تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 109

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 109

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 109، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

ولاية القاصرين ونوابهم في الحقوق المالية

يشرح المقطع ثبوت الولاية على الصغار والمجانين والسفهاء لحفظ أموالهم مستدلاً بآية الدين وآية اليتامى. ويبين أن الولي يقوم مقام موليه في الإقرارات والتصرفات المالية مع التفريق بين الوكالة العامة والخاصة.

أحكام الوكالة في البيع والشراء ووجوب توثيقها

يبيّن المقطع أن الوكيل إذا تصرف ضمن وكالته العامة نفذ تصرفه ولا يملك الموكل الاعتراض بعده مع تأكيد أهمية توثيق الوكالة كتابةً. كما يوجّه من يملي الحق على الكاتب أن يتقي الله ولا يبخس شيئاً من قدره أو صفته.

أمانة الكتابة والاعتراف بالحقوق في المعاملات

يؤكد المقطع على وجوب الدقة والأمانة في توثيق الديون والمعاملات وعدم بخس الحقوق سواء في العدد أو الوصف. كما يبين حرمة خيانة الأمانة في الوكالة ووجوب أداء الوكيل لكل ما استلم بلا نقصان.

ختم الدرس وتأجيل مسائل الإشهاد

أشار المتحدث إلى أن المسائل المطروحة تخص الإشهاد وسيتم تأجيلها لدرس قادم. ثم اختتم الجلسة بقوله والله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: لا نزال في ذكر الفوائد التي ذكرها العلامة سعد رحمه الله في آية الدين. قال رحمه الله تعالى: ومنها من هذه الفوائد ثبوت الولاية على القاصرين من الصغار والمجانين والسفهاء ونحوهم. وهذا حكم شرعي أن الولاية تكون على هؤلاء القصر، سواء كان صغيراً يتيماً مثلاً ليس عنده ولي، فيكون هناك له ولي. إذا كان ليس عنده أب، فإن كان أبوه موجوداً فهو وليه. وكذلك المجانين، المجنون أيضاً يحتاج إلى ولي. والسفيه وهو المبذر الذي يبذر ماله، أيضاً يحتاج إلى أن يكون عليه ولي. معناه: هو الذي يتصرف في ماله، أو يكون وكيلاً على ماله، وكذلك أيضاً حتى على رعايته. لأن الله عز وجل يقول هنا: ﴿فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعَ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282]. فيكون له ولي. إن كان صغيراً وأخذ مثلاً، أو أخذ مالاً، أو أخذ من ماله، فيكتب على من أخذ هذا الدين، ولو أخذه الولي، لكن في الاضطرار في الحاجات. وله كذلك ما تقدم معنا في قول الله عز وجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: 220]. فقوله جل وعلا: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾، أي إصلاح في أموالهم. ممكن أن الولي يتجر في مال الصغير أو مال يتيم حتى يكسب أو يجعل له أرباحاً، فتكون هذه الأرباح تضاعف ماله. وكذلك المجنون، وكذلك أيضاً السفيه. والسفيه هنا المراد عند الفقهاء: الذي يبذر ماله. السفيه هو الذي يصرف ماله فيما لا ينفعه، فهناك يكون عليه ولي حتى لا يبذر بأمواله. قال: ومنها أن الولي يقوم مقام موليه في جميع اعترافاته المتعلقة بحقوقه. إذا كانت له حقوق، والحقوق المالية أنا هنا الكلام على الحقوق المالية، أما الحقوق غير المالية فبعضها لا يجد للولي أن يتدخل فيها، وإنما هنا المراد به الحقوق المالية. فالحقوق المالية للولي أن يتصرف في مثل هذه الأمور، ومن ذلك أن يقوم مقام موليه في جميع اعترافاته، أن يقر أن هذا دين لفلان عليه مثلاً، أو أن فلاناً أخذ ديناً فيقر على هذا الأمر، فإقرار الولي يعتبر به. قالوا: ومنها أن من أمنته في معاملة فوضته فيها، فقوله في ذلك مقبول، وهو نائب منابك. أنا مثل ما هنا الولي، ﴿فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعَ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾، فالولي يقوم مقامه. وكذلك في من فوضته، أي وكلته، توكيل في هذه القضية أو توكيلاً عاماً. إذا كان توكيلاً عاماً كما يقولون عندنا هنا: قاطع مانع، فهذا يدخل في كل أموال الموكل وكل ما له. إن حددها مثلاً بمكان، فهي تشمل كل المكان. ذات مثلاً لو قال: في الشحر أموالي، مثلا في الشحر لي فلان بن فلان، فوضته فيها أو وكلته فيها أن يتصرف فيها كيف ما شاء عن بيع وشراء وإجار أو غيره. لكن إذا كانت هذه الوكالة وكالة خاصة، مثلاً يقول له: في البيت الفلاني وكلتك في البيت الفلاني أن تبنيه أو أن تبيعه، فهذا يعتبر وكالة في بيع وشراء فقط في بيع هذا البيت، وكالة خاصة. فلا يجوز لهذا الوكيل أن يؤجر هذا البيت، إذا أراد أن يؤجره يؤجره بإذن صاحب البيت. أما أنه وكله في البيع ثم يؤجره فهذا خطأ. لهذا فالموكل والمفوض يقوم مقام صاحب المال. قال: لأنه إذا كان الولي على القاصر ينوب منابهم، فالذي وليته باختيارك وفوض إليه الأمر أولى بالقبول واعتبار قوله وتقديمه على قولك عند الاختلاف. وهذا إذا حصل، إذا حصل منه مثلا كما قلنا: وكله على البيع فباع. إذا قال مثلاً المالك: أنا ما أرضى بهذه البيعة، فهل يقبل كلامه؟ لا، إلا إذا كان قبل البيع، إلا إذا كان قبل أن يبيع، فاتصل به مثلاً أو كلمه، قال: أنا لست راضياً بهذا البيع، وهنا يعتبر إلغاء لهذه البيعة. أما مثلاً لو باع، أو إذا باع، فإن الموكل ليس له حق بعد ذلك، لأنه قد وكله في البيع، قد وكله في البيع أو الشراء. فلهذا فإنه كما قال هنا: فالذي وليته باختيارك فوضع إليه الأمر أولى بالقبول، واعتبار قوله في هذه الوكالة، وتقديمه على قولك عند الاختلاف. ومثل هذه الأولى أن تكون موثقة بورقة، أن تكون أيضاً آخذ جميع الأطراف، لأن أحياناً يحصل الاختلاف بين الوكيل والموكل بسبب أنهم لم يحزموا الأمر جيداً، ولم يأخذوا الموضوع من جوانبه، فلهذا يحصل أحياناً الاختلاف، مثلاً في السعر، يحصل الاختلاف مثلاً في البناء إذا كان عن بناء وكذا. فلهذا ينبغي أن يكون موثقاً في اتفاق بينهما، حتى إذا حصل اختلاف يرجع إلى هذا الاتفاق. لكن إذا كان الاتفاق عاماً، مثلاً قال له: بع، وكلتك في بيع هذا البيت، أو وكلتك في شراء لي بيتاً أو أرضاً، فهنا إذا اشترى أرضاً فيعتبر أنه قام بهذه الوكالة، لأن الوكالة ليست فيها شروط، لم يقل له مثلاً: اشتر لي أرضاً كذا وكذا، أو مثلاً مساحتها كذا وكذا، أو أريد أرضاً في مكان كذا وكذا، وإنما وكل له الأمر، فإذا اشترى فمعنى أنه قد أدى هذه الوكالة، وهذا الشراء صحيح، ولا يجوز للمالك أن يقول: أنا ما أرضى بهذا الشراء، وما أريد هذه الأرضية لأنها في مكان بعيد أو مكان كذا. فلهذا فلابد من الاحترازات التي تكون بين الموكل والوكيل، وكذلك الولي أو من كان مفوضاً في شيء، فلابد أن التفويض يكون على حسب ما أراده في التفويض. قال: قال لأن هناك الاختلافات تحصل كثيراً بين الموكلين ووكلائهم بسبب عدم حزم الأمور، وأيضاً عدم حصر ما يريد، فيحصل بعد ذلك الاختلاف. قال: ومنها أنه يجب على الذي عليه الحق إذا أمل على الكاتب أن يتقي الله له، ولا يبخس الحق الذي عليه، فلا ينقصه في قدره، ولا في وصفه، ولا في شرط من شروطه، أو قيد من قيوده، بل عليه أن يعترف بكل ما عليه من متعلقات الحق. كما يجب ذلك إذا كان الحق على غيره له، فمن لم يفعل ذلك فهو من المطففين الباخسين. أنه إذا كان هو الذي يملي، صاحب الحق أو الدين، إذا كان هو الذي يملي، لابد أن يكتب ما عليه كله، وأيضاً لا ينسى شيئاً متعلقاً بهذا الأمر وداخل في حقه، إما في حقه وإما في حق غيره. فمثلا إذا كان هذا الدين الذي أعطاه شيئاً من الأغراب، ليس مالاً، مثلاً أعطاه أو أودع عنده بيتاً، قال: هذا البيت أجعله لك وديعة عندك، وإن شاء الله إذا جئت من السفر سأخذه، أخذه. فهذا البيت مثلاً تفقوا على أشياء من هذا البيت، أو أرضية تفقوا عليها. فهنا لابد أن يكتب متعلقات الأرضية، أنها مثلاً لها ملحق أو لها كذا، وأيضاً هذه الأرض عليها كذا. مثلاً إذا أراد أن يبيعها ويشتري، المهم أنه يحترز من هذه الأمور التي قد يكون فيها حق لغيره فيضيعه، أو حق له فيزيد فيه، أو حق له فيزيد فيه. فمثلا يقول: هذه الأرضية مثلاً عشرين في عشرين، وهي ليست كذلك. أنا يعطي الرجل شيئاً أرضية على أنها أمانة أو وديعة عنده، وهي ليست على المسافة التي ذكرها، فيدخل الرجل بعد ذلك في مهاترات، ويكتب أيضاً أمراً ليس له، يكتب في ورقة أنها عشرين في عشرين، وهي ليست كذلك. وغيرها من هذه الأمور التي يحصل فيها، مثلاً لو استدان منه أسمنت، استدان منه مثلاً أسمنت، لابد أن يكتب عدد هذا الأسمنت، كم عدد، لا يقول مثلاً: أنا سأأخذ وبعد ذلك الحساب، ثم لا يقيدون، فيحصل بينهما الخلاف. فلهذا إذا جاء مثلاً وقت الكتابة، يقول له مثلاً: أخذت مائة من الأسمنت، فيكتب عليه مائة. فلا ينبغي له أن يبخس، إذا وكله في الكتابة، يقول له: أو يزيد، يقول مائة وعشرين مثلاً. أو إذا كان ليس عليه الحق وكان كاتباً فقط، فيبخس إما في السعر وإما في العدد. فلهذا يقول الشيخ سعد رحمه الله على ما جاء في الآية: أنه يجب على من أملأ حقاً، سواء كان كاتباً أو صاحب الحق أو المطالب بالحق، فإنه يتقي الله عز وجل ولا يبخس الحق الذي عليه، فلا ينقص في قدر، ولا في وصفه، ولا في شرطه. قالوا: ومنها وجوب الاعتراف بالحقوق الجلية والحقوق الخفية، وأن ذلك من أعظم خصال التقوى، كما أن ترك الاعتراف بها من نواقض التقوى ونواقصها. أيضاً هذا أمر مهم، أن يعترف بكل ما عنده، بكل ما لفلان عنده، لا يعطيه فقط الأمور الظاهرة، وأما بعض الأشياء فيقول: أنا تعبت معه وشقيت معه، ولم يعطيني شيئاً، أو لم يعطيني حقي بالوفاء. أنت الآن إذا أخذت من حقه فأنت تأخذ شيئاً ليس لك، فيقوم يخفي بعض الأشياء في الكتابة، يقول: هذه يعتبرها عمولة له، وهذا لا حق له فيها، لأن الوكيل ليس له عمولة يأخذها بنفسه، وإنما على الاتفاق الذي يكون بينه وبين صاحبه وموكله. وهذا كله داخل في قوله في ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم»، سوى كان هذا الشرط شرطاً شرعياً أو شرطاً بينهما، أو شرطاً عرفياً، أو شرطاً يكون بينهما في العرف، أو معروفاً في عرف الناس. وكذلك أيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه»، على اليد ما أخذت حتى تؤديه. هذا حديث حسن في الشواهد، قد ذكره الشيخ الألباني في الصحيحة. والمراد: على اليد ما أخذت حتى تؤديه، أي ما أخذته من دين أو وديعة أو غيره فهو حق عليه حتى يؤديه كله، أي كل ما أعطاه هذا الشخص يؤديه كما أعطاه. لا يجوز له أن يأخذ شيئاً ويقول: هذا لي، أنا تعبت وأنا كذا، وهذه عمولتي وهذا كذا. هذا خطأ. الواجب على الوكيل أن يؤدي كل ما اتفق مع موكله، فإن كانت له عمولة يطلبها من موكله، لا يأخذ شيئاً بدون إذنه وبدونه. وكذلك وهو رضي بهذه الوكالة، وهو رضي بهذه الوكالة. لهذا قال المؤلف رحمه الله: وجوب الاعتراف بالحقوق الجلية والحقوق الخفية، وأن ذلك من أعظم خصال التقوى. الإنسان يعطي حقه، وهذا من الورع، وأيضاً كذلك من دين المرء. لهذا قيل للإمام أحمد: ما هو الورع؟ أو قيل للإمام أحمد: ما الورع؟ قال: عدم أخذ أموال الناس. أو جاء في أن تؤدي للناس حقوقهم كاملة. وقيل له أيضاً كذلك: متى يستجاب للعبد في دعوته؟ قال: إذا أكل الحلال، إذا أكل الحلال. وهذه كلمات عظيمة، معنى إذا تبرأ مما يكون فيه مما يأكله من حقوق الناس، وكانت حقوق جلية أو خفية. وغالباً هذه الحقوق الخفية قد تكون أشياء يسيرة يستهين بها العبد، فتكون عليه، معناه تكون لهذا الموكل الذي وكله، أو هذا صاحب الدين الذي هو عنده، أو صاحب الوديعة، فيقوم ويتصرف فيها أو يأخذها بدون إذنه، فتكون عليه، فتنقص من خصال التقوى، وتنقص كذلك من دين المرء. فقال المؤلف رحمه الله: كما أن ترك الاعتراف بها من نواقض التقوى ونواقصها. قالوا: ومنها الإرشاد إلى الإشهاد في البيع، فإن كانت في المدينة في المداينات فحكمها حكم الكتابة كما تقدم. وهذه المسائل للإشهاد، إن شاء الله نتركها في درس لاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.