الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 108، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يجب توثيق الديون كتابةً بالعدل بين المتعاملين مع ذكر المبلغ والأجل والتاريخ، وتعد الكتابة من الإحسان وحفظ الحقوق. يستحب للكاتب أن يحتسب الأجر ولا يمتنع عن الكتابة، ويشترط فيه العلم بالعدل والأمانة.
يشترط في الكاتب العدل معرفة أحكام الشرع ليكتب بالحق ويمتنع عن توثيق العقود المحرمة كعقود الربا. كما يجب عليه إتقان الألفاظ الشرعية والعرفية الدقيقة لكل معاملة ومراعاة العرف السائد في صياغة العقود.
يراعي الكاتب اختلاف الألفاظ في البيئات، وتعد الكتابة نعمة تستوجب شكرها بقضاء حوائج الناس. من عليه الحق هو من يكتب الإقرار، فإن عجز لصغر أو جنون أو خرس أو سفه تولى وليه الكتابة بالعدل عنه ويقوم مقامه في الأداء والتعبير.
يختتم المتحدث الجلسة مكتفياً بما طرح مع الإشارة إلى بقاء مسائل كثيرة، ويختم بقوله "والله تعالى أعلم". ثم ينسب الترجمة إلى نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله عند ذكر فوائد آية الدين: قالوا منها: أمره تعالى للكاتب أن يكتب بين المتعاملين بالعدل، فلا يميل مع أحدهما لقرابة ولا غيرها، ولا على أحدهما لعداوة ونحوها. فالله عز وجل يقول: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾، والعدل هذا المراد به وضع الشيء في موضعه، فلا ينبغي أن يحيف في كتابته، بل يعدل ويأتي بالواقع بحسب ما يقوله المتعاقدان: الدائن والمدين. فيكتب بينهما مثل ما ذكر، فمثلًا يقول: هذا عند فلان مثلًا مائة ألف، فيكتب أن عنده مائة ألف يأتي بها بعد سنتين، بعد سنة، فيكتب كذلك. يكتب التاريخ، تاريخ اليوم، حتى يكون الأجل مسمى، فيوثق الأجل بالكتابة، ويوثق الدين بالكتابة. فهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾، يكون لا يحابي قريبًا ولا غيره. الآن بعض الناس، مثلًا خاصة قديما، كانوا إذا عرفوا أن الدائن والمدين لا يقرآن ولا يكتبان، كانوا يجعلون بعض الأشياء التي لم يقولها، أو يخففون في الدين، أو يكثرون فيه. فهذا كله لا يجوز. وإن كتب الإنسان على نفسه وهو إقرار، إذا كان هذا الدين أو المدين يستطيع الكتابة ويعرف يكتب، فهو إن كان الدائن فهو يقر على نفسه، أو أقصد المدين فهو يقر على نفسه أن لفلان عليه كذا وكذا، أو أن له عليه كذا وكذا. أو إذا كان الدائن يقول مثلًا: يكتب أني أعطيت فلان كذا وكذا من المال، ثم ذاك إما يوقع على هذا أو يشهد عليه. وقالوا منها: أن الكتاب بين المتعاملين من أفضل الأعمال، ومن الإحسان إليهما، وفيها حفظ حقوقهما وضراء ذممهما، كما أمر الله بذلك. فليحتسب الكاتب بين الناس هذه الأمور ليحظى بثوابها. ولا بأس أن يجعل له جعل لكتابته إذا كان لا يحسن الكتابة، أو كان أقصد يحسن الكتابة، فيعطونه أجرته، مثل ما يفعلون الآن، تجد أنه يعطونه أجرة على الكتابة، كتابة الوثائق وكذا، فلا بأس أنهم يأتون به ويعطونه شيئًا. وإن جعل، أو وإن تبرع وأراد الأجر، فهذا من باب الإحسان. لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾، ﴿وَلَا يَأْبَ كِتَابٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾. ما ينبغي له أن يرفض، وأن مثلًا يقول لهم: إني مشغول أو كذا، بل ينبغي عليه أن يكتب، فله الأجر، ويكتب كما علمه الله عز وجل الكتابة. أي أن من نعمة، من شكر نعمة الكتابة، أنه يكتب للناس ويحسن لهم في مثل هذه الأمور لأنهم يحتاجون إليه. لهذا فكتابته هذه شكر لله عز وجل على ما علمه به هذه الكتابة. ولا شك أن هذا يعتبر من أفضل الأعمال، كما قال المغلّف: ومن الإحسان إلى أهل الإيمان. وأيضًا كذلك الإحسان إلى المتخاصمين أو إلى المتداينين. وكذلك أيضًا قد يكون فيه أيضًا البيع والشراء وغيرها. قالوا منها: أن الكاتب لا بد أن يكون عارفًا بالعدل، معروفًا بالعدل. لأنه إذا لم يكن عارفًا بالعدل لم يتمكن منه، وإذا لم يكن معتبرًا عدلًا عند الناس رضيًا، لم تكن كتابته معتبرة، ولا حاصلًا بها المقصود الذي هو حفظ الحقوق. ولهذا قال أهل العلم: أن الكاتب ينبغي أن يكون الكاتب هذا الذي يكتب بالعدل، ينبغي أن يكون عنده معرفة بما يكتب. معنى: أي معرفة حكمه. معنى: لا يكتب لهم شيء حرام، لا يكتب لهم شيئًا لا يجوز. مثلًا يكتب لهم عقد ربا، مثلًا يقول له: عندي دين لفلان، اكتب هذا. الكاتب يكتب: يقول عندي دين لفلان، والآن ما عندي سداده، سيؤخره علي مدة ثلاثة أشهر، ويكون مثلًا بدل مائة ألف يكون مائة وعشرين. هذا عقد ربا، معنى: ما يجوز له أن يكتبه. لهذا يحتاج إلى علم في بعض هذه المسائل. وهذا من العدل في الكتابة، وهذا من العدل في الكتابة: أنه يعرف أحكام الشرع، فيكتب بما يعرفه من شرع الله جل وعلا. وبعض الأمور تحتاج أيضًا إلى معرفة بعض الأحكام. وهذا مما يلزم العدل في الكتابة: فلا يكتب شيء محرم، أو لا يكتب شيئًا ليس فيه توثيق صحيح. مثلًا لا يوثق الأجل، أو مثلًا يقول: يكتب شيئًا وهذا الشيء ليس بصفاته التي تميزها عن غيره، ممكن أنه يختلط بغيره. أنا مثلًا يقول: أنه أخذ كذا وكذا من الدكان، أخذ مثلًا من المعرض سيارة، سيارة هيلوكس مثلًا، لم يذكر أوصافها، لم يذكر لونها. فهذا خطأ، لأن أحيانًا بعض هذه الأشياء تفترق في السعر، تفترق في السعر مع غيرها. لهذا ينبغي أيضًا أن يلاحظ مثل هذه الأشياء حتى يوثق هذا الدين. قالوا منها: أن من تمام الكتابة والعدل فيها أن يحسن الكاتب الإنشاء والألفاظ المعتبرة في كل معاملة بحسبها. وللعرف في هذا المقام اعتبار عظيم. وهذا يعرفه أصحاب المحاكم وغيره، أن ينشئوا بعض الألفاظ التي تفهم. وكذلك أيضًا هذا أيضًا يدل على أن يكون عنده معرفة بالعقود وبالألفاظ، حتى لا يجعل مثلًا عقد وكالة يجعله عقد بيع، أو مثلًا عقد مداينة يجعله عقد مثلًا أمانة ووديعة. فمثل هذه الأشياء لا بد أن يفهمها ويعرف الألفاظ المعتبرة في كل معاملة بحسبها. وكذلك الأشياء العرفية التي تعارف بها الناس، لا ينبغي أن يأتي بألفاظ لا يتعارف بها الناس، أو أن في عرفهم شيء آخر، فيختلط عليهم مثل هذه الأمور. ولهذا تجد في بعض الكتابات القديمة بعض الألفاظ التي لا تعرف، ما يعرفها كثير من الناس الآن، وكانت عرفًا عندهم، كانت عرفًا عندهم يتعارفون به. لهذا مثل هذا ما في شيء، مادام أنهم يتعارفون بمثل هذه الكلمات. لكن لا ينبغي أن يأتي بكلمات فيها توسع، مثلًا يكون مثلًا يقول: لفلان في بيتي فلان كذا وكذا من المصالح المعروفة. أنا مثلًا يكون في وراء إرث، فيكتب مثلًا: حقوق الإرث، هذا له كذا وهذا له كذا. وهنا ينبغي أن يبين مثل هذه الأشياء، لا يكتب مثلًا أشياء ما عندهم في العرف، ويكتبها مثلًا بما هو يعرف. فهذا أيضًا خطأ. مثلًا بعض الأسماء أو بعض الألفاظ تختلف من مكان إلى آخر. مثلًا بعض الناس يسمي مثلًا "درع" عندنا في اللهجة أو عندنا في عرفنا مكان يسمونه في البيوت "درع"، وتجد في أماكن أخرى "الدرع" هذا المراد به الغرفة نفسها. لكن عندنا "الدرع" هو مكان مفتوح يكون في آخر البيت. فمثل هذه الألفاظ أيضًا ينبغي أن يحسنها الكاتب. قالوا منها: أن الكتاب من نعم الله على العباد التي لا تستقيم أمورهم الدينية ولا الدنيوية إلا بها. وأن من علمه الله الكتابة فقد تفضل عليه بفضل عظيم. فمن تمام شكره لنعمة الله تعالى أن يقضي بكتابته حاجات العباد، ولا يمتنع من الكتابة. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يَأْبَ كِتَابٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾. هذا قد ذكرناه. وأن من نعمة الله عز وجل على من علمه الكتابة أن يشكر نعمة الله بأن يسخر كتابته لله، أو يسخر كتابته فيما يخدم دين الله جل وعلا. قالوا منها: أن الذي يكتبه الكاتب هو اعتراف من عليه الحق، إذا كان يحسن التعبير عن الحق الذي عليه. أنا أيضًا هنا أمر مهم: وهو أن الكاتب يعرف هذه الألفاظ. من ذلك: أنه لا يكتب ألفاظ صاحب الحق، لأنه أحيانًا صاحب الحق لا يستطيع أن يعبر، لا يستطيع أن يعبر عن حقه. لهذا يكون الكاتب يحسن مثل هذه الأشياء، فيكتب على تعبيره، فيكتب هذا الحق الذي له. قال: فإن كان لا يحسن ذلك لصغره أو سفه أو جنونه، أي صاحب الحق، أو خرسه، أو عدم استطاعته، أملى عنه وليه، وقام وليه في ذلك مقامه. على إن كان كما قلنا: الذي يكتب هو المدين، وهو إقرار على نفسه، إقرار على نفسه أن عنده كذا وكذا. وإن كان الكاتب الدائن فهو يكتب ما له عند فلان. لكن إذا كان لا يحسن الكتابة، فإنه كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعَ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾. يقال إملال، ويقال إملاء. يمل: معنى يكتب. يكتب من الإملاء. معنى: يملل ويملأ، أو يملي، أقصد يملي، يملي ويملل. فأي: مراد به يكتب. فإن كان صاحب الحق لا يستطيع أن يكتب، ولم يجد كاتبًا، وهناك وليه يكتب، فليكتب وليه بالعدل. وأيضًا هذا يكون في اختيار الألفاظ، إذا كان مثلًا صاحب الحق لا يستطيع أن يعبر لصغر سنه، أو لخرسه، أو لسفه. مثلًا رجل مثلًا ما هو حول هذه الأشياء، وضياع، وصاحب تخازين وكذا، ولا ينظر إلى هذه الحقوق، ولا يعرف كيف يتعامل الناس، فيقوم وليه. لأن السفيه يكون معه هناك ولي له، ممكن أنه يمنعه من التصرف في المال إذا كان سفيهاً يبذر ماله. لهذا فإذا كان كذلك يقوم الولي مكانه. إن كان الولي كاتبًا يكتب بما يعرفه، وإن كان الولي ليس بكاتب فإنه يأتي له بكاتب. قال: فإن كان لا يحسن ذلك لصغره أو سفه أو جنونه أو خرسه أو عدم استطاعته، أملى عنه وليه، وقام وليه في ذلك مقامه. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا. بقيت أيضًا مسائل كثيرة، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر