أسس دعوة النبي صلى الله عليه وسلم 3

أسس دعوة النبي صلى الله عليه وسلم 3

الدرس في أسس دعوة النبي صلى الله عليه وسلم 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

دعوة النبي إلى التوحيد

قضى النبي ثلاثة عشر عاما في مكة يدعو إلى التوحيد، وأمر رسله بذلك. التوحيد هو الغاية من خلق المخلوقات وأول ما يؤمر به العبد.

أهمية التوحيد في الإسلام

التوحيد أساس الإسلام وشرط لصحة العبادات، وهو مانع من الخلود في النار ومكفر للذنوب. من مات عليه دخل الجنة.

فضائل التوحيد وأثره

التوحيد أساس العصمة من سفك الدماء ونقطة الالتقاء بين المسلمين وغيرهم، وهو سبب للفلاح والنصر. دعا إليه النبي منذ بداية رسالته.

ختام الحديث وأهمية الركائز الإسلامية

يختتم المتحدث بالتأكيد على أهمية الركيزة التي نوقشت ويطلب من الله أن ينفعهم بما قيل. يُنهي بالصلاة على النبي وآله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في دروس خلت، إخواني في الله، قد أشرنا أننا في مثل هذه المقامات سيكون حديثنا عن أهم المقومات أو المقومات في أسس دعوته عليه الصلاة والسلام. وأشرنا في درس سابق ما يتعلق بأهمية طرق هذا الموضوع، في أن نتتبع أهم الركائز والأصول التي اعتمد عليها نبينا صلى الله عليه وسلم في دعوته. وها نحن في هذا المقام نبتدأ بالركيزة الأولى، ألا وهي العناية بأمر التوحيد. فإن هذا الأمر له أعظم أساس ابتدأ به نبينا صلى الله عليه وسلم دعوته حين دعا الناس، بل كان هذا الأمر وهذا المعلم في دعوته وفي دعوة كل نبي أرسله الله جل وعلا إلى أقوامهم، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. فحرص نبينا صلى الله عليه وسلم في دعوته على أن يمضي قدما في العناية والرعاية والاهتمام بأمر العقيدة والتوحيد، حتى أخذ على ذلكم سنين، بل قضى ثلاثة عشرة عاما في مكة قضاها في دعوة الناس إلى التوحيد. وحتى لما انتقل إلى المدينة لا زال على هذا المنوال عليه الصلاة والسلام. ولم يكن هذا فقط من خصوصياته، بل كان إذا أرسل من أرسل من سفرائه ومن رسله إلى القرى والأرياف والأمصار، كان يأمرهم: فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله. وفي رواية: فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله. فبينما عليه الصلاة والسلام حرص من أول دعوته على تصحيح عقائد الناس بدءا من قول لا إله إلا الله، فكان يقول فيهم في كل محفل: يا قوم قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. إخواني في الله، إن هذه العناية من نبينا عليه الصلاة والسلام في أمر العقيدة والتوحيد له شأن، بل إن هذا الأمر لله عدة أمور تدل على عظمته وتدل على أهميته. لماذا اعتنى نبينا صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر؟ من هذه الأمور التي بها نعلم أهمية التوحيد في باب الدعوة إلى الله، وأن تكون في أساس كل دعوة للناس، أن التوحيد هو الذي لأجله أوجد الله عز وجل الكائنات، أوجد الله جل وعلا المخلوقات لأجل التوحيد. خلق الله عز وجل الأرض والسماوات، قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون﴾. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: "يعبدون أي يوحدون". فالتوحيد هي الغاية العظمى، وهي المقام الأسمى الذي لأجله خلق الله عز وجل الورى من إنس ومن جان. من أهمية التوحيد، إخواني في الله، ثانيا: أن التوحيد هو أول ما يؤمر به العبد لكي يدخل في الإسلام. لا يتم للإسلام، لا يتم للإنسان قائمة في دين الله، حتى يأتي بتوحيده سبحانه وتعالى. فهو مهما عمل ومهما فعل من مكارم الأخلاق ومن محاسن الآداب ومن صالح الأعمال، فإن هذا لن ينفعه ولن يدخله في الدين والملة حتى يأتي بتوحيد الله جل في علا. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: يا رسول الله، إن ابن جدعان كان في الجاهلية كان يصل الرحم ويطعم المساكين، أينفعه ذلك؟ أينفعه ذلك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "لا يا عائشة، لا يا عائشة، إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين"، أي أنه لم يعترف بألوهية الله ولا بربوبيته، ولم يذعن بتوحيد الله، فلم تنفعه أعماله. فإن الإنسان مهما عمل من عمل، فلن يدخل بالإسلام إلا بعقيدته وبتوحيده. التوحيد، إخواني في الله، كما أنه أول ما يؤمر به العبد، هو كذلكم ثالثا: آخر ما ينبغي أن يخرج به العبد من هذه الدنيا، أن يخرج بلا إله إلا الله. قال عليه الصلاة والسلام: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله أدخله الله الجنة". فالتوحيد، يا عبد الله، من مات عليه مات على كل خير. كذلك من أهمية التوحيد، رابعا: أن التوحيد يعتبر شرطا من شروط صحة العبادات. فإن العبادات لم تصح حتى تأتي بهذا الشرط، حالها كحال صحة الصلاة بالطهارة. فإن الإنسان مهما صلى وهو غير متوض، فإن صلاته مردودة على وجهه. بل إن الإنسان لو صلى كل الصلاة، حتى إذا وصل إلى الركعة الأخيرة من صلاته ثم انتقض وضوءه، فإن صلاته قد انتقضت وبطلت. وهكذا قل في توحيد الله، يا عبد الله، فإن العبادات من صلاة وصيام ومن حج وزكاة ومن سائر الطاعات والقربات كلها مرهونة بهذا الشرط، بشرط التوحيد. إن جئت بتوحيد، صحة منك العبادات، فإن لم تأت بالتوحيد، فلا تتعبن نفسك. قال سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾. الإشراك هو الإخلال بالتوحيد، فمن أشرك، فلو ولو في آخر حياته، ولو أشركت، ليحبطن عملك. التوحيد، إخواني في الله، من أهميته أنه يعد هو المانع الوحيد من الخلود في النار، المانع الوحيد من خلودنا في النار. فإن أهل النار من أصحاب الموبيقات والكبائر والعظائم والموبيقات، باختلاف صورهم وأعمالهم، إن تقحموا النار، إن تقحموا النار، وكانوا من أهلها، فإن كانوا من الموحدين من أهل لا إله إلا الله، فإنهم سيخرجهم منها، ولو بعد حين. يخرجهم، يخرجهم، ما يبقى أحد موحد في نار جهنم أبدا، ما يبقى موحد خالد مخلد في نار جهنم. لكن بتوحيدك، ولو فعلت ما فعلت من الذنوب، وبلغت بك الشقوة ما بلغت، فتقحمت النار، فالله عز وجل يخرجك بعد وصولك إلى الأمد المحتوم، يخرجك. ولهذا جاء في حديث الشفاعة، أن الله عز وجل يقول: "أخرجوا من النار من قال لا إله إلا الله". هنا، إخواني في الله، تكمن أهمية التوحيد لله عز وجل. كذلك من أهمية التوحيد أنه يعد من أعظم المكفرات للذنوب والمعاصي والسيئات، ومن أعظم أسباب الغفران. يا من أرهقتك الذنوب والمعاصي، وتبحث عما يخفف عن عاتقك مما اكتسبت من الموبقات، احرص يا عبد الله على تجريد التوحيد لله، فإنه من أعظم الأعمال. قال عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الحديث القدسي: "قال الله يا عبادي، يا عبدي، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة". مغفرة الشيء بمقابله، الذنوب يقابلها مغفرة، لكن بشرط أن تأتي بالتوحيد الصافي: "لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة". وأيضا لا يخفى حديث البطاقة، في الذي يأتي يوم القيامة بسجلات مد البصر من الذنوب والمعاصي، إلا أنه كان من عباد الله الموحدين، فتأتي البطاقة وفيها لا إله إلا الله، فتوضع في كفة، وتوضع هذه السجلات الضخمة الهائلة في كفة، فإذا بلا إله إلا الله تطيش بالسجلات، تطيش بها وتذهب بها هباء منثورة، لعظمة توحيد العبد إن كان موحدا. التوحيد الصافي الخالص لله جل في علاه، إخواني في الله، من فضائله أن المرء به يعصم دمه وماله. يكون الإنسان بتوحيده معصوما، لا يمس ماله ولا ينهب من خيره وثرواته وأرزاقه، ولا يسفك دمه ولا تزهق روحه. قال عليه الصلاة والسلام: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم". العصمة، العصمة تأتي لكل موحد لله، من دخل في الإسلام وأتى بلا إله إلا الله يعصم دمه وماله. وجاء في مسند الإمام أحمد أن رجلا دخل المجلس عند رسول الله فأسر إليه بسر مفاده أنه يستأذنه في قتل رجل، في قتل رجل، فقال عليه الصلاة والسلام: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟" ثم قال نبينا عليه الصلاة والسلام: "أولئك الذين نهانا الله عن قتلهم". لأن المسلم معصوم الدم والمال إذا كان من عباد الله الموحدين، ولم يأت بناقض من نواقض الإسلام والدين. وهكذا، إخواني في الله، من فضائل التوحيد، ومن أهميته، أن به يكون الاجتماع بين الملل وبين النحل وبين الأمم والأديان. ما نجتمع نحن وإياهم، سواء كان من اليهود أو كان مع النصارى أو من غيرهم من ملل الدين، ما نجتمع نحن وإياهم على التوحيد فقط. هذا هو الذي يكون نقطة الالتقاء بيننا وبينهم، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. الإسلام عزيز، فإن أراد اليهود والنصارى أن نتفق نحن وإياهم على أمر، نبدأ بتوحيد الله جل وعلا، فإن أذعنوا، فنحن بيننا وبينهم سواء، وإن رفضوا، فنشهد فليشهدوا بأننا من أهل الإسلام. وأخيرا، إخواني، من فضائل التوحيد، ومن أهمية، أن التوحيد من أعظم الأسباب الذي يكون به الظفر، ويكون به النصر، ويكون به الظهور، ويكون به الغلبة. كما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. وعد من الله، وعد الله أهل الإيمان إن أقاموا بالتوحيد، فالله عز وجل وعدهم بالظفر والاستخلاف في الأرض، وأن يكونوا هم الخلفاء في هذه الدنيا. وقد قال عليه الصلاة والسلام حين خرج للناس: "يا قوم قولوا لا إله إلا الله تفلحوا". والفلاح أي فلاح الدنيا من الظفر والفوز والانتشار والقوة والهيمنة، وفلاح الآخرة. وقد جاء في وقائع السنة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بين الكفار، فقال لهم: "أعطوني كلمة أعطوني كلمة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم؟" فقام أحدهم وقال: "لله أبوك، لله أبوك، كلمة نعطيكها وعشر أمثالها ما هي؟" قال: "قولوا لا إله إلا الله". من قالها وعمل بها، وعده الله عز وجل بالظفر. وحين أن قام هيرقل في شعبه وقومه بعدما جاءته البعثة، جاءته رسالة البعثة من نبينا، قام وجمع قومه، فقام فيهم ناصحا، قال: "يا قوم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم، الحظ العظيم والاستدامة للملك والهيمنة؟" قالوا: "بلى". قالوا: "فتبايعوا هذا النبي الأمي"، إلا أنهم نفروا. فالشاهد، إخواني في الله، أمام هذه المعطيات التي سمعتموها، وكثيرة، ما هي؟ اهتم نبينا صلى الله عليه وسلم في دعوته على أمر العقيدة والتوحيد، فشغلت باله، فمنذ أن حمل الرسالة على ظهره، أخذ يدعو الناس إلى توحيد. لو سيأتي معنا مزيد بحث حول هذه الركيزة المهمة التي اعتنى بها نبينا أيما عناية، حتى نعلم، إخواني في الله، عظيم هذا الأصل وهذا المعلم الذي ينبغي أن يهتم به كل مسلم ومسلمة. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.