الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 116، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر العلامة السعدي فضيلة قراءة الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة في الليل وأنهما تكفيان القارئ من كل شر. يبين أن الله استجاب للدعاء الوارد فيهما برفع المؤاخذة عن النسيان والخطأ وتخفيف الأعباء عن الأمة.
يبرز المقطع منزلة طاعة النبي صلى الله عليه وسلم حتى لو خالف المصلحة الظاهرة، ويوضح الفرق بين سمع المؤمنين سماع قبول وانقياد وسمع المنافقين السماع الشكلي. كما يبين أن الله غفر للمؤمنين الخطأ والنسيان ولم يؤاخذهم إلا بما تعمدت قلوبهم.
يؤكد المقطع على وعد الله بالنصر لأهل الإيمان إذا أطاعوه وتوجهوا إليه، مستشهداً بيقين شيخ الإسلام ابن تيمية بالنصر. ثم ينتقل لبيان قاعدة التيسير ورفع الحرج في الفقه، مفرقاً بين الإتلافات المضمونة أصلاً وغير المضمونة.
يُعلن المتحدث انتهاء تفسير سورة البقرة، مبيناً أن القاعدة المذكورة تشمل حالات الخطأ والنسيان والعمد. يختم بالحمد والثناء على الله والصلاة على النبي محمد وآله وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: عند قول الله جل وعلا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. قال رحمه الله: ثبت عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن من قرأ هاتين الآيتين في ليلة كفتاه، أي: من جميع الشرور؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أطلقها. هذا الحديث في الصحيحين، وحديث أبي مسعود الأنصاري البدري رضي الله عنه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من قرأ هاتين الآيتين في ليلة كفتاه». وكفتاه هنا أي: من كل شر، فهي عامة في كل الشرور. وهاتان الآيتان أيضًا نزلتا من تحت العرش، فلها مكانة عظيمة في دين الله. وجاء عند مسلم حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام لما نزلت هذه الآيات، فقال الله عز وجل في قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: «قد فعلت»، وقال في قوله: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ قال: «قد فعلت»، إلى آخر الآيات. فربنا جل وعلا أعطى هذه الأمة هذا الدعاء، استجاب الله عز وجل لهم في هذا الدعاء أنهم لا يؤاخذهم بما نسوا وأخطأوا فيه، وأيضًا أنه لا يحملهم ما لا طاقة لهم به. ولهذا وضع عنهم الأصر والأغلال التي كانت على من كان قبلهم. طيب، قال رحمه الله: أي من جميع الشرور، وذلك لمحتواها على المعاني الجليلة؛ فإن الله أمر في أول هذه السورة الناس بالإيمان بجميع أصوله في قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية، وأخبر في هذه الآية أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن معه من المؤمنين آمنوا في هذه الأصول العظيمة، وبجميع الرسل وجميع الكتب، ولم يصنعوا صنيع من آمن ببعض وكفر ببعض كحالة المنحرفين من أهل الأديان المنحرفة. ولهذا نبههم النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «أتريدون أن تقولوا مثل اليهود والنصارى: سمعنا وعصينا؟ قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير». فما كان من الصحابة إلا أن رددوا هذه الكلمات العظيمة، وقالوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير. قال رحمه الله: في قرن المؤمنين بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم والإخبار عنهم جميعًا بخبر واحد شرف عظيم للمؤمنين، فهو إخبار أن المؤمن هذا حاله، وإخبار أيضًا أن الصحابة من أهل الإيمان لأنهم قالوا: سمعنا وأطعنا. ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، وسواء كان هذا المراد به خبر أو كذلك أمر على صيغة الخبر، فخبر لما حصل من الصحابة، وهو أمر لكل أهل الإيمان أنهم لا يعارضوا كتاب الله بآرائهم وأهوائهم، وإنما إذا جاءهم الأمر من الله ومن رسوله يقولون: سمعًا وطاعة. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾. وهكذا إذا جاءهم أمر الله وأمر رسوله يقولون: سمعنا وأطعنا. كما قال ظهير بن رافع رضي الله عنه: «أمرنا أو نهانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشيء كان لنا فيه مصلحة، وطاعة الله ورسوله أحب إلينا». يريد كراء الأراضي والمزارع، ومعنا في المزارع أنهم اشترطوا في المزارع إذا جاءهم المؤجر يقولون له: لك هذا النصف ولنا هذا النصف، فنهاهم نبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. يقول ظهير: «وكان لنا مصلحة، وطاعة الله ورسوله أحب إلينا». قالوا: قوله جل وعلا: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، في قرن المؤمنين بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم والإخبار عنهم جميعًا بخبر واحد شرف عظيم للمؤمنين، وفيه أنه صلى الله عليه وآله وسلم مشارك للأمة في توجه الخطاب الشرعي له وقيامه التام به، وأنه فاق المؤمنين، بل فاق جميع المرسلين في القيام بالإيمان وحقوقه، ولهذا قدمه الله عز وجل، أفرده: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، فهذا شرف عظيم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفضل عظيم له عليه الصلاة والسلام. قالوا: قوله: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، هذا التزام من المؤمنين عام لجميع ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام من الكتاب والسنة، وأنهم سمعوه سماع قبول وإذعان وانقياد، ليس سماع مثل سماع المنافقين، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾، وقال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾. فالسماع الأول هو سماع الأذن، والسماع الثاني هو سماع القلب ووعي هذا السماع. فالمنافقون يسمعون بأسماعهم وآذانهم لكن لا تفقه قلوبهم، جعل الله عز وجل في قلوبهم أكنة أن يفقهوا وفي آذانهم وقرًا. فلهذا فالسماع الذي سمعه أهل الإيمان أو الذي قالوه هو سماع قبول وإذعان وقياد. قالوا: مضمون ذلك تضرعهم إلى الله في طلب الإعانة على القيام به، وأن الله يغفر لهم ما قصروا فيه من الواجبات ومرتكبوه من المحرمات، وكذلك تضرعوا إلى الله في هذه الأدعية النافعة، والله تعالى قد أجاب دعاءهم على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام فقال: «قد فعلت». قال: فهذه الدعوات مقبولة من مجموع المؤمنين قطعًا، ومن أفرادهم، عن الله عز وجل تجاوز عن النسيان وعن الخطأ، ولكن أخذ بالعمد، ﴿وَلَكِن مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. وأما الخطأ الذي يأتي بغير قصد فهذا لا يؤاخذ الله عز وجل عليه، وكذلك النسيان، فإن الله عز وجل لا يؤاخذ عليه. ولهذا النسيان في التروك كما قال أهل العلم لا يأثم صاحبه، لكن يجب عليه أن يأتي بما تركه من الواجبات والأركان، وأما في الأوامر فيرفع الإثم، وكذلك أيضًا الأمر، وأما في التروك فيبقى النهي لكن الإثم يذهب ويرفعه الله عز وجل عن صاحبه. وهذا من فضل الله عز وجل على عباده أنه لم يؤاخذهم بالنسيان وبالخطأ، وإنما يؤاخذهم بما تعمدت به القلوب. قال: فهذه الدعوات مقبولة من مجموع المؤمنين قطعًا، ومن أفرادهم إذا لم يمنعهم من ذلك مانع في الأفراد، وذلك أن الله رفع عنهم المؤاخذة في الخطأ والنسيان، وأن الله سهل عليهم شرعه غاية التسهيل، ولم يحملهم من المشاق والأصار والأغلال ما حمله على من قبلهم، كما جاء في آية الأعراف. وقال: ﴿وَلَمْ يَحْمِلْهُمْ فَوْقَ طَاقَتِهِمْ قَدْ غَفَرَ لَهُمْ وَرَحِمَهُمْ وَنَصَرَهُمْ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾، أي: أهل الإيمان الذين توجهوا بالله توجهوا وأقبلوا على الله، فإن الله عز وجل وعدهم بالنصر: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلِيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلِيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. فوعد الله عز وجل أهل الإيمان أنهم إذا قاموا بما أمرهم الله عز وجل به فليبشروا بالنصر، فليبشروا بالنصر. ولهذا فإن أهل الإيمان من النبي عليه الصلاة والسلام وقادة الإسلام من العلماء يبينون للناس أنهم متى ما أطاعوا الله عز وجل... حتى أن شيخ الإسلام كان يقول: «إن سينصرنا الله عز وجل»، فيقولون له: قل إن شاء الله، فقال: «إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا»، لأن الحاكم والسلطان توجه إلى الله والناس أيضًا توجهوا إلى الله وكانوا يدعون الله عز وجل، فأيقن شيخ الإسلام بالنصر، فنصرهم الله عز وجل. وهذا وعد من الله جل وعلا لكل أهل الإيمان إن توجهوا إليه فإن الله عز وجل ينصرهم على عدوهم. قال: فنسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته وبما من به علينا من التزام دينه أن يحقق لنا ذلك، وأن ينجز لنا ما وعدنا على لسان نبيه، وأن يصلح أحوال المؤمنين. قالوا: يؤخذ من هذه قاعدة التيسير ونفي الحرج في أمور الدين كلها، وقد بيّنها رحمه الله في بعض كتبه التي في القواعد الفقهية، وذكرها مختصرة في النظم، نظم القواعد، هي قاعدة العفو والتيسير والرخص. قالوا: قاعدة العفو عن النسيان والخطأ في العبادات، وفي حقوق الله تعالى أيضًا هذه قاعدة عظيمة تدخل في أبواب كثيرة من أبواب الفقه، بل تدخل حتى في العقائد. قالوا: كذلك في حقوق الخلق من جهة رفع المأثم وتوجيه الذم، وعما وجود ضمان المتلفات خطأ أو نسيانًا في النفوس والأموال، فإنهم مرتب على الإتلاف بغير حق ولو كان خطأ، فالإتلاف شيء آخر، فالإتلاف غالبًا يوجب فيه الضمان، ولكن بحسب هذا الإتلاف: إن كان مما هو أصله مضمون فإنه يضمن، وأما ما كان أصله غير مضمون إلا بالتفريط والتعدي فإنه بالخطأ والنسيان لا يضمن. فمثلًا: لو أن رجلًا أعطاه إنسان مالًا، قال له: هذا المال خذه معك واجعله أمانة عندك، فوضع هذا المال عنده وهو يتكلم فنسي هذا المال وذهب. فالآن الأصل أن الوديعة لا يضمن صاحبها لأنه محسن إلا إذا تعدى أو فرط، وهذا الآن لم يقبضها بعد فنسيها قبل قبضها، فهنا مثل هذا لا يضمن لأنه لم يتعدَ ولم يفرط. بخلاف مثلًا من أخذ شيئًا من عند غيره بغير إذنه، أو أخذ شيئًا من بيته، أو من تحت بيته، أو من دكانه، أو من غيره، فتلف عليه، نسيه مثلًا أخذه لأجل أن يستعمله بغير إذن صاحبه ثم وضعه في مكان حتى مثلًا تأتي سيارة ويذهب في السيارة، فجاءت سيارة فتركه وذهب. فهذا الآن يضمن لأنه أخذ شيئًا بغير إذنه وهو مضمون أصلًا. فلذلك فالإتلافات كما قال: فإنه مرتب على الإتلاف بغير حق، وذلك شامل لحالة الخطأ والنسيان والعمد، إذا كان تعمد أو أنه أخذ شيئًا غير مضمون أصلًا في كل حالات فإنه يضمنه في حالة النسيان وكذلك الخطأ والعمد. ومثل ما ذكرنا: فإذا أخذ شيء بغير إذن صاحبه وتلف عليه فإنه يضمن في كل الحالات. إذا اغتصب شيئًا فتلف عليه، أخذ سيارة مثلًا غصبًا، غصب صاحبها، هدد صاحبها مثلًا وأخذ السيارة، ثم في الطريق جاءت سيارة وارتطمت بها وهو يمشي مشيًا عاديًا فتلفت عليه، أنه لا دخل له، لكن هنا يضمن، هنا يضمن لماذا؟ لأنه أخذ حق الغير بغير حق. لكن لو أخذ، ولو أعطاه إياه صاحب السيارة وقال: خذ السيارة واذهب بها إلى مكان كذا، وهو يمشي جاءت سيارة وارتطمت به، هنا لا يضمن لماذا؟ لأنه ليس منه ما حصل منه إلا شيء من الخطأ الذي لم يتعمده، هو لم يتعمده. فهذا المراد من هذه القاعدة، وذلك شامل لحالة الخطأ والنسيان والعمد. تم تفسير سورة البقرة، ولله الحمد والثناء، وصلى الله على محمد وآله وسلم. الحمد لله، شكرًا، شكرًا، شكرًا، شكرًا.