تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 19

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 19

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 19، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

نذر امرأة عمران وخدمة بيت المقدس

توضح الآيات أن امرأة عمران نذرت جنينها خادماً لبيت المقدس بعد طول انتظار للحمل، واستجاب الله دعاءها مما يدل على صلاحها. ويبين السعدي أن هذه الخدمة كانت عادة لدى بني إسرائيل يتفرغ فيها الخدم للعبادة، وهي أصل الرهبانية التي ابتدعوها لاحقاً.

وضع مريم وقبول الله لنذر أمها رغم كونها أنثى

نذرت أم مريم جنينها لخدمة بيت المقدس ظانة أنه ذكر، فلما وضعته أنثى انكسر قلبها لكن الله قبل نذرها وجبر خاطرها. وجعل مريم من أكمل النساء وأفضلهن حتى عدها النبي صلى الله عليه وسلم من الأربع النساء اللواتي كملن في الفضل والعقل والعبادة.

مكانة مريم وكراماتها وتربيتها في كنف زكريا

تبين أن مريم عليها السلام لم تكن نبية بل امرأة صالحة اصطفاها الله وكرمها بولادة عيسى من غير أب، ورباها في كنف النبي زكريا عليه السلام. فتقبلها الله بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً وفضلها على نساء العالمين.

خاتمة الدرس والإشارة إلى مضمون الدرس القادم

يختتم المتحدث الدرس الحالي بالإشارة إلى أن ما جعله الله على يدي المرأة الصالحة سيتم تفصيله في الدرس اللاحق. ويكتفي بهذا القدر مختتماً بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: 35] إلى آخر الآيات. قال رحمه الله: قوله جل وعلا على لسان امرأة عمران: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾، أي: خادمًا لبيت العبادة المشحون بالمتعبدين. نذرت أن يكون ما في بطنها -أي الجنين الذي في بطنها- خادمًا للبيت المقدس. كان عمران والد مريم في بيت المقدس، وكان من النصارى الذين في ذلك المكان، أقصد: من بني إسرائيل الذين عند بيت المقدس. فلما حملت زوجته، نذرت لله عز وجل، وكانت امرأة صالحة، فاستجاب الله عز وجل لها هذا الدعاء، وهذا يدل على صلاحها. وقال بعض السلف في معناها: جاء عن بعض السلف أنهم ذكروا عن بني إسرائيل أنها لم تحمل فترة طويلة، أن هذه المرأة -أي أم مريم امرأة عمران- لم تحمل مدة طويلة، فدعت الله عز وجل في بيت المقدس كثيرًا حتى استجاب الله عز وجل لدعائها. وبيت المقدس قد كان مبنيًا في ذلك الوقت، بناه سليمان بن داود عليه السلام، بنى المسجد الأقصى. لهذا كان كثير من بني إسرائيل في تلك الأماكن المطهرة، وكانوا خدامًا للمسجد، يعني: يتعاونون في خدمة أصحابه أو من كان يأتي يصلي، وكذا. فهذه المرأة لم تكن تحمل، وليس معها أولاد، فدعت الله عز وجل أن تلد، فاستجاب الله عز وجل لها. فلما حملت، نذرت لله عز وجل أن يكون ما في بطنها خادمًا لبيت العبادة، لبيت المقدس. ثم أيضًا بعد ذلك حملت بهارون أخا لمريم، كما جاء في الآيات، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. قال: ﴿فَقَالَتْ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾، قال: هذا العمل، أي: اجعله مؤسسًا على الإيمان والإخلاص، مثمرًا للخير والثواب. ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾، أي: تقبل هذا العمل مني، وهو أنها نذرت أن يكون ما في بطنها خادمًا لبيت المقدس مع الخدم الذين يكونون هناك. معناه: أنه في النصارى أو بني إسرائيل من عباداتهم أنهم يكونون في الكنائس، معناه: يكونون في هذه الكنائس ويتعبدون الله فيها، لا يخرجون إلا لحاجة الإنسان. وهذه الرهبانية التي ابتدعوها، صاروا بعد ذلك لا يجلسون في الكنائس، بل حتى في البيع والصوامع وغيرها من الأماكن. معناه: يبني للراهب مكانًا فيجلس فيه لا يتحرك، أو يبني له مثلًا مزرعة يأكل منها ويصلي، ويأكل من مزرعته. وهذا انتشر كثيرًا في بني إسرائيل، وغالبًا يجعلون بيوتهم فوق الشجر حتى لا يضايقهم أحد، يجعل له بيتًا أو عشًا كبيرًا في الشجرة، ثم يكون مكانه، وإذا أراد شيئًا خرج، وإلا جعل له أماكن، معناه: مكان للخلاء عنده، وكذلك يجعل له مزارع أو مزرعة يأكل منها، أو يأتيه ما كتب الله له. وإلا كانوا قبل في الكنائس، معناه: لا يذهبون إلى مكان آخر. فكان هؤلاء في بيت المقدس، فلما استجاب الله عز وجل -كما قالوا في قصص بني إسرائيل- استجاب الله عز وجل لدعائها، نذرت أن يكون هذا الجنين خادمًا لهذا البيت. ثم قال: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾، أي: تقبل مني هذا العمل، أنها نذرت، وهذا النذر تسأل الله عز وجل أن تقبلها منه، وتجعل هذا الجنين خادمًا لبيت المقدس. قال: في قولها: ﴿إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى﴾ [آل عمران: 36]. قال: فإن هذا الكلام نوع تضرع منها وانكسار نفس، حيث كان نذرها بناءً على أن يكون ذكرًا يحصل منه القوة والخدمة والقيام بذلك، لأنها تريده يخدم البيت، وإذا كانت أنثى صعب عليها خدمة البيت، فلذلك كانت تريده ذكرًا. لكن جاءت بها أنثى، فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾، فأرجعت العلم إلى الله، لأنها لا تدري هل استجاب الله عز وجل لدعائها أو لا، لهذا قالت: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾. قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى﴾، الذكر يكون عنده قوة وعنده كذلك قيام بهذه المسؤوليات، والأنثى بخلاف ذلك. قال: فجبر الله قلبها، وتقبل الله نذرها، وصارت هذه الأنثى أكمل وأتم من كثير من الذكور. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام ذكرها فيمن كملها من النساء. قال كما جاء في الحديث في البخاري: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع»، وذكر منهن: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم. فقال هنا: مريم بنت عمران هي ممن كملها الله. الغالب أن المرأة تكون أقل من الرجل بكثير من ناحية بعض الأشياء التي تعتريها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المرأة خلقت من ضلع أعوج، وأعوج ما فيه أعلاه، فإذا ذهبت تقيمه كسرته، وكسرها طلاقها». فهذا غالب النساء، لكن هناك من النساء من هن عاقلات، يعني: يجن الأمور، وكذلك أيضًا يصرفن الأمور. ومن تلك النساء اللاتي كملن في ذلك، وصارت أفضل بكثير من الرجال، إلا من كان مثلها من الرجال، وخاصة الأنبياء الذين هم أعلى درجة عند الله عز وجل وأصفياء الناس، وكذلك أفضل الناس عقولا. فقال: فهذه المرأة صارت امرأة كاملة وعاقلة وعابدة، وكانت عابدة لله عز وجل في مكانها، وامرأة مطيعة لله عز وجل، قانتة لله سبحانه وتعالى، والقانت هو مديم الطاعة الذي يديم الطاعة. فقال الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى﴾. قال: فجبر الله قلبها، وتقبل الله نذرها، وصارت هذه الأنثى أكمل وأتم من كثير من الذكور، بل من أكثرهم، وحصل بها من المقاصد أعظم مما يحصل بالذكر. حتى أنها كما سيأتي كملها الله عز وجل في عقلها وفي عبادتها، حتى أن زكريا يدخل عليها المحراب فيجد عندها رزقًا، وزكريا نبي من أنبياء الله، فهو أعلى منها، وأيضًا فضله الله عز وجل بالرسالة. وأما مريم رضي الله عنها ورحمها الله، وبعضهم يقول: إنها نبية، لكن الصحيح الذي عليه أكثر أهل العلم أن الأنبياء ليس فيهم نساء، ولم يأت دليل على أن مريم نبية، لم يأت دليل على أن مريم نبأها الله أو أرسل إليها، لكنها كانت امرأة صالحة، أراد الله عز وجل أن يري الناس آية فيها، فصارت هذه الآية العظيمة أنها ولدت من غير زوج، ولدت من غير زوج، وأراد الله عز وجل أيضًا أن يخرج ولدها من غير أب. ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59]. فلم يخلق من الماء مثل غيره من البشر، لم يخلق الله عز وجل من التراب إلا آدم وعيسى، خلقه من تراب، فخلق الله عز وجل آدم من التراب، وكذلك خلق عيسى من غير ما... ليس هناك اتصال رجل بامرأة ويخرج منه ماء، لأن المخلوق أو الإنسان الله عز وجل جعلهم من ماء مهين، لكن جعل الله عز وجل عيسى من تراب، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾، فهو كلمة الله. فلذلك هذه الكرامة العظيمة جعلها لهذه المرأة، وهذا كله يدل على صلاحها، أي: صلاح أم مريم وصلاح ابنتها، وأن الله عز وجل تقبل دعاء أمها حتى أصبحت من نساء العالمين، فضلها الله عز وجل على نساء العالمين: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43]. والله عز وجل أيضًا ذكر لمريم أنه اصطفاها سبحانه وتعالى، كما سيأتي إن شاء الله في الآيات. قال رحمه الله تعالى: ولهذا قال: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: 37]، أي: ربيتها تربية عجيبة دينية أخلاقية أدبية كملت بها أحوالها. وربنا جل وعلا من لطفه سبحانه وتعالى بهذه المرأة العظيمة جعل تربيتها عند نبي من أنبياء الله، جعل تربيتها عند زكريا، وكفلها زكريا، وزكريا كان من أنبياء الله عز وجل، وكذلك كان زوج خالتها، أن تربت عند خالتها، وكان كفيلها زكريا، فربيت تربية في بيت نبوة، فصارت امرأة عابدة وصالحة، وعندها أخلاق عظيمة. قال: أي: ربيتها تربية عجيبة دينية أخلاقية أدبية كملت بها أحوالها، وصلحت بها أقوالها وفعالها، ونمى فيها كمالها، ويسر الله لها زكريا كافيها، وهذا من منة الله على العبد أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين، أن هذه نعمة عظيمة جعلها الله عز وجل لهذه المرأة الصالحة، جعل صلاحها في نشأتها، ومن ذلك أنه كفلها نبي من أنبياء الله، رجل صالح، رجل أيضًا على عبادة، وعلى أيضًا منزلة عظيمة عند الله جل وعلا. ثم ذكر ما جعله الله عز وجل على يدي هذه المرأة الصالحة، فإن شاء الله تعالى نقرأ ذلك في الدرس اللاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.