تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 115

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 115

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 115، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية المحاسبة بالسرائر ورد فعل الصحابة

توضح الآية أن الله يحاسب العبد على ما يخفيه في نفسه كما يحاسبه على ما يبديه، مما أثار قلق الصحابة. فأرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى قول: سمعنا وأطعنا، فاستقر الإيمان في قلوبهم.

نسخ التكليف بما لا يُطاق وآية لا يكلف الله نفسا إلا وسعها

كانت آية «آمن الرسول» امتحاناً للصحابة في الطاعة، فاستجابوا بـ «سمعنا وأطعنا»، فنسخ الله عنهم تكليف ما لا يُطاق بآية «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها». ويبين أن الله يتجاوز عن وساوس الصدور ما لم تتحول إلى قول أو عمل، مستدلاً بأحاديث صحيحة.

التعامل مع وساوس الشيطان والفرق بين الخواطر والعزائم

يشرح كيفية دفع الوساوس والأحلام المزعجة بالاستعاذة والتفتل، ويفرق بين خطرات النفس العابرة التي لا مؤاخذة فيها والعزائم الراسخة التي يُحاسب عليها العبد. وتؤكد الأحاديث أن الهم بالحسنة يكتب حسنة وبالسيئة لا يكتب إلا إذا عملها، مع التنبيه إلى أن زيادة السيئات على الحسنات دليل الخسران.

حكم الخواطر العابرة وعدم الإثم عليها

إذا خطر ببال الإنسان أمر سيء ثم قطعه ولم يستمر فيه، فلا يؤثر عليه ولا يأثم به. وهذا خلاصة تفسير الآية المذكورة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرْ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبْ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال رحمه الله: يخبر تعالى بعموم ملكه لأهل السماء والأرض، وإحاطة علمه بما أبداه العباد وما أخفوه في أنفسهم، وأنه سيحاسبهم به. وهذا هنا الزائد في هذه الآية على الآيات الأخرى، وإلا فقد أخبرنا ربنا سبحانه وتعالى أنه يعلم ما في أنفس الناس في آيات كثيرة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، وغيرهم من الآيات التي يبين الله عز وجل أنه يعلم ما تكن صدور الناس وما يعلنون. وقد أيضًا قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ﴾، ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ إلى آخر الآية. فبين الله عز وجل أنه يعلم كل شيء سبحانه وتعالى، ويعلم أيضًا ما تكن صدور الناس، ما تخفيه الصدور، وهو الله عليم بذات الصدور. لكن هنا قال الله عز وجل: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، وهذا هو الشيء الزائد: أنه يعلم ما في قلوبهم، وسواء أبدوه أو أخفوه، فالله عز وجل يحاسبهم به. فهذا الذي شق على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقد جاء في صحيح مسلم حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أنه قال: لما نزلت هذه الآية، قال الصحابة: يا رسول الله. وجاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وجثوا على الركب، وقالوا: يا رسول الله، كلفنا الصلاة والصيام، أما هذه الآية فلا نستطيعها؛ أن الله عز وجل سيحاسبنا بما في أنفسنا. وهذا امتحان من الله سبحانه وتعالى. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أتريدون أن تقولوا مثل ما قال أهل الكتابين: سمعنا وعصينا؟» يريد بأهل الكتابين: اليهود والنصارى. «تقولون مثل ما قال أهل الكتابين: سمعنا وعصينا. قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا، وإليك المصير». فقالها الصحابة رضي الله عنهم، ورددوها حتى استقرت في ألسنتهم وقلوبهم، فاستقر الإيمان في قلوبهم، وازدادوا إيمانًا. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿فَيَغْفِرْ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبْ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ثم قال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى آخر الآيات. فدل على أن الله عز وجل أراد أن يمتحن عباده بهذه الآية: هل يطيعوه أو لا؟ فلذلك حذرهم نبي صلى الله عليه وسلم أن يكونوا مثل أهل الكتابين، بل يقولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا، وإليك المصير. أي: إنا نراجعون إليك، ونحن قبل ذلك محتاجون إلى مغفرتك؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿فَيَغْفِرْ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبْ مَنْ يَشَاءُ﴾. أي: أنهم لا يستوون الناس في ما تخفي به في صدورهم. فهناك مما يخفى في الصدور مما يغفره الله عز وجل، ومنها يعذب به الله عز وجل. لكن نُسخت هذه الآية بقوله جل وعلا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام، فيما في الصحيحين: «إن الله تجاوز عن أمتي ما لم تتكلم أو تعمل»، وما أخفته في صدورهم ما لم تتكلم أو تعمل. يعني: إذا تكلم أو عمل أخذ به، وأما ما دام في صدره وليس هناك خطوات، أو هم به، فإنه لا يؤثر ما دام في القلب. ولو كان شيئًا كبيرًا، ولو كان أيضًا شيئًا قد يكون كفرًا أو من الشكوك، فإنه إذا لم يتجاوز الصدر فإنه لا يؤاخذ به العبد. لهذا، كما قلنا في الحديث الآخر، حديث أبي هريرة أيضًا في مسلم: أن الصحابة رضي الله عنهم قالوا: يا رسول الله، إنا لنجد في قلوبنا شيئًا لا نستطيع أن نتكلم به، ولو أن نخر من السماء. فقال عليه الصلاة والسلام: «ذاك صريح الإيمان». وجاء في رواية: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة». فلذلك، فربنا جل وعلا كريم سبحانه وتعالى، وغفور رحيم، ولطيف بعباده جل وعلا. فإنما هذه الآية امتحن الله عز وجل بها الصحابة، فآمنوا بذلك وأذعنوا إلى الله عز وجل، فنسخها. ﴿فَيَغْفِرْ لِمَنْ يَشَاءُ﴾: هو المنيب إلى ربه، الأواب، الذي يتوب إلى الله، ولو وجد في نفسه شيئًا مما يخالف أمر الله، حاول أن يصرفه عنه، أن يصرف هذا الأمر الذي في نفسه. ﴿إِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. ﴿وَيُعَذِّبْ مَنْ يَشَاءُ﴾: معنى هذه الوسوسة والشكوك وغيرها لا يجوز الاسترسال فيها. لا يجوز للعبد الاسترسال فيها حتى يظهر بعد ذلك في أفعاله، فإن هذا مما لا يجوز. لكن يقطع هذه الشكوك، ويقول: آمنت بالله، أو يقول: تبت إلى الله، يتوب إلى الله عز وجل، أو أنها لا تؤثر في أفعاله وأقواله، ويستعيذ بالله عز وجل من الشيطان. النبي عليه الصلاة والسلام قال في الصلاة: «إذا جاء الشيطان يغوس لحدكم في صلاته، فليتفتل عن يساره ثلاثًا، وليقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». وكذلك أيضًا إذا رأى في المنام ما يزعجه، قال: «يتفتل عن يساره ثلاثًا، ويقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». وغيرها من المواضع التي بين النبي عليه الصلاة والسلام أن العبد إذا جاءته هذه الشكوك من الشيطان، فإنه لا بد أن يقطعها، ويقطعها بالاستعاذة من هذا الشيطان الرجيم. ﴿وَيُعَذِّبْ مَنْ يَشَاءُ﴾: وهو المصر على المعاصي في باطنه وظاهره. وهذه الآية لا تنافي الحديث الوارد في العفو: «أما حدث به العبد نفسه ما لم يعمل أو يتكلم». هذا الحديث الذي ذكرناه: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت بها أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم». قال: فتلك الخطرات التي تتحدث بها النفوس، التي لا يتصف بها العبد ولا يصمم عليها، أنه يقطع هذه الخطرات والأفكار التي قد تؤدي إلى الشرك بالله، قد تؤدي إلى الكفر، قد تؤدي إلى النفاق، قد تؤدي إلى غيرها من هذه المصائب. لكن يقطعها العبد، يقطع هذه إما بالاستعاذة بالله، أو بالتفكير بغيره، وهكذا، ولا يسترسل بها. قال: فتلك الخطرات، خطرات، معنى الأفكار التي تتحدث بها النفوس، التي لا يتصف بها العبد ولا يصمم عليها. وأما هنا فهي العزائم، مصممة، والأوصاف الثابت في النفوس: أوصاف الخير وأوصاف الشر. ولهذا قال: ﴿مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾، أي: استقر فيها وثبت من العزائم والأوصاف. وأخبر أنه على كل شيء قدير، فمن تمام قدرته محاسبة الخلق وإيصال ما يستحقونه من الثواب والعقاب. فلذلك، كما قلنا، خلاصة ما يذكر: أن الإنسان، أن الله عز وجل لا يؤاخذ العبد بما كان في نفسه إلا إذا أظهره، ولو كان بالهم، ولو كان بالهم مما يبين أنه أراد ذلك. إما مثلًا: يمشي إلى ذلك المكان، أو يتصل، أو كذا. فهذا يعتبر من السيئات. في حديث ابن عباس: «من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات. ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، إذا كان ما عملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له سيئة واحدة، كتبت له سيئة واحدة». فلذلك قال العلماء: من زادت أحده على عشراته فهو من الخاسرين. أحده: زادت أحده على عشراته فهو من الخاسرين. معنى أحده: أي سيئاته؛ لأن السيئة بواحدة، والحسنة بعشر. فمن زادت سيئاته على حسناته، فلا شك أنه خاسر؛ لأن الآن هذه واحدة مقابلة عشر. فلو كانت حسناته كثيرة لزادت على هذه السيئات، حتى ولو كانت ربعها أو ثلثها أو نصفها أو أقل. حتى الآن أصبحت السيئات عشر الحسنات. فإذا زادت هذه السيئات على الحسنات، فهذا يدل على الخسارة. فلذلك، فإذا هم وبدأ بشيء من هذا الهم مما يؤكد همه، فإنه يكتب عليه، وأيضًا يحاسب به. وأما إذا لم يهم، وإنما ذلك أخفاه في صدره وقطعه، ولم يستمر، وكذلك لم يتسلسل فيه، فإنه لا يؤثر فيه، ولا أيضًا يأثم عليه. فهذا خلاصة ما يذكر في تفسير هذه الآية، والله تعالى أعلم. شكرًا