الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 94، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع مفهوم الغلول بأنه كتمان الغنيمة والخيانة في المال العام أو الخاص، مبيناً أنه من الكبائر المحرمة إجماعاً. كما يفرق بين الغلول والسرقة والاختلاس والنَهبة والغصب من حيث التعريف والعقوبة، محذراً من أخذ شيء من الغنيمة قبل قسمتها.
يسرد المقطع واقعتين نبويتين تبيّن عقوبة الغلول الشديدة حتى على الصالحين، مستدلاً بالآية الكريمة على عصمة الأنبياء من هذه الكبيرة. ويقرر أن الطعن في الأنبياء يعد كفراً لكونه طعناً في اختيار الله وحكمته.
يبيّن المقطع أن الغال يأتي بما أخذه يوم القيامة يحمله على رقبته عذاباً، مؤكداً أن الله يوفي كل نفس ما كسبت دون ظلم. وتوضح أن الحسنات تضاعف والسيئات لا تُزاد وقد تُغفر بالتوبة.
يتناول المقطع تفسير جزاء الغال ومن في حكمه من العاملين، مبيناً أن اللفظ العام في الآية يشمل الغال وغيره من أصناف العاملين. ويختم بالتنويه إلى مصدر الترجمة المنسوبة إلى نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة سعد رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾. قال: الغلول هو الكتمان من الغنيمة، والخيانة في كل مال يتولاه الإنسان، وهو محرم إجماعًا، بل هو من الكبائر كما تدل عليه هذه الآية الكريمة وغيرها من النصوص. فأخبر الله تعالى أنه ما ينبغي ولا يليق بنبي أن يغل، لأن الغلول كما علمت من أعظم الذنوب وشر العيوب. فهذا الذنب وهو الغلول، وهو الأخذ من الغنيمة أو كتمانها، وكذلك أيضًا يدخل في كل مال يتولاه الإنسان. والمراد به الأموال العامة، أو حتى الأموال الخاصة التي يوكل بها الإنسان، فإنه إذا أخذ منها فمعنى هذا يسمى غلولًا. إذا إنسان مثلًا في منصب من المناصب، عنده مال للدولة أو مسؤول عن مال، فأخذ منه بغير حق، فإن هذا أيضًا يسمى غلولًا. وسماه بعضهم اختلاسًا، وهذا كثير في كلام العصريين، سموا مثل هذا اختلاسًا. وعند الفقهاء أن الاختلاس إنما هو الأخذ بخفية من مال ظاهر، وأن الاختلاس هو الأخذ بخفية من مال ظاهر. وإذا أخذه بغير خفية يعتبر نهبة، وإن أخذه بالقوة يعتبر غصبًا، وإن أخذه من حرز بخفية يعتبر سرقة. هذه كلها أشياء أخذ أموال، لكن لها مسميات، وليس في هذه الأشياء ما يكون فيه الحد إلا في السرقة. جاء الحد في السرقة: ﴿ السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ ﴾. وأما المختلس، والذي ينهب، والذي أيضًا يغل، وغيرها من هذه أخذ أموال الناس بغير حق، فإنه لا تقطع يده، لكن يعاقبه الإمام، يعاقبه ويعزره. فإن كان عليه حقوق، فلا بد أن يؤدي هذه الحقوق التي أخذها، أو هذه الأموال التي أخذها، ولو كانت هذه الأموال أموالًا عامة. ولو كان أيضًا هذا المال لرجل خاص، لكنه لا يسأل عنه، أنا موكل الإنسان فيه. بعض الناس مثلًا يتساهل في هذا، يجد مثلًا أن فلانًا وكله في مال، مثل من يعمل مثلًا في بعض المحلات، فتجده يتساهل فيأخذ الأموال بغير حق، ويقول: فلان أو صاحب المال لا يحاسب، أنا ما يحاسبه. لكنه يأخذ، ولو أموالًا يسيرة، فإنها لا تجوز، لا يجوز له أن يأخذ مالًا ليس له، حتى ولو كان مثلًا صاحب هذا الدكان لا يعطيه إلا الشيء اليسير، مادام أنه قد رضي به، فلا يأخذ شيئًا من هذا. أيضًا بعضهم مثلًا يأخذ من أموال، أو يأخذ مثلًا كهرباء أو ماء بغير حق، وهو أيضًا داخل في هذا. فقال: الغلول هو الكتمان من الغنيمة، والخيانة في كل مال. فإذا أخذ من مال الغنيمة قبل أن تقسم، هذا النبي عليه الصلاة والسلام دائمًا يقول: «من أخذ شيئًا من الغنيمة قبل أن تقسم، ولو عود أراك، ولو عود أراك، أخذه من الغنيمة قبل أن تقسم، جاء بها يوم القيامة، جاء بها يوم القيامة». وقال: «ولو فجاء رجل فقال: يا رسول الله، معي شراك، شراك نعلم، قال: شراك من نار، شراك من نار». ولما توفي أحد من كان يخدم النبي عليه الصلاة والسلام من مواليه، فقال: هنيئًا له، الجنة. جاءه سهم غائر، لا يدرى من أي مكان، فقتله ذلك السهم. فقال الصحابة: هنيئًا له، الجنة، كان يخدم النبي عليه الصلاة والسلام كذا. فقال: «كلا، إن الشملة التي غلها يوم كذا لتشتعل على قبره نارًا». وهذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم حتى يبين أن الأخذ من الغنيمة ليس هينًا، ليس هينًا، ولو كان الإنسان عنده أعمال صالحة، ولو كان الإنسان ظاهره الصلاح، لكن إذا كان يأخذ مالًا ليس بحق، فإنه يحاسب عليه في قبره، وكذلك يوم القيامة. فلهذا يدل على أن المسلم ينبغي أن يتقي في أموال الناس، فلا يأخذ شيئًا إلا بحقه. لهذا نفى ربنا جل وعلا هذا الغلول عن الأنبياء: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾، لأن هذا الغلول كبير من كبائر الذنوب، لا تكون أبدًا في نبي اختاره الله عز وجل من بين خلقه. قال: فأخبر الله تعالى أنه ما ينبغي ولا يليق بنبي أن يغل، لأن الغلول كما علمت من أعظم الذنوب وشر العيوب. قال: وقد صان الله تعالى أنبياءه عن كل ما يدنسهم ويقدح فيهم، وجعلهم أفضل العالمين أخلاقًا، وأطهرهم نفوسًا، وأزكاهم، وأطيبهم، ونزههم عن كل عيب. ولهذا تجد أن الله عز وجل يذكر عن الأنبياء أنهم ما جاءوا لأجل الأموال، أو يأخذوا أموال الناس. لأن غالب من يترأس، من يترأس الناس، أو يريد شيئًا من وجاهة الدنيا، فتجده يريد المال أولًا، أنا قصده في المال. ولهذا نفى الله عز وجل عن الأنبياء مثل هذه الأمور. بل أيضًا في كلامهم، فكانوا يقولون: ﴿ لَا نَسْأَلُكُمْ أَجْرًا ﴾، لا نسألكم أجرًا، ما نعطون مالًا، نحن ما جئنا لأجل أن تعطون مالًا، وإنما نريد وجه الله. وأيضًا كذلك نريد أن تتوجه إلى الله. ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾. فالداعي إلى الله عز وجل يدعو إلى الله عز وجل، ما يريد شيئًا من أمور الدنيا، يدعو إلى الله يريد وجه الله جل وعلا. قال جل وعلا: ﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾، أنا وضعها في هؤلاء الأنبياء. الله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس، واصطفاهم الله عز وجل لرسالته ولنبوته. فلهذا ما يصطفي الله عز وجل إلا الأخيار. قال: في مجرد علم العبد بالواحد منهم يجزم بسلامتهم من كل أمر يقدح فيهم، لأن القدح في الأنبياء يعتبر كفرًا بالله، لأن القدح في الأنبياء قدح في اختيار الله. فلهذا من قدح في نبي من أنبياء الله، قد ذكر ابن عبد البر وغيره أنه كفر مستقل، الذي يقدح في نبي من أنبياء الله جل وعلا، لأنه بقدحه في ذلك النبي فهو قدح في اختيار الله، أن هؤلاء الأنبياء اختارهم الله عز وجل. قالوا: لا يحتاج إلى دليل على ما قيل فيهم من أعدائهم، لأن معرفته بنبوتهم مستلزم لدفع ذلك. ولذلك أتى بصيغة يمتنع معها وجود الفعل منهم، فقالوا: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾، أنا ما يحصل هذا أبدًا، أن نبيًا من أنبياء الله يغل، أن يمتنع ذلك، واستحيل على من اختارهم الله لنبوته. ثم ذكر الوعيد على من غل، فقالوا: ﴿ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾. حتى ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الرجل يأتي على رقبته بعير له رغاء، أنا صوت يصيح، هذا البعير يحمله على رقبته، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، معنا كل هذا من أخذه، جاء به يوم القيامة. ﴿ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾، مع أنه ما ينفع يوم القيامة أن يأتي ما سيسدد الذي أخذه، لكن شعله الله عز وجل نكالًا عليهم، نكالًا عليهم، أنهم يأتون بما أخذوا على رقبتهم، يأتي بكل ما أخذ من مال أو من عين أخذها في هذه الدنيا، فإنه ولم يؤدها لأصحابها، لأصحابها، فإنه يأتي بها يوم القيامة. قال: أن يأتي بي حامله على ظهره، حيوانًا كان أو متاعًا أو غير ذلك، يعذب به يوم القيامة. ﴿ لَمْ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ﴾، ثم ﴿ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ﴾، أي الغال وغيره، كل يوفى أجره ووزره على مقدار كسبه، مثل قول الله عز وجل: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾. ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾. فلا يضيع أجر المحسنين. وكذلك أيضًا أهل الفساد يجدون ما عملوا، إن لم يتوبوا، وإن لم يغفر الله لهم. ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ﴾. ﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾، أي لا يزداد في سيئاتهم، ولا يهضمون شيئًا من حسناتهم، أنا ما يضيع الله عز وجل حسناتهم، يعطيهم إياها موفى، بل يزيد فيها. وأما سيئاتهم فيعطيه، فلا تزاد أبدًا. أما الحسنات فتزاد، ويعطى العبد كل ما حمل من الحسنات، ما لم تذهب عليه هذه الحسنات. وأما السيئات فيعطيه الله عز وجل هذه السيئات، وقد يغفرها، لكن لا يزاد عليه، لا يزاد على سيئات، لكن قد يغفرها الله عز وجل أو يمحو بعض السيئات. فلهذا لا ظلم اليوم، كما قال ربنا جل وعلا. قال: وتعمل حسن، هذا الاحتراز في هذه الآية الكريمة، لما ذكر عقوبة الغال وأنه يأتي يوم القيامة بما غله، ولما أراد أن يذكر توفيته وجزاءه، وكان اقتصاره على الغال يوهم بالمفهوم أن غيره من أنواع العاملين قد لا يوفون، حتى لا يتوهم هذا التوهم، فقال: ﴿ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾. ليس فقط الغال، بل كل أحد، إن كان له عمل صالح، أتيب على هذا العمل، وإن كان عمل سيء، أيضًا جازاه الله عز وجل على هذا العمل السيء، ما لم، كما قلنا، يتوب أو يغفره الله عز وجل له. قال: وجزاءه، وكان اقتصاره على الغال يهم بالمفهوم أن غيره من أنواع العاملين قد لا يوفون، أتى بلفظ عام جامع له ولغيره. طيب، هذا ما يذكر في تفسير هذه الآية، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر