الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 82، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الشفاعة ملك لله وحده ولا تتم إلا بإذنه ورضاه، وهي مشروطة بالتوحيد واتباع الرسل كما دلّت آية الكرسي وآيات أخرى. وتنقسم الشفاعة إلى ما يختص بالنبي صلى الله عليه وسلم وما هو عام، مع تأكيد علم الله المحيط بالماضي والمستقبل.
القدرية النفاة كذبوا القرآن بنفيهم علم الله السابق، وقد كفرهم السلف لهذا السبب. وعلم المخلوقات لا يحيط بشيء من علم الله إلا ما شاء، وكرسيه وسع السماوات والأرض دليل على قدرته وحفظه.
حفظ الله للسماوات والأرض لا يثقله، وينقسم علوه إلى علو الذات، علو الصفات، وعلو القهر والغلبة، حيث يختلف الأول بين الفرق بينما يتفق على الآخرين. وآية الكرسي تُعد أعظم آية في القرآن لاحتوائها على أسماء الله الحسنى وصفاته، وتدبرها يملأ القلب يقيناً وإيماناً.
تُعتبر آية الكرسي من الكروز والمحصنات التي يتحصن بها العبد من شر الشياطين وضررهم. وقد ذكر الله تعالى هذه الحماية في كتابه الكريم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: ففي قوله في آية الكرسي: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، قالوا في قوله جل وعلا: ﴿لَا يَشْفَعُ عِندَهُ﴾ أي أحد إلا بإذنه. فكل الوجهاء والشفعاء عبيد له، مماليك، لا يقدمون على شفاعة حتى يأذن لهم. ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، له ملك السماوات والأرض، فالشفاعة بيده سبحانه وتعالى، فلا يجوز أن تطلب من غيره. ولو كان قد أذن لمن يشفع، مثلاً للنبي عليه الصلاة والسلام، لكن لا يجوز أن تطلب من النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا يملكها، وإنما الذي يملك الشفاعة هو الله سبحانه وتعالى. ﴿فَأَن يُقَالَ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾. وأيضاً ما يكون هؤلاء الشفعاء إلا بإذنه، لا يشفع الشفعاء إلا بإذن الله سبحانه وتعالى. ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ﴾. وهنا قال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، فـ «الإذن» و«الرضى»: الإذن عن الشافع، أو الرضى عن الشافع ومشفوع. والإذن للشافع: يأذن له الرب سبحانه وتعالى. فهذه من شروط الشفاعة. قال: ﴿وَلَا يَأْذَنُ﴾، والله لا يأذن لأحد أن يشفع إلا فيمن ارتضى. ﴿وَلَا يَنقَضُ﴾... إلا توحيده، إلا أهل توحيده، إلا أهل توحيده واتباع رسله. فمن كان موحداً هو الذي يشفع، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «شفاعتي لمن قال لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه». فالشفاعة تكون لأهل التوحيد: أن يدخلوا أو يخرجوا من النار إلى الجنة، أو أنه يشفع لهم النبي عليه الصلاة والسلام في دخول الجنة، أو كذلك أناساً استحقوا العذاب فلا يدخلون النار بالشفاعة، ويدخلون الجنة. فشفاعة أنواع، وكذلك منها ما هو خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، ومنها ما هو شفاعة عامة. ثم أخبر عن علمه الواسع المحيط، وأنه يعلم ما بين أيديهم من الأمور المستقبلة التي لا نهاية لها، وهذا لكمال علمه سبحانه وتعالى. قال جل وعلا: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾، أي من الأمور الماضية التي لا حد لها، وأنه لا تخفى عليه خافية. فربنا جل وعلا علمه عظيم وواسع. فقال جل وعلا: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾، معنى ﴿مَا خَلْفَهُمْ﴾: الأمور التي خلفتهم وقد مضت. وهذا دليل واضح في الرد على القدرية النفاة، المعتزلة، الذين نفوا علم الله عز وجل فيما مضى، وأنه لا يعلم الأمور إلا بعد وقوعها. فهم آمنوا بشطر من الآية وتركوا شطراً: آمنوا بـ ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾، وكفروا بـ ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. لهذا كفرهم السلف، الذين نفوا علم الله عز وجل قبل حصول الحوادث، الذين نفوا كفرهم السلف؛ لأنهم يكذبون القرآن، يكذبون الله جل وعلا. ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. وأن الخلق لا يحيط أحد بشيء من علم الله ومعلوماته إلا بما شاء. قال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾. ﴿لَا يُحِيطُونَ﴾ هنا: حيط الإدراك، لا يدركون هذا العلم العظيم. وأيضاً لا يطلعون على شيء من الأمور الشرعية والقدرية، لكن ربنا سبحانه وتعالى الذي يعلمهم ويطلعهم، خاصة الرسل. لهذا قال: ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ منها، وهو ما أطلعهم الله عليه من الأمور الشرعية والقدرية، وهو جزء يسير جداً مطمح في علوم الباري ومعلوماته. ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، مهما أعطي الشخص من العلم فهو ما أعطي إلا شيئاً يسيراً من علم الله جل وعلا الواسع العظيم. لهذا فربنا جل وعلا يعلمهم ويطلعهم على بعض علمه، قال: وهو جزء يسير جداً مطمح في علوم الباري ومعلوماته. وكما قال الخضر لنبي الله موسى عليهما السلام، لما جاء الطائر ونقر في البحر نقرة، فقال: يا موسى، ما علمي وعلمك في علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر من هذا البحر. أنا أخذ قطرة من بحر عظيم. فقال الخضر: ما علمي وعلمك في علم الله... أنا علم عظيم، وعلم الخضر وعلم موسى نبي الله وكليمه، علمهم ذلك الواسع ليس شيئاً في علم الله، فضلاً في علم الله جل وعلا. وكذلك لو جمع علوم الناس كلها ما كانت إلا كذلك في علم الله. قال: قال هنا كما قال أعلم الخلق به وهم الرسل والملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾. ثم أخبر عن عظمة جلاله، وأن كرسيه وسع السماوات والأرض، وأنه قد حفظهما ومن فيهما من العوالم، في الأسباب والنظامات التي جعلها الله عز وجل في المخلوقات. ومع ذلك فلا يؤوده أن يضطلع بحفظهما، لكمال عظمته واقتداره وسعة حكمته في أحكامه. معنا: مع عظم هذه المخلوقات العظيمة، كرسيه وسع السماوات والأرض. وهذا الكرسي ليس هو أعظم مخلوقات، بل هناك مخلوقات أعظم منه كالعرش. كل هذه في حفظ الله عز وجل، يحفظها وهي في فلك يدور، يحفظ الله عز وجل هذا النظام ويجعلها في ذلك الترتيب العظيم. قال: ﴿فَلَا يَئُودُهُ﴾، أي لا يضطلع بحفظهما. ليس هنا... ليس شيء على الله عز وجل، بل كله يسير عليه سبحانه وتعالى. فقال جل وعلا: ﴿فَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، أنا لا يضطلع هذه الأشياء، ولا يؤوده حفظهما. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾. قال: العلي بذاته على جميع مخلوقاته، وهو العلي بعظمة صفاته، وهو العلي الذي قهر المخلوقات ودانت له الموجودات، وخضعت له الصعاب، وذلت له الرقاب. فعلو الله عز وجل على ثلاثة أقسام: علو ذات، وعلو صفات، وعلو بعظمته وكبرياء وجبروته جل وعلا، وعلو أيضاً علو تسلط وقهر، أي قهر جميع المخلوقات بعزته وقوته سبحانه وتعالى. وهو القاهر فوق عباده، وهو الحكيم الخبير. فهو علي جل وعلا، مع علوه فهو قريب من خلقه جل وعلا. قال: فالعلو ثلاثة أقسام: علو الذات الذي أنكره بعض فرق المسلمين كالجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية وغيرهم، وعلو القهر، وعلو الصفات أو علو الجناب والعظمة، فهذا لا يمكن أحداً من المسلمين إنكاره، وكذلك علو القهر والغلبة، فهذا أيضاً لا يمكن أحداً من المسلمين بل حتى من الكافرين. لكن الذي حصل الخلاف فيه هو علو الذات. قال رحمه الله: ﴿وَدَانَتْ لَهُ الْمَوْجُودَاتُ وَخَضَعَتْ لَهُ الصِّعَابُ وَذَلَّتْ لَهُ الرِّقَابُ﴾. قال: العظيم الجامع لجميع صفات العظمة والكبرياء والمجد والبهاء، الذي تحبه القلوب وتعظمه الأرواح، ويعرف العارفون أن عظمة كل شيء وإن جلت، وإن جلت عن الصفة، فإنها مضمحلة في جانب عظمة العلي العظيم. وهذه الآية هي أعظم آية في القرآن، لما احتوت هذه الآية من الأسماء العظيمة والصفات الجليلة، وكذلك النعود... وأيضاً وأيضاً ما يكون فيه من عظمة الله جل وعلا، وأيضاً تعريف لخلقه بهذه العظمة. مع وسع هذه المخلوقات إلا أن الله عز وجل تتناول عنه... ففي هذه الآية فيها أسماءه الحسنى وصفاته العلا، وسعة علمه، وسعة أحاطته، وسعة كذلك قوته وقدرته، وكذلك سعة عظمته سبحانه وتعالى، وغيرها من الصفات العظيمة التي تحملها هذه الآية. قال رحمه الله: فآية احتوت على هذه المعاني التي هي جل المعاني، يحق أن تكون أعظم آيات القرآن، ويحق لمن قرأها متدبراً متفهماً أن يمتليء قلبه من اليقين والعرفان والإيمان، وأن يكون محفوظاً بذلك من شرور الشيطان. ولعظمة هذه الآية فهي تعتبر من الكروز والمحصنات التي يتحصن بها العبد من شر الشياطين وضررهم. فهذا ما يذكر الله تعالى عليه.