الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 81، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تعد آية الكرسي أعظم آيات القرآن كما ورد في حديث أبي بن كعب، وهي تجمع معاني التوحيد وصفات الكمال لله تعالى كالحياة المطلقة والقيومية. تؤكد الآية أنه لا معبود بحق إلا الله وأن عبادة غيره باطلة.
يفرق المقطع بين حياة المخلوق الناقصة وحياة الله المطلقة المستلزمة لجميع صفات الكمال كالسمع والبصر والقدرة. يوضح أن اسم "القيوم" يتضمن قيام الله بنفسه وقيامه على خلقه بإيجادهم ورزقهم وتدبير أمورهم، وينفي السنة والنوم عن الله لكمال حياته وقيوميته.
النوم صفة كمال للمخلوق لعجزه وضعفه، وصفة نقص في حق الله فتنزه عنه. الله مالك كل ما في السماوات والأرض ملكاً مطلقاً، وله صفات الملك والتصرف والكبرياء والجلال وهي كمال له ونقص في حق المخلوق، ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه.
يختتم المتحدث حديثه بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين. يعبر هذا المقطع عن نهاية المحاضرة أو الدرس بختم دعائي مبارك.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾. قال رحمه الله: أخبر صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية أعظم آيات القرآن، كما جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه، حين سأله النبي عليه الصلاة والسلام عن أعظم آية في القرآن، فقال أبي رضي الله عنه: الله لا إله إلا هو الحي القيوم. فضرب النبي صلى الله عليه وسلم في صدره، وقال: «ليهنك العلم أبا المنذر». فأقرّ النبي عليه الصلاة والسلام على هذا الجواب أن هذه الآية -آية الكرسي- هي أعظم آيات القرآن. قال: لما احتوت عليه من معاني التوحيد والعظمة وسعة الصفات للباري تعالى، فأخبر أنه الله الذي له جميع معاني الألوهية؛ لأن لفظ الجلالة "الله" مشتق من ألهة، يأله إلهة إذا عبد، فالمألوه هو المعبود الذي يستحق العبادة وحده. قال: وأنه لا يستحق الألوهية والعبودية إلا هو، فألوهية غيره وعبادة غيره باطلة، كما قال الله جل وعلا: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. فلا إله يستحق أن يعبد إلا الله سبحانه وتعالى، وكل عبادة أو كل إله عبد من دون الله جل وعلا فعبادته باطلة. قال: وأنه الحي الذي له جميع معاني الحياة، وهذا هو معنى معنى الألوهية؛ هو إفراد الله جل وعلا بالعبادة. المعبود الذي يستحق العبادة وحده هو معنى "لا إله إلا الله"، أي: لا معبود بحق إلا الله، لا معبود يستحق أن يعبد وأن تصرف له العبادات إلا الله سبحانه وتعالى وحده. قال: وأنه الحي الذي له جميع معاني الحياة الكاملة من السمع والبصر والقدرة والإرادة وغيرها من الصفات الذاتية؛ أي: له الحياة الكاملة المطلقة، الحياة التي لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال، ولا يتخللها نقص. بخلاف حياة المخلوق، فهي حياة ناقصة سبقت بعدم، ويلحقها الزوال، ويتخللها النقص. أما الله جل وعلا فله الحياة المطلقة جل وعلا، وله جميع معاني الحياة الكاملة من السمع والبصر والقدرة والإرادة وغيرها. فإن في إثبات هذا الاسم بدلالة المطابقة والتضمن والالتزام تثبت لله جل وعلا جميع صفات الكمال، جميع صفات الكمال من السمع والبصر والقدرة والإرادة، وكذلك غيرها من الصفات التي هي مستلزمة لإثبات صفة الحياة لله سبحانه وتعالى. ولهذا قالوا: "غيرها من الصفات الذاتية"، كصفة الكلام والمجيء والإتيان والنزول، وكذلك أيضًا صفة اليدين وغيرها من الصفات التي هي لله جل وعلا. قال: كما أن "القيوم" تدخل فيه جميع صفات الأفعال؛ لأنه القيوم الذي قام بنفسه واستغنى عن جميع مخلوقاته، وقام بجميع الكمال، وقام بجميع الموجودات فأوجدها وأبقاها وأمدها بجميع ما تحتاج إليه في وجودها وبقائها. فهو جل وعلا القائم بنفسه، والمقيم لغيره؛ القائم بنفسه لكماله واستغنائه عن جميع المخلوقات. فالله عز وجل هو الغني، وغيره من المخلوقات هي الفقيرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. خلق جل وعلا المخلوقات وهو مستغنٍ عنها، خلق السماوات والأرض، وخلق الملائكة، وخلق العرش، وخلق غير ذلك من المخلوقات العظيمة، وهو جل وعلا مستغنٍ عنها غير محتاج لها. وأقام سائر المخلوقات، فهو الذي خلقها وأوجدها ورزقها وقام بشؤونها جل وعلا، وهذا لكمال قيوميته سبحانه وتعالى. قال: ومن كمال حياته وقيوميته أنه لا تأخذه سنة، أي: نعاس، ولا نوم؛ لأن السنة والنوم إنما يعرضان للمخلوق الذي يعتريه الضعف والعجز والانحلال، ولا يعرضان لذي العظمة والكبرياء والجلال. فالسنة هي النعاس، وهي مقدمات النوم. فالله عز وجل منزه عن ذلك، عن السنة، وكذلك أيضًا عن النوم الذي فيه غفلة المر وعدم شعوره بما يحصل من حال نومه. فالسنة والنوم منفيان عن الله جل وعلا لكمال حياته وقيوميته سبحانه وتعالى. فهو عز وجل الخالق لهذه المخلوقات، والممسك للسماوات والأرض: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ﴾. وهو المصرف في شؤون عباده، كل يوم هو في شأن: في إحياء وإماتة وخلق ورزق وغير ذلك من شؤون حياة مخلوقاته. فكيف يغفل جل وعلا عن شيء من أمور خلقه؟ فلذلك تنزه جل وعلا عن السنة والنوم. فكانت أي: هذين صفتين، صفة نقص في حق الله جل وعلا، وهما صفة كمال في حق المخلوق. المخلوق الذي لا ينام هذا نقص في حقه وضعف في بدنه؛ ربما إذا لم ينم اليوم واليوم أصابه خلل في عقله بسبب ذلك. فكان النوم في المخلوق صفة كمال، وذلك لعجزه وضعفه ونقص حياته وقيوميته؛ يحتاج إلى أن ينام حتى ترتاح الجوارح وتستعيد نشاطها. بخلاف الخالق سبحانه وتعالى، فإن صفة السنة والنوم في حقه نقص، فلذلك تنزه جل وعلا عنهما. قال: وأخبر أنه مالك، أنه مالك جميع ما في السماوات والأرض، فكلهم عبيد لله مماليك، لا يخرج أحد منهم عن هذا الطور: ﴿إِنْ كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا﴾. فهو المالك لجميع الممالك، وهو الذي له صفات الملك والتصرف والسلطان والكبرياء. ﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، "ما" اسم موصول بمعنى "الذي"، أي: له الذي في السماوات والذي في الأرض. فكل ما في السماوات في هذا العالم العلوي من السماوات والملائكة والكواكب السيارة وغير ذلك، النجوم كلها ملك لله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضًا ما في العالم السفلي في هذه الأرض من بحار وجبال وأنهار وإنس وجن وغير ذلك من المخلوقات، كلها ملك لله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضًا من ملك الملك في الدنيا من المماليك والأمراء، فكل ما يملكونه هو ملك لله سبحانه وتعالى. ومن ملك الله جل وعلا فلا يخرج شيء عن ملك الله سبحانه وتعالى، فله جل وعلا الملك المطلق والعام. قال: فهو المالك لجميع الممالك وإن عظمت وكبرت واتسعت، فهو المالك لها جل وعلا. قال: وهو الذي له صفات الملك والتصرف والسلطان والكبرياء، فهو جل وعلا المستحق لصفات الكمال. ولذلك كان من صفات كمال الله جل وعلا أن يتصف بالجبروت والكبرياء والجلال والعظمة، وهذه في حق المخلوق صفة نقص؛ أن يتصف المخلوق بالكبرياء والجبروت والعظمة، هذه صفة نقص في حق المخلوق. لكن في حق الله جل وعلا صفة كمال، فالله عز وجل له صفات الجلال والعظمة، ومن ذلك صفة الكبرياء والملك والجلال والعظمة سبحانه وتعالى. قال: ومن تمام ملكه أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه. طيب، نترك إن شاء الله هذه الآية أو جزء من هذه الآية إن شاء الله في الدرس القادم. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.