الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 93، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع آية النصر والخذلان في سورة آل عمران مبيناً أن النصر من الله وحده ولا يُغلب، وأن الأخذ بالأسباب الشرعية والقدرية شرط لحصوله. ويؤكد أن الغلبة النهائية والنصر الحتمي لجند الله والمؤمنين الصادقين في كل زمان ومكان.
يشترط المقطع صدق العبادة والتوجه لله وحده لنيل نصره مستشهداً بدعاء النبي ﷺ في بدر وموقف ابن تيمية مع التتار. ويبين أن الأخذ بالأسباب المادية والمعنوية واجب شرعي، وأن الخذلان ناتج عن تفريط العبد في أسباب النصر الشرعية لا عن عجز الله.
يستدل المقطع بتقديم المعمول في آية التوكل لإثبات حصر التوكل بالله وحده، معتبراً صرفه لغيره شركاً أكبر. ويوضح ابن تيمية أن كفاية الله للنبي والمؤمنين هي المقصودة، وأن قوة التوكل دليل كمال الإيمان بينما ضعفه علامة نفاق أو كفر.
يؤكد المقطع على ضرورة التوكل على الله باعتباره خلاصة ما يُذكر من أصول الدين وأسباب النصر. ويختتم الدرس بالتذكير بعلم الله تعالى المحيط بكل شيء وإحاطته بأحوال العباد.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة سعد رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. قال: أي أن يمجدكم الله بنصره ومعونته فلا غالب لكم، فلو اجتمع عليكم من في أقطارها وما عندهم من العدد والعدة؛ لأن الله لا مغالب له، وقد قهر العباد وأخذ بنواصيهم، فلا تتحرك دابة إلا بإذنه، ولا تسكن إلا بإذنه. فهذا بعدما ذكر ربنا جل وعلا الأحداث التي حصلت في أحد، وبيّن ربنا جل وعلا بعد ذلك رحمة النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه، وأنه لولا رحمته وشفقته عليهم لانفضوا من حوله، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. ثم ذكر ربنا جل وعلا أن الله عز وجل لو نصر عباده فإنه لا غالب له، لو أمدهم بالنصر وأعانهم بالنصر فإنه لا غالب له جل وعلا، ولكن ربنا سبحانه وتعالى له الحكمة البالغة في فعله سبحانه وتعالى. وكذلك أيضًا: إن خذل أحدًا ولم يعنه على النصر فلا يستطيع أن ينتصر، ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾، فالأمر لله جل وعلا، لكن ربنا سبحانه وتعالى يجعل الأمور تمشي على قدرته وحكمته سبحانه وتعالى، ويأمر العباد بفعل الأسباب، فإذا توفرت الأسباب الشرعية جاء ما وعد الله عز وجل، وكذلك أيضًا تيسرت الأسباب القدرية، وإذا لم يأخذ الرجل بالأسباب الشرعية ولا أيضًا بالأسباب القدرية فإن هذا فيه شيء من الخدش في الاعتقاد وعدم الاعتقاد الصحيح. فلذلك فالنصر له أسبابه، وأيضًا الغلبة والخذلان والهزيمة لها أسبابها، وإلا الأصل أن هذا كله من عند الله جل وعلا، فإذا توفرت الأسباب فإن النصر يأتي بحسب هذه الأسباب ولكن بأمر الله جل وعلا، وكما قال الله عز وجل: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، فإذا ثبتت أو ثبت الناس على الحق ورجعوا إلى الله فإن الله عز وجل ناصره، واستمدوا قوتهم من الله. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، وقال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾، فنصر الله عز وجل لأهل الإيمان بما وعدهم الله سبحانه وتعالى، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، أي لينصرنهم على عدوهم حتى تكون الخلافة لهم، ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾، يكون دينهم هو المسيطر وهو المهيمن على الأديان، ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾، هذا جواب الشرط أنهم يعبدون الله عز وجل ويتوجهون إليه. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة بدر كان يدعو الله عز وجل، وكان يقول: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض»، «اللهم إن تغلب هذه العصابة» -أي الصحابة رضي الله عنهم ومن كان معه عليه الصلاة والسلام- «لا تعبد في الأرض»، أي أن هؤلاء هم عبادك وهم الذين يعبدونك في هذه الأرض، وهذا على وعد الله جل وعلا أنه سينصرهم إذا داموا على عبادته، فكلما توجهت القلوب إلى الله والدعوات إلى الله فإن النصر قريب. ولهذا كما تعلمون لما حصل من التتار ما حصل، وقتلوا أهل الإسلام وقتلوا فيهم كثيرًا خاصة في الشام، قام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وحث بعض الملوك كالمظفر قطز وبيبرس وغيرهم ممن كان في ذلك الوقت، حثهم على القتال وشجعهم على الجهاد، وكانوا أهل صدق وأهل عبادة وأهل خوف من الله، فثبتوا، فلما رأى شيخ الإسلام ثبات الناس وابتهالهم إلى الله عز وجل في ذلك المكان الذي يواجهون فيه الكفار، قال رحمه الله كلمته المشهورة: «جاء النصر، جاء النصر»، فقال له قائل: «قل إن شاء الله»، قال: «إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا، إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا»، وعمدته في ذلك هو وعد الله عز وجل بالنصر إذا أخذ الناس بالأسباب وتوجهوا إليه سبحانه وتعالى. وأما إن كان حصلت المخالفات وحصلت الذنوب وغيرها مما يكون فيه الخذلان، فهذا غالبًا أن الله عز وجل يخذل من كان هذا حاله لأنه لم يقم بالأسباب الشرعية. الله عز وجل يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾، فهذه الآية فيها القوة الحسية والقوة المعنوية، فالقوة المعنوية هي الإيمان، الإيمان بالله عز وجل والارتباط به، ثم أيضًا الأمر الثاني والسبب الثاني هو القوة الحسية من السلاح، لابد يحتاج المقاتل إلى سلاح أخذًا بالأسباب، وأيضًا كذلك سلاح الإيمان والدعاء، سلاح الإيمان والدعاء أيضًا أسلحة عظيمة يتقوى بها المؤمن على عدوه. ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. قال: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾، ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ أي ويكلّكم إلى أنفسكم، معنى ما يعينكم، ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾، فلابد أن تنخذلوا ولو أعانكم جميع الخلق، وفي ضمن ذلك الأمر بالاستنصار بالله والاعتماد عليه والبراء من الحول والقوة، ولهذا قال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. قال: تقدم المعمول يؤذن بالحصر، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، فقدم المعمول وهو «على»، فقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾، وأصلها: توكلوا على الله، لكن قدم المعمول لأجل الحصر، على أنه لا يتوكل إلا على الله سبحانه وتعالى. قال: أي على الله توكلوا لا على غيره، لأنه قد علم أنه هو الناصر وحده، فالاعتماد عليه توحيد، توحيد محصل للمقصود، والاعتماد على غيره شرك، أن الاعتماد عليه توحيد محصل للمقصود هو عبادته جل وعلا وتوحيده، والاعتماد على غيره شرك غير نافع لصاحبه، بل ضار. وفي هذه الآية الأمر بالتوكل على الله وحده، لأن التوكل من الأعمال القلبية التي لا يجوز أن تصرف لغير الله، فلا يقال: توكلت على الله وعلى فلان، أو حتى لو قال: ثم فلان، أيضًا خطأ، ثم خطأ. لهذا قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن من فسر هذه الآية: «حسبك الله وحسبك المؤمنون» قال: قد غلط غلطًا عظيمًا، وإنما الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين: الله، الله عز وجل كافيك وكافي من اتبعك من المؤمنين، فهو الذي يدافع عنهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. فلذلك فمن ظن أن التوكل يصرف لغير الله أو يقال لغير الله فقد أخطأ، التوكل والحسب والحسب هو التوكل، فلا يقال: توكلت على الله ثم عليك، إلا إذا أراد الوكالة التي هي في الفقه أو الوكالة من باب التوكيل، وليس من باب التوكل وهو اعتماد القلب وتفويضه، فإن هذا لا يكون إلا لله عز وجل. فلذلك قال المؤلف رحمه الله في هذه الآية: الأمر بالتوكل على الله وحده، لأن الله قال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، أي لا يتوكلون على غيره ولا يشركون بتوكلهم غيره، بل يكون هذا التوكل على الله وحده. قال: وأنه بحسب إيمان العبد يكون توكله، لأن حقيقة التوكل كما قال السلف: حقيقة الإيمان، فإذا كان من كمال التوكل عند العبد كان عنده الإيمان أجمع، وكلما قل التوكل عند العبد كلما قل إيمانه، بل قد يعدم، يعدم الإيمان إذا عدم التوكل. ولهذا ما تجد عدم التوكل إلا عند المشركين، ما تجده في مؤمن مسلم مثلًا ليس عنده شيء من التوكل، ما يكون هذا إلا عند الملحدين أو الكفرة والمشركين، بل تجد حتى أحيانًا عند الكفار وعند المنافقين عندهم توكل على الله، عندهم توكل على الله في بعض الأمور، وإن كانوا من المشركين ومن الكفار، لكن كما قلنا أنه لا يكون مؤمنًا ليس في قلبه توكل على الله أبدًا، بل لابد من التوكل على الله، ولا بد للمؤمن من التوكل على الله جل وعلا. فهذا خلاصة ما يذكر، والله تعالى أعلم.