شرح أسماء الله الحسنى 75

الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 75، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

معنى اسم الله المقدم والمؤخر وتفسيره

اسم الله المقدم والمؤخر يعني أن الله يُنزل الأشياء منازلها ويقدم ما شاء ويؤخر ما شاء لحكمة، وقد ورد ذكرهما في أحاديث النبي. التقديم والتأخير يكون على نوعين: كوني وشرعي.

التعبد لله باسمه المقدم المؤخر وأثره على العبد

يجب على العبد أن يتعبد لله باسمه المقدم المؤخر، فيكون على ذل وخضوع له، ويعلم أن الله هو الذي يقدم ويؤخر. يجب على العبد أن يسارع ويتقدم إلى الطاعات ويبتعد عن المعاصي.

تطبيق التعبد باسمه المقدم المؤخر في الحياة اليومية

يجب على المسلم أن يحرص على التقدم في الطاعات وعدم التأخر، وأن يراعي التدرج في أعماله ودعوته، وأن يدعو الله أن يقدمه فيما يرضيه وأن يؤخره عن الشر.

ختام بالصلاة على النبي وآله وصحبه

المقطع يتضمن الدعاء للنبي محمد بالصلاة والسلام والبركة، وامتداد هذا الدعاء لآله وصحبه أجمعين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاهم. بعد ذلك، فمن أسماء الله الحسنى التي ذكرها الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه "القواعد المثلى" المقدم والمؤخر. فالمقدم والمؤخر إسمان من أسماء الله جل وعلا الحسنى، وهذا الإسمان من الأسماء المزوجة المخترنة التي لا يجوز أن يذكر الله جل وعلا بأحدهما، وإنما يذكر بهما معًا، لأن الكمال لذكر هذين الإسمين معًا. تقول: "المقدم المؤخر"، تذكر المقدم بسم الله جل وعلا والمؤخر. تقول: "المقدم المؤخر المؤخر". ونبه على هذا جمع من أهل العلم، كالزجاج رحمه الله. وفي القرآن وآخر القطار، وجمع من أهل العلم ذكروا أن هناك من أسماء الله جل وعلا أسماء زوجية مخترنة، يعني لا يجوز أن تذكر إلا معًا. فاستُقدم معنا القابض الباسط، ويضم منذ ذلك المقدم المؤخر، وهكذا في المعطي المانع، وهكذا الخافض الرافع، ولو على سبيل الإخبار، لأن الكمال بذكر هذين الأسماء، وهذه الأسماء مخترنة حتى يظهر الكمال. فالكمال يظهر بذكرهما معًا لله جل وعلا. ومن ذلك المقدم المؤخر، قال المنقذ رحمه الله تعالى في نونيته: "هذا ومن أسمائه ما ليس يفرده، بل يقال إذا أتى بقرانه، لا يجوز أن يفرد بالذكر، وإنما يقال إذا أتى بقرانه"، يعني ذكر معه الإسم الآخر الذي يقابله. ثم قال رحمه الله تعالى بعد ذلك: "فذاك موهم نوع نقص تعالى رب العرش عن عيب وعن نقص". وهذا قال قبل هذا البيت: "إفرادهما خطر على الإنسان"، يعني إذا أفرد هذا الإسم بغير ذكر الإسم الآخر المقابل له الذي يظهر به الكمال في هذه الأسماء. والمقدم المؤخر كما قال المنقذ: "ذلك الصفتان بالأفعال تابعتان"، يعني أن اسم الله جل وعلا المقدم واسم الله جل وعلا المؤخر، كما أنهما صفتان لله جل وعلا ذاتيتان، فهما تعلقتا بفعله جل وعلا، تعلقتا بفعله جل وعلا، يقدم من شاء ويؤخر من شاء جل وعلا. ودليل هذين الإسمين لله جل وعلا المقدم والمؤخر ثبت في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه في الصحيحين، في دعائه عليه الصلاة والسلام ذلك الدعاء العظيم الطويل الذي كان يقول فيه عليه الصلاة والسلام: "اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطأي وعمدي وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما أسررت وما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير". ففي هذا الحديث ذكر اسم الله جل وعلا المقدم واسم الله جل وعلا المؤخر. وهكذا في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما في تهجد النبي عليه الصلاة والسلام، كان يدعو بدعاء عظيم طويل يقول فيه عليه الصلاة والسلام: "اللهم لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد لك ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض... إلى أن قال عليه الصلاة والسلام بعد ذلك: فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت". وهكذا في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في صحيح مسلم رحمه الله تعالى، في وصف ما يقول النبي عليه الصلاة والسلام ما بين تشهده والتسليم، فكان عليه الصلاة والسلام يقول: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت". فهذه أحاديث ذكر فيها اسم الله جل وعلا المقدم واسم الله جل وعلا المؤخر. ومعنى هذين الإسمين المقدم المؤخر، يقول الخطابي رحمه الله تعالى: معنى اسم الله جل وعلا المقدم والمؤخر أي المنزل للأشياء منازلها، يقدم ما شاء ويؤخر ما شاء، كتب المقادير قبل أن يخلق الخلائق، وقدم من أحب من أوليائه على غيرهم من عبيده، وفضل بعضهم على بعض إلى آخر كلامه. فإذا المعنى اسم الله جل وعلا المقدم والمؤخر أي أنه الذي أنزل الأشياء منازلها، قدم ما شاء جل وعلا وأنزله منزله، وأخر ما شاء وأنزله منزله، كل ذلك لحكمة، لأن الله جل وعلا المقدم المؤخر يقدم ما شاء لحكمة ويؤخر ما شاء لحكمة بما يوافق الغايات المحمودة من ذلك، فهو الحكيم العليم جل وعلا. والذي خلق الخلق ويعلم ما يصلحهم ويعلم ما يستحق أن يقدم وما يستحق أن يؤخر، فهو المقدم المؤخر جل وعلا. وبهذا يتبين لنا أن التقديم والتأخير للمقدم المؤخر جل وعلا على نوعين: كوني وشرعي. كوني قدري، وتقديم شرعي. أما التقديم الكوني القدري فهو تقديم الأسباب على مسبباتها، فالله جل وعلا قضى كونًا وقدرًا تقديم الأسباب على مسبباتها، فلا يحصل المسبب إلا وقد تقدمه السبب. فالسبب يتقدم على المسبب، فإذا فعل السبب حصل المسبب بإذن الله جل وعلا. وهكذا تقديم الشرط على المشروط، فالشروط تتقدم المشروط، فالمشروط يتأخر عن الشرط، وهذا المسبب يتأخر عن السبب. وهذا تقديم وتأخير كوني قدري. ومن التقديم الكوني القدري والتأخير لله جل وعلا المقدم المؤخر أنه قدم بعض خلقه في الخلق على غيرهم، قدم بعض الخلق على الآخر، قدم خلق القلم على غيره من المخلوقات، وقدم خلق العرش وهكذا خلق السماوات والأرض على غيرها، قدم أشياء خلقها وقدم خلقها وأخر أشياء جل وعلا المقدم المؤخر سبحانه وتعالى، وكل ذلك لحكمة ولأمور عظيمة يعلمها الله جل وعلا الحكيم العليم الذي لأجل ذلك قدم ما شاء أن يقدمه وأخر ما شاء أن يؤخره. وأما التقديم والتأخير الشرعي فهو تقديم من أحب من أوليائه على غيرهم، ففضل الأنبياء وقدمهم على غيرهم من الخلق، وهذا قدم أتباع الأنبياء على غيرهم، فقدم من شاء من من أحب جل وعلا فضلهم على غيرهم في الإيمان والعلم والتقوى والأخلاق. فهذا التقديم وهذا التأخير من المقدم المؤخر جل وعلا لحكمة، وهو جل وعلا الذي أحكامه والذي أفعاله عدل وحكمة. فمن قدمه فذلك فضله جل وعلا الذي يؤتيه من يشاء، ومن أخره فذلك عدله جل وعلا الذي لا يظلم أحدًا شيئًا سبحانه وتعالى. ومن مقتضى وثمار وتعبد العبد لله جل وعلا باسمه المقدم المؤخر أن يكون العبد على ذل وعلى خضوع للمقدم المؤخر جل وعلا، ولا يتكبر، فلا يظن أن كلمته هي التي تقدم أحدًا وتؤخر أحدًا وترفع أحدًا وتخفض أحدًا، لا والله. مهما مدحت من الناس ومهما أثنيت عليهم ومهما فعلت ومهما بدأت، فوالله ما تستطيع أن تقدم شيئًا أخره الله، ولا تستطيع أن تؤخر شيئًا قدمه المقدم سبحانه وتعالى. فلذلك يجب على العبد الذل والخضوع للمقدم المؤخر جل وعلا، فلا يظن أنه هو الذي بكلامه ولا بأمواله يرفع الناس أو يخفضهم أو يقدمهم أو يؤخرهم، لا بل المقدم المؤخر جل وعلا وحده هو الذي يقدم من شاء ويؤخر من شاء جل وعلا. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما قاله رجل: "يا محمد، أنا مدحي زين وذمي شين"، أنا مدحي إذا مدحت أحدًا فهذا زين زينته وجعلته زينًا عند الناس، وذمي شين إذا دممت أحدًا فذلك يعني يشينه ويؤثر عليه. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "ذاك الله، ذاك الله"، يعني لست أنت الذي إذا مدحت أحدًا جعلته زينًا، ولا إذا دممته جعلته شينًا، ذاك الله، يعني الذي هو يزين من شاء سبحانه وتعالى، وهو الذي يرفع من شاء ويخفض من شاء. وهذا نقول في المقدم المؤخر، فإذا قال أحد: "أنا إذا أثنيت على أحد جعلته مقدما على غيره، وإذا كذلك دممت أحدًا جعلته متأخرًا على غيره". جازًا يقول له: "ذاك الله، لست أنت بكلامك ولا بأموالك ولا بغير ذلك المقدم المؤخر، هو جل وعلا الذي يقدم والذي يؤخر جل وعلا". فإذا علمت أن الله جل وعلا قد قضى كونًا وقدرًا بالتقديم والتأخير، فوجب عليك أن تكون على ذل وعلى خضوع لله سبحانه وتعالى وعدم تكبر. وليس معنى ذلك أن الله جل وعلا جبر عباده على التأخير، فلا يقول أحد: "لعلي أنا ممن أخرني الله المؤخر سبحانه وتعالى، إذن ما فائدة من العمل؟ إذن أنا مجبور لا أفعل الطاعات لأن الله أخرني عنها لأنه المؤخر الذي قضى كونًا وقدرًا ذلك التأخير علي". نقول: لا، الله جل وعلا هو المقدم والمؤخر، لكن سبحانه وتعالى جعل العباد مشيئة وأسبابًا يتقدمون بها إذا شاءوا أو يتأخرون. قال جل وعلا: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾، لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر. إذن عندك يا عبد الله مشيئة، إذا أردت أن تتقدم جعل الله جل وعلا عندك الاستطاعة التي تجعلك تتقدم إلى مرضات الله جل وعلا وتتأخر عن معاصيه سبحانه وتعالى. والله جل وعلا قد ذكر أسبابًا كثيرة في كتابه العزيز، وهكذا النبي عليه السلام في سنته المطهرة، بها يحصل العبد على التقديم من المقدم جل وعلا، ويجتنب ذلك التأخير. فمن أعظم هذه الأسباب المسابقة والمسارعة والتقدم. أنت يا عبد الله إذا أردت من الله جل وعلا أن علقك فتقدم. فعليك أن تتقدم، أن تسارع، أن تسابق. وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. قال جل وعلا: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. والله جل وعلا يقول: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾، هؤلاء السابقون هم الذين يقدمهم المقدم جل وعلا على غيرهم، لماذا؟ لأنهم سبقوا غيرهم وتقدموا إلى الخيرات وتقدموا إلى مرضات الله جل وعلا بالأعمال الصالحات، فسبقوا غيرهم فكان لهم ذلك السبق عند الله جل وعلا. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: "سبق المفردون". قالوا: "وما المفردون يا رسول الله؟" قال: "الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات". إذن يا عبد الله إذا أردت أن تكون ممن قدمهم الله جل وعلا، فعليك أن تسارع وأن تسابق في التوبة، لا تسوف، تقول: "سأتوب في يوم كذا أو بعد كذا"، لا، سارع وسابق بالتوبة. فلا تقول إذا جاء الأجل كما قال سبحانه وتعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. أنت عليك أن تتقدم، تسارع بالتوبة، تتقدم بالتوبة حتى لا يأتيك الأجل فتؤخر نفسك، فتؤخر نفسك عن هذه التوبة وعن هذه الطاعة. وهذا يكون في سائر الطاعات. بعض الناس يتأخر عن فعل الطاعات، ربما عليه وجوب زكاة فيتأخر عن أدائها، عليه كذلك نذر فيتأخر عن الوفاء به، عليه كذلك كذا وكذا في طلب العلم، كذلك بعد طلبة العلم يتأخرون عن طلب العلم، لا يتقدمون فيتأخرون. فهؤلاء كيف يريدون التقدم؟ يريدون التقدم ويريدون كذلك الفرص بالدرجات العالية العظيمة من الله جل وعلا، وهم يتأخرون في الحلقات، يتأخرون في كذلك طلب العلم والحرص عليه، يتأخرون عن الجماعات وحضور الجماعة، يتأخرون عن المحاضرات، يتأخرون عن يعني ما فيه طلب العلم، يتأخرون ويريدون بعد ذلك التقدم من المقدم جل وعلا. لا تقدم يا عبد الله، تقدم أن ابن مسعود حذر من التأخير، من التأخير في فعل الأعمال الصالحات. جاء في مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أرضاه، قال عليه الصلاة والسلام لما رأى أقوامًا يتأخرون: "لتأتموا بي ولأتم بكم من بعدكم، فمن بعدكم، فإنا أقوام لا يزالون يتأخرون حتى يؤخرهم الله، حتى يؤخرهم الله". فالمؤخر جل وعلا يؤخر أقوامًا لأنهم يتأخرون. وتعلموا حتى بواقعة الليثي الذي في الصحيحين في قصة الثلاثة النفر، أحدهم لما وجد فرجة جلس فآوى إلى الله، آوى الله إليه. والآخر استحيا فاستحيا الله منه. والآخر أعرض فأعرض الله عنه. فأنت يا عبد الله إذا تريد التقدم ولا تريد التأخر من المقدم المؤخر جل وعلا، فعليك أن تتقدم ولا تتأخر، تقدم في الطاعات، تقدم وسارع، لا تتأخر وتكون من المتأخرين دائمًا. أنت متأخر في حضور الدرس دائمًا أنت متأخر في حضور الجمعة دائمًا أنت متأخر في حضور صلاة الجماعة دائمًا أنت متأخر، وهذه كلها أعمال صالحات وطاعات بها ينال العبد الإمامة في الدين وينال التقدم في الدين. فكيف تتأخر وتريد التقدم؟ لا، تقدم، نافس غيرك، أسبق غيرك في طلب العلم، في بذل الخير، في الدعوة لله جل وعلا، إلى آخر ذلك. وهذا من مقتضى التعبد والإيمان لله جل وعلا باسمه المقدم المؤخر أن تسرع في الأعمال، فالذي يقدمك أعمالك، لا يقدمك مالك ولا يقدمك جاهك، وإنما الذي يقدمك أعمالك كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. وهكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: "من بطىء به عمله لم يسرع به نسبه". وصاحب الجنازة الذي كان يتقدم في الخيرات وينافس عليها، يقول: "قدموني، قدموني، قدموني، قدموني". لماذا؟ تريد أن تصل إلى ما قدمت وسارعت وتنافست فيه من ذلك الأجل العظيم الذي يراه وهو محمول على هذه الجنازة. فإذن الحرص الحرص على الأعمال والمسارعة فيها. وهكذا من مقتضى وثمار التعبد لله جل وعلا باسمه المقدم المؤخر أن تراعي يا عبد الله وتتدرج، أن تراعي وتتدرج في أعمالك وفي دعوتك وفي طلبك للعلم وفي بثك للعلم والنصح للمسلمين، تتدرج في ذلك. فالمقدم المؤخر جل وعلا قدم أشياء في خلقه على أشياء، وأخر أشياء سبحانه وتعالى في خلقه في كونه وقدره، وهكذا في شرعه. وهكذا الأنبياء حين بدأوا الدعوة، الله جل وعلا دعوا إلى التوحيد، قدموا الدعوة إلى التوحيد على غيرها من الدعوات. فأنت يا عبد الله يا أيها الداعية عليك أن تقدم الدعوة إلى التوحيد، لأن المقدم جل وعلا قدم الدعوة إلى التوحيد، وأنبياء الله جل وعلا قدموا ما أمر الله جل وعلا بتقديمه، وراعوا تقديم ما أمر الله بتقديمه على ما أمر بتأخيره. فلا تهتم في الدعوة بأمور قد أخرت في الدعوة في منهج الأنبياء. وهكذا في كتاب الله في السلام، وإنما تنظر الأهم ثم المهم، فتدعو بالأهم ثم المهم. فإذا دعوة إلى التوحيد. ولقد بعثنا في كل أمة الرسول أن يعبدوا الله ويجتنبوا الطاغوت. أرسل النبي عليه الصلاة والسلام معاذًا إلى اليمن، كما في حديث معاذ، قال: "فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم ما افترض الله عنهم من خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم ما افترض الله عنهم من صدقة تأخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وقرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب". إذن فيه مراعاة في الدعوة إلى الله جل وعلا، لماذا؟ لأن المقدم المؤخر جل وعلا قدم أشياء في خلقه وقدم أشياء في شرعه، أمر الأنبياء بذلك، قدم الدعوة إلى التوحيد على غيرها. فأنت لا بد أن تراعي في دعوتك، في تعليمك، في طلبك للعلم، هذه المراعاة وهذا التدرج، لأنك تقدم أشياء على غيرها، تقدم أشياء وتؤخر أشياء في دعوتك وفي طلبك للعلم، كل ذلك من مقتضى وثمار وتعبدك لله جل وعلا باسمه المقدم المؤخر. وهكذا كذلك من ثمار ومقتضى الإيمان والتعبد لله جل وعلا باسمه المقدم المؤخر أن تدعو الله جل وعلا دائمًا أن يقدمك وأن يوفقك لما فيه التقديم بما يوافق مرضات الرب جل وعلا، وأن يؤخرك عن ما يكون سببًا في تأخيرك. لا تكون مفتاحًا للشر، كن مفتاحًا للخير، فليكن قدومك وتقدمك في الخير، يراك الناس في أمر الخير ما شاء الله قد تقدمت. وأما أمر الشر فأنت متأخر وأنت بعيد في الفتن بعيد عنها، وفي أمر الخير أنت قد تقدمت. هذا الذي يجب عليك أن ترعيه وتحرص عليه وتدعو بالدعاء العظيم الذي كان يدعوه عليه الصلاة والسلام، يقول: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر". فنسأل الله جل وعلا المقدم المؤخر أن يقدمنا فيما يكون سببًا في مرضاته، وأن يستعملنا في طاعته، وأن يؤخرنا ويبعدنا عما لا يرضيه جل وعلا، إنه المقدم المؤخر. وصلى الله وسلم وبارك على أبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.