الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 84، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر السعدي آية «لا إكراه في الدين» بأنها لا تنافي الجهاد، بل تدل على وضوح الحجج والبراهين فلا يحتاج إلى إكراه، ومن كفر بعد تبيّن الرشد فهو معاند. ويبين أن العروة الوثقى هي الدين المستقيم الموصل إلى الله، وأن من تمسك بها بالإيمان بالله والكفر بالطاغوت فقد استمسك بها، مع تقسيم الناس إلى مستمسكين وغير مستمسكين.
يشرح المقطع تقسيم الكفار إلى أربعة أنواع: المحارب، والمعاهد، والذمي، والمستأمن، ويبين أن المحارب فقط هو الذي يُقاتل وتستباح دماؤه وأمواله. بينما الأنواع الثلاثة الأخرى معصومة الدم والمال لوجود عهد أو جزية أو أمان، مؤكداً أن قتال المحارب يكون دفاعاً عن الدين.
يؤكد المقطع أن الله سميع عليم بما تخفيه الصدور وتخفيه الخفايا، ويجازي كل إنسان وفق ما يعلمه من نياته وأعماله. فالله سبحانه يسمع الأقوال ويعلم الأفعال، وهذا معنى الآية المذكورة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسير قوله جل وعلا: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾. وبين المفسر رحمه الله أن هذه الآية لا تنافي الجهاد في سبيل الله، ولا تنافي أيضا بينها وبين قتال اليهود والنصارى والأديان الأخرى. وإنما المراد من هذه الآية أن دين الله عز وجل لا يحتاج إلى إكراه؛ فهو قد بيّن الله عز وجل فيه الحجج والبينات التي يقبلها العقل، وكذلك تقبلها الفطرة والحكمة. فهو دين العقل والعلم، ودين الفطرة والحكمة، ودين الصلاح والإصلاح، ودين الحق والرشد، كما قال المفسر رحمه الله. فلا يحتاج إلى الإكراه عليه، بل حججه ظاهرة، وكذلك براهينه وآياته قد وضحها الله عز وجل وأبانها أشد بيان. فمن جاءته هذه الآيات وهذه البراهين ثم ردها، فهذا يعتبر معانداً؛ إذا لم يقبل مثل هذا الوضوح فهو يعتبر معانداً، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾، فلم يبق لأحد عذر ولا حجة إذا رده ولم يقبله. وذكر رحمه الله أن هذه الآية أيضا لا منافاة بينها وبين الآيات الكثيرة الموجبة للقتال؛ لأن الأمر بالقتال ليكون الدين كله لله، أن تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، ليس هناك دين ينافس دين الله جل وعلا. لهذا شرع الجهاد. وقبل هذا أيضا قد قدم الله عز وجل الدعوة إلى الإسلام. ولهذا جاء كما قلنا أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد أن يبعث جيشاً أو سرية، أمر أمير ذلك الجيش أن يدعوهم إلى الإسلام، ثم إن لم يجيبوا إلى الإسلام يدعوهم إلى الجزية، فإن لم يجيبوا أيضا كذلك فإنه يقاتلهم؛ لأجل أن لا يكون هناك دين غير دين الله جل وعلا، لأنه لو ترك هؤلاء وشأنهم لأفسدوا دين الله، لأنهم يحيكون المكر ليلاً ونهاراً لأجل أن يرفعوا ما هم عليه من الاعتقاد الفاسد، ولأجل أن يضعوا دين الله. فلهذا شرع الجهاد لأجل إعلاء كلمة الله، وأن الدين يكون كله لله، كما قلنا. لما قال ذاك الرجل لابن عمر: "الناس يتقاتلون وأنت هنا لا تقاتل"، قال: "قاتلنا في سبيل الله ليكون الدين كله لله". إنا نحن لما قاتلنا، الجهاد لأجل أن إعلاء كلمة الله، وأن يكون الدين كله لله، ليس لأحد فيه شيء، ليس لأغراض دنيوية، ليس لأجل ملك فلان وفلان، وإنما لأجل أن يكون الدين لله، لا ينافسه هناك دين آخر، ولا أيضا كذلك يكون جولة صولة للمشركين. فلهذا حصل ما حصل. ثم قال العلامة السعدي رحمه الله: قال ثم ذكر الله انقسام الناس إلى قسمين: قسم آمن بالله وحده لا شريك له، وكفر بالطاغوت، وهو كل ما ينافي الإيمان بالله من الشرك وغيره. فهذا قد استمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، بل هو مستقيم على الدين الصحيح حتى يصل به إلى الله وإلى دار كرامته. ﴿ لَا انْفِصَامَ لَهَا ﴾ أي لا انفصال لها، بل هي عروة وسلسلة متواصلة توصل إلى الله جل وعلا وإلى رضوانه. فقال: ﴿ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا ﴾. بل هي كما قال المؤلف: بل هو مستقيم على الدين الصحيح حتى يصل به إلى الله وإلى دار كرامته. فهذا الدين كالعروة والسلسلة الموصلة، من تمسك بأوله ولم يذهب يمنة ولا يسرة، فإنه يصل إلى آخره. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة: «إن هذا القرآن طرفه بيد الله وهو واصل إليكم»، كأنه يقول: أن هذا مثل السلسلة أو الخيط، فهو يوصلك إلى الله، يوصلك إلى الله سبحانه وتعالى إذا مشيت عليه. وأما إذا زغت عنه وذهبت إلى هنا وهنا، فإنك تخرج عن هذا الصراط المستقيم، كما مثله النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن مسعود، وجاء عن ابن عباس في أبي داود وغيره: لما خط خطاً طويلاً قال: «هذا سبيل الله»، ثم خط خطوطاً صغيرة وقال: «هذه السبل، وعلى كل سبيل شيطان». أنا لما خط خطوطاً صغيرة ومعوجة لأنها تنتهي، وأيضا ما تستقيم، فقال: «هذه السبل، وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه». لكن هذا الصراط مستقيم، من مشى فيه وصل إلى الله جل وعلا، فهو الطريق إلى الجنة. فقال: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾. هذا من يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله، فإنه استمسك بالعروة الوثقى. والعروة الوثقى جاء في تفسير بعض المفسرين أنها: لا إله إلا الله، وجاء أنها الصراط المستقيم الذي يمشي فيه، وهي كلها تفاسير صحيحة. قال: ويأخذ القسم الثاني من مفهوم الآية: أن من لم يؤمن بالله بل كفر به وآمن بالطاغوت، فإنه هالك هلاكاً أبدياً، ومعذب عذاباً سرمديا. أنا هذا الذي كفر بالله، فإن الله عز وجل يعاقبه ويعذبه، وهو هالك لأنه لم يسلك هذا الطريق الصحيح الذي أراده الله عز وجل منه. وهذا كله يبين لنا أن الله عز وجل أراد أن يقيم الحجة على هؤلاء، فأخبرهم أنه لا يحتاج هذا الدين إلى أن يكره عليه، لا يحتاج إلى أن يكره عليه، لماذا؟ لأنه منتشر ومبين وواضح للناس. ولهذا قال الله عز وجل لنبيه الكريم عليه الصلاة والسلام: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ﴾، لأنهم علموا أن هذا الدين هو الحق، فدخلوا أفواجاً، جماعات جماعات، وقبائل بكاملها تأتي وتسلم لله جل وعلا، لأن هذا الدين هو الذي أراده الله عز وجل من الناس. فلهذا فقد أقيمت الحجة على هؤلاء الذين يبلغهم هذا الدين، والذين عرفوا براهين هذا الدين. فلهذا لا يحتاج هذا الدين أن يكره عليه. لكن من عناد وأراد أن يحارب دين الله جل وعلا، فهذا لا شك أنه يحارب، وأنه يقاتل. لهذا الكفار أربعة أنواع: ثلاثة أنواع لا يقاتلون، ويحرم مالهم ودمهم، يعصم مالهم ودمهم، وهم كفار. ونوع واحد من الكفار هم الذين يقاتلون، وكذلك تستباح دماؤهم وأموالهم. لماذا؟ لماذا هؤلاء الكفار مع أنهم كفار، لكن لا نستبيح أموالهم ولا نستبيح دماءهم؟ لأن هؤلاء نرجو منهم الدخول إلى دين الله عز وجل، ولأنهم لم نتحصل منهم أذية، فلهذا فهم يترك قتالهم. عن هؤلاء ثلاثة الأنواع: الذمي، والمعاهد، والمستأمن. أنها ثلاثة أنواع من الكفار... هم أربعة أنواع: المحارب، والمستأمن، والمعاهد، والذمي. هؤلاء أربعة من أنواع الكفار. واحد فقط هو الذي يقاتل، والذي أيضا يجاهد، ما دام أن أولئك الثلاثة على العهد الذي بينهم وبين المسلمين. الذمي هو الذي يدفع الجزية للمسلمين. والمعاهد: الذي بينه وبين المسلمين عهد بين دولته وبين قومه وبين المسلمين عهد على عدم القتال، مثل ما عاهد النبي صلى الله عليه وسلم قريش، وعاهد أيضا وصلح مع اليهود، اصطلح مع اليهود أول ما دخل المدينة، هذا يعتبر معاهد. والثالث: المستأمن. المستأمن هو الذي يدخل بلاد المسلمين بجوار أحد المسلمين، سواء كان مثلاً لأجل عمل، أو لأجل قرابة، أو لأجل شيء من هذه الأمور. مثلاً: إنسان احتاجت مستشفى إلى أطباء من الخارج، وهم ما وجدوا من المسلمين، أتوا بكفار، هؤلاء يعتبرون مستأمنين عن الدولة التي استأمنتهم، أو يأتي بهم إنسان من المسلمين. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم». ذمة المسلمين واحدة، يعني لا يجوز أن تخفر، ولو كان مسلماً واحداً، لا يجوز أن تخفر ذمته. فإذا أدخل... بل أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لقد أجرنا من أجرت يوم مهاني». عن أم هاني بنت أبي طالب، لكن لما أجرت بعض الكفار الذين كانوا مثلاً يعملون عندها وكذا، فالنبي عليه الصلاة والسلام أجرها. فقالت له: يا رسول الله، إن ابن أمي أراد... علي بن أبي طالب وهو أخوها، قالت: إن ابن أمي أراد، زعم أنه قاتل، قاتل من أجرت. لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد أجرنا من أجرت يوم مهاني». فعن هؤلاء الذين أجرتهم ودخلوا في ذمتهم لا نقتلهم. فانظروا إلى هذا الأمر الآن: ثلاثة أنواع من الكفار لا يقتلون، لماذا؟ لأنهم ممكن أن يدخلوا في دين الله، فعاهدوا أو استأمنوا أو دفعوا الجزية. وأما نوع واحد وهو الذي يقاتل، فهو المحارب. أجمع المحارب، وهو العاقل في الكفار أنهم يحاربون دين الله. فهذا المحارب هو الذي يقاتل، هو الذي يقاتل ويجاهد أيضاً، وتستباح دماؤه وأمواله. وأما أولئك الثلاثة الأنواع، لا تستباح لا دماؤهم ولا أموالهم. فهل بعد ذلك يكون في دين الله عز وجل إكراه؟ ليس فيه إكراه، وإنما من أراد أن يكون حرباً على دين الله، فلابد أن المسلمين يقاتلوه. قال رحمه الله: ويأخذ القسم الثاني من مفهوم الآية: أن من لم يؤمن بالله بل كفر به وآمن بالطاغوت، فإنه هالك هلاكاً أبدياً، ومعذب عذاباً سرمديا. وقوله: ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾: سميع أي لجميع الأصوات باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات، سميع لدعاء الداعين وخضوع المتضرعين. وسميع هنا على وزن فعيل على المبالغة، يسمع جميع الأصوات، حتى دبيب النملة السوداء على الصخرة الملساء. قال رحمه الله: والله سميع عليم بما أكنته الصدور، وما خفي من خفايا الأمور، فيجازي كل أحد بحسب ما يعلمه من نياته وعمله، فهو سميع بما يقولون، وعليم بما يفعلون، سبحانه جل وعز. فهذا ما يذكر في هذه الآية، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر