، واستعرض آيات عيسى عليه السلام كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى وكلامه في المهد، ووضح معنى تأييده بروح القدس.

اختلاف الأمم وإرادة الله الكونية والشرعية

شرح سبب اختلاف الأمم واقتتالهم رغم وضوح البينات، وأن الله لو شاء لجمعهم على الهدى، وفرق بين الإرادة الكونية الحتمية والإرادة الشرعية التي قد تقع وقد لا تقع، مستشهداً بعدم إيمان أبي جهل وأبي لهب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الله مُسعدي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾. قال رحمه الله: يخبر الباري أنه فاوت بين الرسل في الفضائل الجليلة والتخصيصات الجميلة، بحسب ما من الله به عليهم وقاموا به من الإيمان الكامل واليقين الراسخ والأخلاق العالية والآداب السامية والدعوة والتعليم والنفع العميم. ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ يدل على أن الرسل درجات ومنازل، وبعضهم أفضل من بعض. وهل ينافي هذا أو يعارضه ما جاء في الصحيحين يثبته أبو هريرة في قصة الرجل المسلم مع ذاك اليهودي الذي قال: «والذي فضل موسى على العالمين»، فلطمه المسلم، وقال: «وعلى النبي عليه الصلاة والسلام»؟ فجاء اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بما فعل هذا المسلم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تفضلوني على أحد، فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بقوائم العرش، فلا أدري أأفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور». يعني استثناه الله جل وعلا من بين الناس من صعقة الفزع، فقال: «لا تفضل بين الأنبياء». نعم، فهذا الحديث يعني ظاهره أنه لا يفضل بين الأنبياء، والله عز وجل أخبر بأن الأنبياء بعضهم أفضل من بعض. ووجه أهل العلم هذا الحديث: أن هذا قاله النبي عليه الصلاة والسلام قبل أن يعلم بأنه أفضل الأنبياء، قبل أن يعلم بأنه أفضل الأنبياء، وهذا ضعيف. وقيل: قاله النبي عليه الصلاة والسلام على سبيل التواضع، وإلا فهو أفضل الأنبياء عليه الصلاة والسلام، وهو القائل: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر»، فقال ذلك على سبيل التواضع وهضم النفس. وقيل: أن هذا عدم التفضيل بين الأنبياء إذا كان في مثل هذه الحال، في حال الخصام والنزاع، فلا ينبغي حينئذ أن يفضل بين الأنبياء بعضهم على بعض، فلا يعارض إذا هذا الحديث هذه الآية. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك على سبيل التواضع وهضم النفس، أو كذلك نهى عن التفضيل بين الأنبياء على سبيل الخصام والجدال والمنازعة، وإلا فالأنبياء يعني بعضهم يفضل على بعض. قال: ﴿ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ﴾ فمنهم من اتخذه خليلا كإبراهيم عليه السلام، ونبينا عليه الصلاة والسلام. ومنهم من كلمه تكليما كموسى عليه السلام، وهكذا أيضا نبينا عليه الصلاة والسلام كلمه الله عز وجل لما عرج به إلى السماء، فرض الله جل وعلا عليه الصلاة والخمس في السماء السابعة. وهكذا آدم كذلك كلمه الله جل وعلا، لكن خص موسى بهذا الشرف وهذا التفضيل بأنه كليم الرحمن، لأن الله جل وعلا كلمه في الأرض من غير واسطة، كلمه في الأرض من غير واسطة. قال: ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ﴾ ومنهم من رفعه فوق الخلائق درجات، كنبينا عليه الصلاة والسلام، فهو أفضل الخلائق وأفضل البشر وأفضل الأنبياء والرسل عليه الصلاة والسلام. قال: وجميعهم لا سبيل لأحد من البشر إلى الوصول إلى فضلهم الشامخ، يعني غير الأنبياء ما يستطيع أحد أن يصل إلى درجة النبوة والرسالة، فهي أعظم المنازل وأعظم الأحوال، فهم أفضل من الأولياء، خلافا لما عليه المتصوفة الذين يجعلون منزلة الولي أفضل من منزلة النبي، وهذا من ضلالهم يجعلون الأولياء أفضل من الأنبياء. ولهذا يقول قائلهم: «مقام النبوة في برزخ، فوق الرسول ودون الولي». مقام النبوة في برزخ، فوق الرسول ودون الولي، يعني أرفع الأحوال المراتب مرتبة الولي. هذا من غلوهم وجهلهم وضلالهم، ولا شك أن الأنبياء أرفع وأعلى وأشرف من الأولياء. قال: وخص عيسى بن مريم أنه آتاه البينات الدالة على أنه رسول الله حق وعبده صدق، وأن ما جاء به من عند الله كله حق. نعم، أيد الله عز وجل بالبينات والدلائل والآيات التي تدل على صدق نبوته ورسالته. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما بعث الله من نبي إلا أوتي من الآيات ما على مثله يؤمن البشر، وكان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». فالله عز وجل أيد الأنبياء بآيات تدل على صدق نبوتهم وصدق رسالتهم، وكل نبي أيده الله جل وعلا بآية تناسب حاله ومقامه وحال قومه وعشيرته. فلما كان النبي عليه الصلاة والسلام بعث يعني على العرب أو عند العرب وهم أهل فصاحة وبلاغة، كان من أعظم الآيات التي أيده الله عز وجل بها القرآن، الذي هو أفصح الكلام وأحسن الحديث، فتحداهم الله جل وعلا أن يأتوا بمثله أو بعشر سور أو بسورة، فلم يأتوا ولم يستطيعوا ولن يستطيعوا إلى أن يرفع الله جل وعلا الأرض ومن عليها. ولما كان عيسى عليه السلام بعث في قوم ينتشر فيهم الأطباء وعلاج الأدواء والأمراض، كانت آيته التي أيده الله عز وجل بها من هذا الجنس. قال رحمه الله: فجعله يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله. نعم، جعل الله عز وجل له هذه الآية: يبرئ الأكمه الذي يولد أعمى لا يبصر، فيرد الله عز وجل له بصره بإذن الله جل وعلا، والأبرص الذي يصيبه البرص في جلده وفي جسده، فيمسحه فيشفى بإذن الله جل وعلا. وهكذا يحيي الموتى بإذن الله جل وعلا، آيات أيده الله جل وعلا بها تكون دلالة على صدق نبوته ورسالته. قال: ﴿ وَكَلَّمَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ﴾. نعم، عيسى عليه السلام كلم الناس وهو في المهد، وهو رضيع طفل صغير، وهذا شيء خلاف العادة، الطفل الصغير ما يتكلم إلا إذا يعني تجاوز عدة أشهر، ربما ثمانية أشهر يبدأ ينطق بالكلمات القليلة أو الأحرف اليسيرة. وهذا عيسى عليه السلام هو في المهد عند أول ولادته، لما أتت به أمه إلى قومها وقالوا: ما هذا؟ فأشارت إليه، قال: ﴿ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴾ إلى آخر الآيات التي أخبر الله عز وجل بها، فأنطقه الله جل وعلا وهو في المهد. هذا من الآيات التي تدل على صدق نبوته ورسالته. قال: ﴿ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ﴾ أي بروح الإيمان، فجعل روحانيته فائقة، فائقة روحانية غيره، فحصل له بذلك القوة والتأييد. وإن كان أصل التأييد بهذه الروح عاما لكل مؤمن بحسب إيمانه، كما قالوا: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ﴾، وأن يدهم بروح منه، لكن ما لعيسى أعظم مما لغيره، لهذا خصه الله جل وعلا، خصه الله بالذكر. وقيل: إن روح القدس هنا جبريل، أيده الله بمعاونته ومؤازرته، لكن المعنى هو الأول. نعم، مع أن إطلاق روح القدس في أكثر المواضع يراد به جبريل عليه السلام: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ ﴾، وفي غير ذلك من المواضع ذكر فيها روح القدس والمراد بها جبريل عليه السلام. وحمله على هذا المعنى لعله أظهر، لأن القرآن يفسر بعضه بعضا، فهذا اللفظ مدام أنه قد جاء في مواضع يراد به جبريل، فيكون أيضا هذا الموضع المناسب أن يكون كذلك جبريل عليه السلام، الله أعلم. قال: ولما أخبر عن كمال الرسل وما أعطاهم من الفضل والخصائص، وأن دينهم واحد ودعوتهم إلى الخير واحدة، وكان موجب ذلك ومقتضاه أن تجتمع الأمم على تصديقهم والانقياد لهم لما آتاهم من البينات التي على مثلها يؤمن البشر، لكن أكثرهم من حرف عن الصراط المستقيم، ووقع الاختلاف بين الأمم، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، ووقع لأجل ذلك الاقتتال الذي هو موجب الاختلاف والتعادي، يعني من آثار الاختلاف والتفرق وتشتت حصول القتل والقتال، فهذه من ثمار التفرق والاختلاف. قال: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾ يعني جاءتهم البينات الواضحة على صدق ما جاء به الرسل وأنهم مرسلون من عند الله سبحانه وتعالى، وأن ما أخبروا به حق، لكن حصل الاختلاف، فمنهم من آمن بهؤلاء الأنبياء وآمنوا بما جاءوا به، ومنهم من كفر بهم وبما جاءوا به، فحصل بسبب ذلك القتال. ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾. قال: في هذه الآية أكبر شاهد على أنه تعالى يتصرف في جميع الأسباب المقتضية لمسبباتها، وأنه إن شاء أبقاها وإن شاء منعها. فالله عز وجل خالق الأسباب ومسبباتها، وهو قادر جل وعلا على إيجاد الأسباب وإبطال المسببات. فالنار مثلا سبب للإحراق، الله عز وجل قادر أن يبطل يعني مسببة هذه النار وهو عدم الإحراق مع وجود النار. ولذلك جعلها الله عز وجل على إبراهيم بردا وسلاما، مع أنها نار محرقة، الأصل أنها تحرق وتهلك، ومع ذلك أبطل الله عز وجل هذا السبب فجعلها بردا وسلاما على إبراهيم، لأن الأسباب والمسببات كلها بيد الله جل وعلا، هو المتصرف فيها سبحانه وتعالى. قال: وإنه إن شاء أبقاها وإن شاء منعها، وكل ذلك تبع لحكمته وحده، فإنه فعال لما يريد. فليس لإرادته ومشيئته ممانع ولا معارض ولا معاون. أي ما أراده الله جل وعلا كونا فلابد أن يقع، لا بد أن يقع، لا يستطيع أحد أن يمنع مشيئة الله وإرادة الله جل وعلا، ولا أن يعارضها أحد من الخلق كائنا من كان، ولا يحتاج الله عز وجل إلى معاون يعاونه في تحقيق ما أراد. لا يحتاج جل وعلا إلى معاون، حتى هؤلاء الملائكة العظام الكرام خلقهم الله جل وعلا ووكلهم بأعمال، ليس لافتقاره إليهم ولا لحاجته لهم، ولكن لحكمة يعلمها الله سبحانه وتعالى. فهو مستغن عن جميع هذه المخلوقات، حتى العرش الذي استوى عليه الرحمن سبحانه وتعالى، استوى كما يليق بجلاله، هو مستغن عنه، لا يحتاج إليه، فسائر المخلوقات كلها الله جل وعلا غني عنها، وإنما هذه المخلوقات هي الفقيرة إلى الله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾. نعم، قلنا: فليس لإرادته ومشيئته ممانع ولا معارض ولا معاون. المراد إرادة الكونية، أما الإرادة الشرعية فقد تقع وقد لا تقع، قد تقع وقد لا تقع. فمثلا إيمان الكافر إذا أراده الله جل وعلا كونا فإنه سيقع، لكن الله عز وجل لم يريده، فلهذا لم يقع، كإيمان مثلا أبي لهب وإيمان أبي جهل. الله عز وجل يريده شرعا لأنه مما يحبه ويرضاه، لكن لم يريده كونا، ولهذا لم يقع، لم يؤمن أبو جهل ولا أبو لهب لأن الله لم يريده ولم يشأه، ولو شاءه الله جل وعلا وأراده كونا لوقع. طيب، فالإرادة الكونية لا بد أن تقع، التي هي معنى المشيئة، بخلاف الإرادة الشرعية التي هي متعلقة بما يحبه الله جل وعلا ويرضاه، فهذه قد تقع وقد لا تقع، كما سمعنا كإيمان الكافر ومعصية العاصي، أرادها الله كونا ولم يريدها شرعا. طيب، لا، هنا، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اليوم إن شاء الله محاضرة، هذه ليلة محاضرة، بينما...