الدرس في الجواب الكافي 18، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يتناول شرحًا لكيفية تعبير القرآن الكريم عن التعليل باستخدام أساليب متعددة. يشرح أمثلة من الآيات القرآنية التي تبين هذه الأساليب.
يشرح مفهوم المفعول لأجله في اللغة العربية من خلال آيات قرآنية، حيث يبين أن المفعول لأجله يأتي لبيان سبب وقوع الفعل. يُوضح ذلك من خلال أمثلة قرآنية متعددة.
يشرح ارتباط الجزاء بالأعمال من خلال الآيات القرآنية، حيث يبين أن الأعمال الخيرة تؤدي إلى الخير والأعمال السيئة تؤدي إلى الشر. يُظهر ذلك من خلال أمثلة من القرآن الكريم.
يُفصل في قصة يونس عليه السلام كنموذج لارتباط الجزاء بالأعمال، حيث نجاة يونس بسبب تسبيحه واعترافه بظلمه. يُظهر ذلك من خلال تفسير الآيات المتعلقة بقصة يونس عليه السلام.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد كان آخر الكلام عند قول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في قوله: «وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْ لَوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾»، قال: «وقوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، أي: أنه جل وعلا رتب الأخوة في الدين على هذه الأمور المشروطة: التوبة، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، فإذا توفرت هذه الأمور تحققت الأخوة في الدين». قال: «ونظائره»، قال: «وتارة يأتي بلام التعليل، كقوله: ﴿لِيُدَبِّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وقوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، أي: أن الله جل وعلا جعل هذا الكتاب كتابًا مباركًا منزَلًا من عنده جل وعلا، وجعل ما فيه من الأحكام وغيرها لأجل التدبر». قال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، أنزل الله جل وعلا كتابه، جعله مباركًا ليتدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب، ليحصل التدبر بهذا الكتاب المنزل، ويحصل كذلك التذكر. فذكر علة إنزال هذا الكتاب جل وعلا، وذكر ما يترتب على ذلك، وهو إنزال الكتاب، والحكمة التي لأجلها أنزل الله جل وعلا هذا الكتاب لعباده. وهكذا قوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، أي: أنه جل وعلا جعل هذه الأمة وسطًا لأجل هذا الأمر، جعل الله جل وعلا الأمة المحمدية أمة وسطًا لأجل أن تكون شاهدة على الناس، فهي أمة وسط خيار عدول، جعلها جل وعلا وسطًا، أي: خيارًا عدلا، لتكون شاهدة على الأمم يوم القيامة، ويكون الرسول عليهم شهيدًا، أي: على الأمة. قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، لماذا؟ لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا، لأجل هذا جعل هذه الأمة جل وعلا أمة وسطًا تشهد يوم القيامة، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري في الصحيح: «فإن الله جل وعلا يقول لنوح يوم القيامة: هل بلغت؟ فيقول: نعم يا رب بلغت، فيقول الله جل وعلا لقوم نوح: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فيقول الله جل وعلا لنوح: من يشهد لك؟ فيقول نوح عليه السلام: محمد وأمته، أيشهدون لي؟». فيقول نوح عليه السلام: ذلك قوله جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، قال رحمه الله: «وتارة يأتي بأداة "كي" التي للتعليل، كقوله: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾، والله جل وعلا جعل الفيء لهذه الأمة، وحل لها الغنائم، وذلك لحكم، منها: أن لا يكون المال دولة بين الأغنياء فقط، وإنما كذلك يكون للفقراء من هذا المال». قال جل وعلا: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، لماذا؟ ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾، فجعل الفيء، فيحصل هذا الأمر العظيم الذي أراده الله جل وعلا، والفقراء يكون لهم من هذا الفيء. وهكذا المساكين، وهكذا ابن السبيل، فإذا لا يكون المال دولة بين الأغنياء، يكون متداولًا فقط، ويكون الملك فقط متداولًا بين الأغنياء لا، بل كذلك يناله الفقراء والمساكين، فجعل هذا الحكم الشرعي، وهو الفيء وما يدخل على أهل الإسلام من غير قتال، من غير إرجاف. قال رحمه الله تعالى: «وتارة يأتي بباء السببية، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾، يعني: ما ترتب من الجزاء، من العذاب، بسبب ما قدمت الأيدي». ذلك بما قدمت أيديكم، أي: هذا الذي وقع بكم، وهذا الجزاء، وهذا العذاب الذي وقع، كان بسبب ما قدمت أيديكم. وكما في الآية الأخرى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾، وعبر بالأيدي هنا، والمراد به النفس، لأن ما كسبت الأنفس يدخل فيه ما كسبت اليدان أو اللسان أو الجوارح الأخرى، لكن هذا أسلوب عربي: بما قدمت أيديكم، ويراد به ما قدم العبد من أعمال، فبسبب ما قدم العبد من أعمال كان ذلك الجزاء، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. قال: «وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وبما كنتم تكسبون، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، أي: سبب ما وقع لهم من العذاب». هذه الآية في اليهود، قد ضرب الله جل وعلا عليهم الذلة أو المسكنة، ضرب الله جل وعلا عليهم الذلة والمسكنة، وباءوا بغضب من الله، ما هو الأمر الذي وقع منهم لأجله ترتب هذا العذاب؟ بسبب أنهم كانوا يكفرون بآيات الله، بسبب كفرهم بآيات الله جل وعلا، وقتلهم الأنبياء بغير حق، فهم كفروا بآيات الله جل وعلا، وقتلوا الأنبياء بغير حق، وعصوا واعتدوا، فترتب ذلك العذاب الذي عاقبهم الله جل وعلا به، بسبب ما وقعوا فيه من الكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء، وغير ذلك. فالله جل وعلا ضرب عليهم الذلة والمسكنة، وباءوا بغضب من الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «وتارة يأتي بالمفعول لأجله ظاهرًا أو محذوفًا، فقوله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾، الله جل وعلا حكم بهذا الحكم، فاشترط في شهادة من النساء امرأتين: رجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء، لأن إحدى هاتين النساء قد تغفل، قد تنسى، فتذكرها الأخرى، فلأجل هذا اشترط الله جل وعلا امرأتين، لأجل ماذا؟ لأجل إذا حصل النسيان من إحداهما ذكرتها الأخرى». فتذكر إحداهما الأخرى، مفعول لأجله، نعم، أي: أنه سبحانه وتعالى قضى هذا الحكم، وحكم به، اشترط شهادة امرأتين لا امرأة واحدة، لأجل هذا، إذا نسيت هذه لم تذكر شيئًا ذكرتها الأخرى. فهنا قال: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾، مفعول لأجله، قضى ذلك الحكم وحكم به جل وعلا، اشتراط المرأتين في الشهادة. قالوا: قول ليس في كل شهادات، هناك شهادات يكتفى فيها بقول امرأة واحدة، مثل الرضاع، هذا أمر لا يكون للرجال، إذا الأمر بين النساء، فتأتي امرأة وتشهد أنها أرضعت هذا خمس رضاعات، شهادة مقبولة، لا نقول: لا بد من امرأتين، لا، يكتفى في الرضاع بشهادة امرأة واحدة، لأن هذا الأمر لا يطلع عليه الرجال، يطلع عليه النساء، لكن الأمور التي يطلع عليها الرجال جائزة للمرأة أن تشهد فيها، لكن اشترط الشرع امرأتين لأجل ماذا؟ لأجل ما سمعتم: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾. قال: «وكقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾، وقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾، أي: كراهة أن تقول، أي: كراهة أن تقول، هنا مفعول لأجله محذوف، وهو قوله: كراهة أن تقول، أي: أن الله جل وعلا أخذ من بني آدم من ظهورهم ذريتهم، وأشهدهم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾». فأخذ الله جل وعلا العهد والميثاق من بني آدم، وهم في ظهور أبيهم آدم، وأخرج ذريته، وأخرج ذرية آدم من ظهر آدم كالذر، وذكر الله جل وعلا لماذا قضى ذلك، ولأجل ماذا؟ وهو كراهة أن تقول يوم القيامة: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾، والله جل وعلا لم يكتف بهذا الإشهاد على العباد، ذلك الإشهاد فقط، وإنما أرسل الرسل مذكرة، أرسل الرسل مذكرة بهذا العهد والميثاق، فالحجة تقوم على العباد بإرسال الرسل، بإرسال الرسل رسلًا مبشرين ومنذرين، بأن لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. نعم، الله جل وعلا أخذ العهد والميثاق من العباد، وأشهدهم على أنفسهم، وأقر الله جل وعلا بالربوبية، نعم، هم على ظهر أبيهم آدم، لكن هذا لا تقوم به الحجة على العباد، ولذلك أرسل الله جل وعلا الرسل مذكرة بهذا الميثاق وبهذا العهد، كما سمعتم، لأن لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، فلأجل هذا أخذ الله جل وعلا العهد والميثاق على بني آدم، كراهة أن تقول يوم القيامة: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾، وهذا في الآية الأخرى: كراهة أن تقول: ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾، فمفعول لأجله محذوف، تقديره: كراهة أن تقول، كما قال رحمه الله تعالى. قال: «وتارة يأتي بفاء السببية، فقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾، وقوله: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾، وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾، ونظائره، أي: أنه جل وعلا حكم عليهم بما حكم به عليهم بسبب ما وقعوا فيه، فسبب عذابه جل وعلا عليهم كان لأجل تكذيبهم، ولأجل عقرهم الناقة». فقوم ثمود عقروا الناقة، كذبوا رسول الله جل وعلا صالحًا، وعقروا الناقة، عقرها أحيمر ثمود، وهو أشقى رجل، أحيمر ثمود هذا الذي عقر الناقة التي أخرجها الله جل وعلا من الصخر آية لهم، لأنهم طلبوا ذلك، فكفروا بنبي الله صالح، وعقروا الناقة، فكان ذلك سببًا لوقوع ما حل بهم من العذاب والعقاب. فدمدم عليهم ربهم بذنبهم كلهم بالعذاب سواء، كما قال جل وعلا: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾، ﴿فَسَوَّاهَا﴾، المعنى: سواء، لجعل الجميع سواء في العذاب، لأن الجميع اشتركوا في هذا الإثم، الجميع اشتركوا في هذا الإثم في عقر الناقة، حتى جاء في بعض الآثار: أن أحيمر ثمود هذا ما عقر الناقة إلا بعدما أخذ العهد من الجميع، وكلهم وافقوه على ذلك، فاشتركوا في الإثم، فحصل العذاب على الجميع بسبب هذا الإثم العظيم الذي تعاون عليه واشتركوا فيه. والآية: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾، وهذه دلتنا على أن ما يقع إنما هو مترتب على الأعمال، مترتب على الأعمال التي حصلت من العباد، فحصول الخير والشر له ارتباط بالأعمال، والإمام ابن القيم هنا يسرد هذه الآيات، وهذه النصوص، للدلالة على هذا الذي يراد له، وهو أن حصول الأعمال، أو أن حصول الخير والشر مرتبط بالأعمال. فالأعمال الخيرة والأعمال الصالحة يترتب عليها الخير، والأعمال السيئة يترتب عليها الشر. وهكذا الآية الأخرى التي ذكرها رحمه الله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾، أهلكهم الله سبحانه وتعالى، سبب هلاكهم: أنهم كانوا من المهلكين، تكذيبهم، لما كذبوا أنبياء الله جل وعلا، رسل الله عليهم الصلاة والسلام، الذين أرسلوا إليهم، كانوا من المهلكين، فكذبوهما فكانوا من المهلكين، سبب كونهم من المهلكين: تكذيبهم لرسل الله عليهم الصلاة والسلام، جزاء وفاقًا. قال رحمه الله تعالى: «وتارة يأتي بأداة "لما" الدالة على الجزاء، كقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، ونظائره». وهذا تقدم معنا، وفيه: أن الله جل وعلا تارة يأتي بهذه الأداة "لما" الدالة على الجزاء، يعني: أن الله جل وعلا غضب عليهم، وأن الله جل وعلا انتقم منهم، جزاء إغضابهم له، جزاء إغضابهم له. فلما أغضبوا الله جل وعلا، كان الجزاء: أن انتقم الله جل وعلا منهم، فلما آسَفونا، أي: أغضبونا، انتقمنا منهم، فكان انتقامه جل وعلا منهم لجزاء كان جزاء لأنهم أغضبوا الله جل وعلا. قال: «وتارة يأتي بإن وما عمل فيه، كقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا كَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾، فالله جل وعلا جازاهم بذلك الجزاء العظيم، من الاستجابة لهم، وإصلاح ذريتهم، والهبة، كل هذا النعيم من الله جل وعلا، والجزاء سببه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾، لسبب كونهم يسارعون في الخيرات، جازاهم الله جل وعلا بذلك الجزاء العظيم». وزكريا: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ قَالَ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾، فاستجبنا له، هذا الجزاء، فاستجبنا له، وأصلحنا له زوجه، ووهبنا له يحيى، وأصلحنا له زوجه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾، فالجزاء من جنس العمل، الجزاء من جنس العمل، العمل خير، الجزاء خير، العمل شر، الجزاء شر، جزاء وفاقًا. قال: «وقوله في ضد هؤلاء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أغرقهم الله جل وعلا، أغرقهم الله جل وعلا، وذلك بما عملوا من تلك الأعمال السيئة، هم قوم سوء، والعياذ بالله، أهل أعمال سيئة، وأهل إعراض، فعاقبهم الله جل وعلا، وجازاهم، والله جل وعلا يجازي عباده بما شاء، منهم من يجازيه بالغرق، ومنهم من يجازيه بالريح تدمره، ومنهم زلازل، ومنهم إلى آخر ذلك». وفرعون أغرقه الله جل وعلا بالغرق، وقرنه في يوم عاشوراء. قال: «وتارة يأتي بأداة "لولا" الدالة على ارتباط ما قبلها بما بعدها، كقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، ترتب، فما حصل له ارتباط بما قبله، يونس عليه السلام، لأنه كان من المسبحين في بطن الحوت، فأنجاه الله جل وعلا، ولو لم يكن من المسبحين، لَلَبِث في بطن الحوت إلى يوم يبعثون، فارتباط الجزاء بالعمل، ارتباط الجزاء بالعمل». ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ الْمُسَبِّحِينَ﴾، أي: لو لم يكن كذلك، لَلَبِث في بطنه إلى يوم يبعثون، لكن كان من المسبحين، كان من المسبحين، فنادى في الظلمات: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فاستجبنا له، فالله جل وعلا استجاب له، ونجاه. وانتهى الوقت، نكمل إن شاء الله في درس لاحق، صلى الله عليه وسلم، وبرك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.