الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 113، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع مشروعية توثيق الديون بالكتابة أو الرهن كضمانات لحفظ الحقوق، ويستعرض أحكام الضمان في العقود المختلفة. القرض والعارية المضمونة يضمن فيهما المستفيد مطلقاً أو بالشرط، بينما الوديعة والوكالة لا ضمان فيهما إلا بتعدٍ أو تفريط استناداً إلى قاعدة «كل أمين غير ضامن».
يشرح المقطع أن الرهن وثيقة للدين لا تنغلق للمرتهن بل يظل ملكاً للراهن، ويجوز بيعه عند تعذر السداد لاستيفاء الدين ورد الزيادة لصاحبه. كما يبين بطلان شرط تمليك الرهن للمرتهن عند حلول الأجل لكونه ربا، ويوضح آلية بيع الرهن وتقسيم ثمنه.
يبيّن المقطع أن الرهن مشروع لتوثيق الحقوق وضمانها سواء كان المدين باراً أو فاجراً، وأن تمام التوثيق يتحقق بقبض المرتهن للرهن. عدم القبض لا يبطل عقد الرهن بل يجعل الوثيقة ناقصة، ويلزم الراهن الوفاء بتسليم الرهن إن كان مشروطاً في العقد.
يختتم المتحدث الدرس مؤجلاً المسائل الأخرى للدرس القادم. ويختم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في ذكر فوائد آية الدين: قالوا منها مشروعية الوثيقة بالحقوق، وهي الرهون والضمانات التي تكفل للعبد حصول حقه، سواء عامل برًّا أو فاجرًا، أمينًا أو خائنًا. فكم في الوثائق من حفظ حقوق وانقطاع منازعات. فربنا جل وعلا قال: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ فَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾ [البقرة: 283]. وذكر هنا السفر على وجه الغالب؛ لأن الغالب أن الكُتّاب لا يتوفرون في السفر. والمراد هو توثيق هذا الدين. فإذا وثق هذا الدين بالكتابة فهي وثيقة، فإذا لم يوثق بالكتابة ووثق بالرهن، والرهن هو جعل وثيقة، وثيقة مال بدين. لأجل هذا الدين يعطى رهنًا، يعطى الدين، يعطى رهنا لأجل أنه يكون ضمانا له لماله وحقه، أنه عنده ما يسدد به دينه وما يحل مكانه. فلذلك شرع الرهن، فالرهن من الوثائق التي يضمن بها الحقوق، يعتبر من الضمانات. وكذلك أيضًا يوثق هذا الدين أيضًا ويجعل له وثيقة للضمان، أنه يضمن. أما أنه يكون ضمانا قوليًا، مثل ما قال صفوان للنبي عليه الصلاة والسلام: «عارية مضمونة أو مؤداة»، عارية مضمونة أو مؤداة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل مضمونة، عارية تؤدى». فقط أو أنها تضمن معنى: إذا نقص منها شيء، إذا أخذ منها شيء أو تكسر أو كذا، فإنه يضمن هذا المستعير. وكذلك أيضًا الدين إذا أخذ دينا ليس مالا، مثلا عرضا، فإنه أيضًا إن اشترط الضمان يكون عليه الضمان في كل حال. هذا لا خلاف فيه: أنه اشترط أنه يضمن في كل حال، ورضي بذلك، فهو يضمن في كل حال. ولو أتلف هذا من غير تفريط ولا تعدٍّ فإنه يضمن. وإن لم يشترط، فحصل خلاف العلماء: هل هو ضامن؟ والأصل أن عليه الضمان؛ لأن هذا حق يجب عليه أن يرجعه. فإن كان حقًا مثليًا، معنى له مثل، يدفع بالمثل. وإن كان ليس له مثل، يدفع بالقيمة. وأما الاستعارة، فالاستعارة: قول جمهور العلماء أن الضمان على المعتدي والمفرط. وقال بعض العلماء: إنه أيضًا يضمن ولو لم يتعدَ ولم يفرط. وأما الودائع وما في حكمها، فهذه لا يضمن صاحبها؛ لأنه محسن. كذلك الوكالات: الوكالة تعتبر من الضمانات، أو من العقود التي هي من عقود الأمانات. ولهذا ليس فيها ضمان إلا إذا تعدى أو فرط. الوكيل لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط في عمله، فإنه يضمن إذا تلف شيء من العمل. وأما إذا لم يفرط ولم يتعدَ، فهو ليس بضامن؛ لأنه أمين. وكل أمين كما في القاعدة الفقهية: «كل أمين فهو غير ضامن». لأن الله عز وجل يقول: ﴿ لَيْسَ عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ﴾ [التوبة: 91]. فكل أمين فهو محسن، فيدخل في ذلك الودائع والوكالات. وكذلك أيضًا يدخل في هذا عقود التبرعات. طيب. وهذه الرهون تعتبر وثيقة لدين، ومن الضمانات للديون، ومن الضمانات التي تدفع لأجل الدين. فإذا دفع رهنا، فإنه يلزمه. معنى هذا الرهن: يكون مكان الدين. إن كان أكثر من الدين، ولم يجد المدين حيلة أن يوفي دينه إلا بأن يباع الرهن، لأن الرهن على قول أهل العلم: أنه لا يغلق. لا يغلق الرهن بما فيه. «له غنمه وعليه غرمه». جاء هذا الحديث وهو مختلف فيه، أي في صحته. لكن قول الجمهور عليه: على أن الرهن لا يغلق، لا يغلق كله. له غنمه وعليه غرمه. فإن كان مثلا انتهى، أو لم يسدد الدين، وقد حل الأجل، يقول له: إما أن تسدد هذا الدين، وإما أن آخذ هذا الرهن وأبيعه وأسدد منه دينه. لأنه لا بد أن يفعل هذا، إلا إذا كان الرهن معناه على ثمن الدين. إذا كان الرهن على ثمن الدين، ممكن أنه معناه: يقول له: إما أن ترجع ديني، وإلا أخذت هذا الرهن. لأنه لا يجوز أخذ الزيادة على الدين. فإذا كان هذا الرهن أكثر من الدين، لا بد أنه إذا لم يستطع المدين أن يسدد الدين، فإنه يقال له: إما أن تسدد، وإما أن يباع هذا الرهن حتى يسدد به هذا الدين. يباع هذا الرهن ويسدد به الدين، ثم ما بقي يرجع إلى صاحبه. وإن كان أقل، فإنه يأخذ هذا الضمان أو هذا الرهن إذا لم يستطع أن يسدد، ويثمن. إن كان يريده يأخذ، وإن كان لا يريد يبيعه ويأخذ هذا الثمن، والباقي يكون دينا على هذا الذي هو صاحب المال، الذي لم يكتمل تسديد دينه عن صاحب الدين. هذا الذي لم يكتمل تسديد دينه، فلهذا هذا الرهن لا يقال أنه معناه: لا يجوز لأحد، أو لصاحب هذا الدين أن يقول: سأأخذ الرهن، إن لم تسدد الدين، أخذت رهنًا. هذا لا يجوز؛ لأن الرهن قد يكون أكثر من الدين، وهو أخذ أكثر من دينه، وهذا لا يجوز. لو اشترط على هذا شرط، يعتبر باطلا. لو مثلا قال له: وهذا يحصل كثيرا، تجد مثلا الدين هذا يقول للمدين: إن لم تأتيني به بعد شهرين، اعتبر الرهن الذي لك خلاص، انتهى. أنا أقول له: إن لم تأت بالدين بعد شهرين أو بعد ثلاث أشهر، اعتبر الرهن خلاص، انتهى. هذا ما يجوز. وخاصة إذا كان الرهن أكثر من الدين، فإن هذا يعتبر من الربا، كأنه أخذ زيادة. فلا بد أن لا يغلق الرهن. لكن إن كان له زيادة فيأخذها، وإن كانت أقصا، فلا بد أن يؤدي بقية الدين. يقول له مثلا: سأبيعه، سأبيع هذا الرهن وآخذ دين منه. إذا كان مثلا رهن ذهبا، رهن عنده ذهبا، فيقول له: سأبيعه ثم آخذ هذا الدين منه. وأحيانا الإنسان يرهن شيئا ليس له، لكن أن يضمن، أو أن يجعل صاحب المال مطمئنا أن ماله سيرجع، فيعطيه هذا الرهن الذي قد يأخذه مثلا على أهله، يأخذه على أمه، يأخذه على أحد أقاربه، أو من أحد من أقاربه. فلذلك لا يجوز أن يغلق الرهن بما فيه. فلذلك قال هنا المؤلف رحمه الله: «ومشروعية الوثيقة بالحقوق، وهي الرهون والضمانات التي تكفل للعبد حصول حقه، سواء عامل برًّا أو فاجرًا». أنه سواء كان هذا الذي أخذ الدين برًّا أو فاجرًا، أمينًا أو خائنًا؛ لأنه الآن وثقه بالرهن، وثق دينه بالرهن. وهذا غالبا يفعله من لا يعرف هذا المدين الذي أخذ منه. قال: «فكم في الوثائق من حفظ حقوق وانقطاع منازعات». قالوا منها: أن تمام الوثيقة في الرهن أن يكون مقبوضا. ﴿ فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾. ولا يدل ذلك على أنه لا يصح الرهن إلا بالقبض. بل التقييد بكون الرهن مقبوضا يدل على أنه قد يكون مقبوضا، فتحصل به الثقة تامة، وقد لا يكون مقبوضا، فيكون ناقصا. قالوا منها: أن يستدل بقول ﴿ فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾ أنه إذا اختلف الراهن والمرتهن في مقدار الدين. الآن هذه المسألة، مسألة تمام معناه: قال تمام الوثيقة، فالرهن أن يكون مقبوضا. ﴿ فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾: أن يقبض هذا الرهن عنده، لا يكون مثلا هذا الرهن وعدًا. إن كان وعدا على أنه سيعطيه، فهذا ليس كما يقول هنا: ليس أن هذا الرهن غير صحيح. لا، الرهن صحيح، والدين أيضًا صحيح. لكن إذا قبضه تم التوثيق. معناه: ليس المراد أنه لا يصح الرهن إلا بالقبض. حتى بالوعد مثلا يعيده، أنه سيعطيه كذا، أعطاه مالا، قال له: سأعطيك كذا، خاصة إذا لم يشترط عليه. إذا لم يشترط عليه، قال: خلاص، هذا الدين، سأعطيك مثلا ساعة، أو سأعطيك عقدا من الذهب تضعه عندك. فهذا يعتبر عقد رهن. هذا عقد رهن، سواء كان قبضه أو لم يقبضه. لكن إن قبضه تمت الوثيقة، وثيقة الدين. وإن لم يقبضه صارت ناقصة حتى يقبضه عنده. وليس كما قال المؤلف: لا يصح الرهن إلا بالقبض. بل يجوز حتى بالوعد. وأيضا التوثيق ومعنى وجود العقد على أنه سيعطيه كذا وكذا رهنًا، سيعطيه كذا وكذا رهنًا. فإن كان اشترط على أنه يعطيه، فواجب عليه أن يعطيه؛ لأنه أعطاه المال لأجل هذا. والمسلمون على شروطهم. قال له: أعطيني مئة ألف، وسأتيك غدا إن شاء الله بشيء من الذهب تضعه عندك رهنًا لهذا الدين. وأعطاه لأجل هذا الشرط، أعطاه بهذا الشرط. فالعين الرهن لا بد أن يعطيه له، لا بد أن يعطيه له. فهذا المراد: ﴿ فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾. فإن قبضه تمت، تمت الوثيقة، وثيقة الرهن. وإن لم يقبضه، ليس معنى أن الرهن غير صحيح. لا، الرهن لا زال، لا بد أن يوفي هذا الرهن ويعطيه صاحب المال. طيب، هذا بعض المسائل. إن شاء الله المسائل الأخرى نتركها في الدرس اللاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.