الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 96، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تعد بعثة النبي محمد ﷺ من أعظم النعم حيث جاء يتلو آيات الله ويزكي المؤمنين ويعلمهم الكتاب والحكمة. ويشير العلامة السعدي إلى أن هذه المنة هي أصل الهداية وطريق النجاة من الضلال مع حرص النبي ﷺ الشديد على أمته.
السنة النبوية تمثل التطبيق العملي للقرآن وليست مجرد أقوال، والحكمة المذكورة في القرآن هي السنة التي تضع الأمور في مواضعها الصحيحة. كما يصف المقطع حال العرب في الجاهلية بأنهم كانوا في ضلال مبين يعبدون الأصنام ويستحلون المحرمات.
غيّر الإسلام نفوس الصحابة من عبادة الأوثان والقتال إلى الاستقامة والزهد والإيثار، كما تبدلت قلوب شخصيات مثل ثمامة بن عثال وهند بنت عتبة من البغض إلى الحب. وكانت مظاهر الجاهلية تشمل عبادة الأصنام وأكل الميتة ووأد البنات، فهدى الله العرب بإرسال النبي ﷺ مستوجباً شكره على هذه النعمة.
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾. فهذه الآية جاءت بعد آيات غزوة أحد، التي بيّن الله عز وجل في آخرها أن النصر من عنده سبحانه وتعالى، وأن من نصره جل وعلا فلا غالب له، ومن خذله فمن ذا الذي ينصره من بعده؟ فالواجب على أهل الإيمان أن يتوكلوا على الله ويفوضوا أمورهم إلى الله، ولا ينبغي أن تخذلهم الذنوب، ومن ذلك أيضًا الغل والأخذ من الغنائم، وأخذ الأموال بغير حق. ثم ذكر ربنا جل وعلا أن من اتبع رضوان الله وما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام فهو على خير عظيم، ليس كمن باء بسخط من الله وماواه جهنم. وبعد هذا ذكر ربنا جل وعلا الطريقة الموصلة إلى رضوان الله جل وعلا، وهي اتباع النبي عليه الصلاة والسلام. فمن الله عز وجل -أو من الله عز وجل- على المؤمنين ببعثة هذا الرسول الكريم، وجعله من أنفسهم، أي آدميًّا مثلهم، بشرًا مثلهم، ويتكلم بلسانهم. وأيضًا كذلك يتلو عليهم آيات الله جل وعلا، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وكذلك يزكيهم، أي يطهر قلوبهم، يطهر قلوبهم بهذا الوحي وبهذا الكلام العظيم الذي يغذي به القلوب قبل الأجساد. فالكتاب والسنة غذاء للقلوب. فالله عز وجل بعث رسوله تزكية لهذه الأنفس مما يصيبها من الأمراض التي تفتك بهذه القلوب، ومن ذلك الشرك والتعلق بغير الله والنفاق، وكذلك أمراض القلوب من الرياء، وأيضًا الحقد والغل، وغيرها من هذه الأشياء التي تزكى بشريعة الله جل وعلا، وتزكى باتباع النبي عليه الصلاة والسلام. قال العلامة السعدي: هذه المنة التي امتنى الله بها على عباده أكبر النعم، بل أصلها؛ لأن هذه النعمة هي نعمة الهداية، وهي طريق النبي عليه الصلاة والسلام، وهي الامتنان عليهم بهذا الرسول الكريم الذي أنقذهم الله به من الضلالة وعصمهم به من الهلكة. قال الله عز وجل: ﴿لقد منّ الله على المؤمنين﴾ منة أنعم، إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يعرفون نسبه وحاله ولسانهم من قومهم وقبيلتهم، ناصحًا لهم مشفقًا عليهم. وهذه نعمة عظيمة؛ معنا هو أحرص على الأمة حرصًا عظيمًا، بل أحرص عليهم من أنفسهم، أحرص عليهم حتى من أنفسهم. وهذه من نعم الله العظيمة التي جعلها الله عز وجل لهذه الأمة. وليس معنى ذلك أن الأنبياء ليسوا كذلك، بل هم كذلك، لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان حرصه أعظم. وقد ذكرنا قبل أن الله عز وجل وصفه بهذا الحرص العظيم، وكان ربنا جل وعلا أحيانًا يعاتبه من شدة هذا الحرص. فقال الله عز وجل: ﴿فلعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين﴾، ﴿لعلك باخع نفسك﴾، أو قال: ﴿فلعلك باخع نفسك﴾. "باخع نفسك" أي: من شدة الحرص حتى أنه يبلع هذه النفس وتتحسر، ويكون فيها حسرة شديدة. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فلا تذهب نفسك عليهم حسرات﴾، يعني: لا تتحسر عليهم هذا التحسر وهذا البلع الذي يكون في قلبك، حتى أن قلبه سينخلع بسبب عدم استجابتهم لدعوة الله جل وعلا. فلذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام حريصًا أشد الحرص على هذه الأمة. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تتفلتون من يدي». أنا كالذي يحرص على أن لا يقع الإنسان، أو يريد أن ينقذ الإنسان، يأخذه بمعصمه وبخصره وبمكان الثوب حتى لا يفلت عنه. لكن لشدة مسك النبي صلى الله عليه وسلم لنا، إلا أن كثيرًا من هذه الأمة تفلت عليه صلى الله عليه وسلم. بل قال في لفظ: «وأنتم تقتحمون فيها» أي: في النار. صلى الله عليه وسلم عافية. قالوا: ﴿يزكيهم﴾، قال: يتلو عليهم آيات الله، يعلمهم ألفاظها ومعانيها. لأن سنة النبي عليه الصلاة والسلام تفسير للقرآن، ليس تفسيرًا قوليًّا فقط. فالتفسير القولي الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم قليل، لكن المراد به تفسير عملي. سنة النبي صلى الله عليه وسلم تفسير عملي للقرآن. لهذا قالت عائشة رضي الله عنها لسعد بن هشام لما سألها: «كان خلقه القرآن، كان خلقه القرآن». فالنبي عليه الصلاة والسلام يطبق ما في القرآن. إذا أردت أن تطبق ما في القرآن، اتبع النبي عليه الصلاة والسلام في سنته، فهذا تطبيق لكتاب الله جل وعلا؛ لأنه لا تعارض أبدًا بين فعل النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه، وكذلك اتباع القرآن. بل كله واحد، وليس بينهما تعارض. وإن وجد شيء من التعارض فهو ليس في الواقع، وإنما هو في الأفهام، ليس في الواقع وإنما هو في الأفهام. قالوا: ﴿يزكيهم﴾، أي: من الشرك والمعاصي والرذائل وسائر مساوي الأخلاق، ويعني بما ينشره من الخير من التوحيد والخير. قالوا: ﴿ويعلمهم الكتاب﴾، إما جنس الكتاب الذي هو القرآن، فيكون قوله: ﴿يتلو عليهم آياته﴾ المراد به الآيات الكونية، أو المراد بالكتاب هنا الكتابة، يعلمهم الكتاب، أي: يعلمهم الكتابة، فيكون قد امتنى عليهم بتعليم الكتاب والكتابة التي بها تدرك العلوم وتحفظ. ﴿والحكمة﴾ وهي السنة التي هي شقيقة القرآن. غالبًا إذا أطلقت الحكمة في القرآن فالمراد بها سنة النبي عليه الصلاة والسلام. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه»، وهي السنة. فهي مثل القرآن، بل القرآن يحتاج إلى السنة، والسنة لا تحتاج إلى القرآن؛ لأن السنة بيان للقرآن، بيان للقرآن. ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾. فالسنة بيان للقرآن، تبين القرآن وتوضحه. قال: أو وضع الأشياء مواضعها، ومعرفة أسرار الشريعة. فجمع لهم بين تعليم الأحكام وما به تنفذ الأحكام، وما به تدرك. معنى الحكمة يطلق على السنة، ويطلق على وضع الأشياء في مواضعها. ومتى توضع الأشياء في مواضعها؟ إذا كان المسلم متبعًا للسنة، فيرجى أن الحكمة هي السنة. ومن السنة وضع الأشياء في مواضعها في كل شيء، في العمل وفي الدعوة. ففي الدعوة مثلًا يكون الرفق في مواضعه، ويكون الشدة في مواضعها. وهكذا أيضًا متى يتكلم بهذا الكلام، ومتى يقصر عنه، ومتى أيضًا يعلم هذا العلم، ومتى يقصر عنه، أو متى يخلفه، وما الذي يقدمه. وكما قال الله عز وجل: ﴿ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون﴾. قال ابن عباس: «ولكن كونوا ربانيين، أي: علموا صغار العلم قبل كباره، علموا صغار العلم قبل كباره». فهذا أيضًا من الحكمة التي جاءت بها سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: فجمع لهم بين تعليم الأحكام وما به تنفذ الأحكام، وما به تدرك فوائدها وثمراتها. ففاقوا بهذه الأمور العظيمة جميع المخلوقين، وكانوا من العلماء الربانيين. ﴿وإن كانوا من قبل﴾ أي: قبل بعثة هذا الرسول ﴿لفي ضلال مبين﴾. أي: كانت العرب في جاهلية جهلاء، كانوا يعبدون الأصنام والأحجار والأشجار، وكذلك يأكلون الميتة ويرتكبون الحرام، وأيضًا عندهم الزنا حلال. حتى ذكرت عائشة رضي الله عنها أن النكاح كان في الجاهلية على أربعة أنواع، وهو سفاح أصلًا، ليس نكاحًا. معنى تريد أنه يسمونه نكاحًا وليس نكاحًا، وإنما هو زنا. وأيضًا كذلك كان القوي يأكل الضعيف، والقوي يقوى على الضعيف، وتجد القبيلة القوية تفرض على القبيلة الضعيفة أشياء من الأحكام وغيرها مما يكون في تلك الجاهلية من الربا والسرقة وأخذ الأموال بالباطل وغيره. ف جاء نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلم الناس الحكمة وعلمهم القرآن، فصار أولئك الذين كانوا يعبدون الأصنام والأوثان، وكانوا يفعلون يفعلون، صاروا أهل استقامة وأهل زهد وورع، وكذلك أهل ارتباط بالله، وعندهم أشياء عظيمة لم تقع عند أحد يعرف في التاريخ مثل ما عرف عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم من التفاني والبذل والعطاء والعمل لله عز وجل، وما فعله الأنصار مع المهاجرين من الإيثار العظيم، حتى قال الله عز وجل: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾. هذا شيء عظيم جدًا، يؤثر الإنسان ما عنده، وإن كان هو أحق به أو أحوج إليه، لكن يؤثره لأخيه لأنه أراد أن يبذل الخير لأخيه الذي حبه في دين الله جل وعلا. فصارت رابطة عظيمة حتى بين من كان بينهم قتال في الجاهلية، وبينهم خصومات في الجاهلية، فصاروا في الإسلام أشد وأشد رابطة ومحبة في دين الله عز وجل. بدل ما كانوا يتقاتلون بينهم البين، صاروا يتقاتلون جنبًا بجنب، يعني: ضد أعداء الله عز وجل، أو يقاتلون جنبًا بجنب، خاصة الأوس والخزرج. قالوا: ﴿وإن كانوا من قبل﴾ أي: بعثة هذا الرسول. وسبحان الله تجد أن الإسلام غير النفوس، حتى أن الرجل يكون كافرًا وعنده من الحنق ما عنده على أهل الإسلام، فإذا أسلم ذهب ذلك الحنق، وتبدلت تلك المحبة. انظر إلى كفار قريش مسلمة الفتح الذين أسلموا، فإنهم كانوا في حنق على رسول الله، ولما قتل قادتهم في بدر، لكن لما فتح مكة وأسلموا، نسوا ذلك كله. وما ذكر مثلًا عن هند بنت عتبة، كانت عندها حنق شديد لأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل أباها وعمها وأخاها في يوم واحد، هو يوم بدر. لكن لما أسلمت كانت من خيرة النساء، وكانت أيضًا من من بايع النبي عليه الصلاة والسلام على الإسلام. قالوا: ﴿وإن كانوا من قبل﴾ أي: بعثت هذا الرسول ﴿لفي ضلال مبين﴾. أن تجد الرجل يتغير في يوم وليلة، إذا أسلم تغير. قال: لا يعرفون الطريق الموصل إلى ربهم. فهذا ثمامة بن عثال الحنفي، كان لما قبض عليه بعض الصحابة، وكان يريد مكة، فربطه النبي صلى الله عليه وسلم بسارية في المسجد، فكان يرى الصحابة يصلون ويراهم كيف يتعاملون. وإذا مر به النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «ما عندك يا ثمامة؟» كان يقول: يا محمد، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر. وإن قتلت هناك قبيلتي يسفون بهذا الدم، وإن تنعم تنعم على شاكر، إذا نعمت علي فإني سأشكر لك هذا الشيء. فأطلقه النبي صلى الله عليه وسلم بعد ثلاثة أيام، قال: «أطلقوه». فأطلقوه، ثم ذهب إلى الشجر، جاء في رواية عبد الرزاق أنه اغتسل، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: «والله إن كان دينك أبغض الأديان إليّ، وإنه الآن لأحب الأديان إليّ. والله إن كان وجهك أبغض الوجوه إليّ، وإنه الآن لأحب الوجوه إليّ». فتبدل في وقت قصير، تبدل ما في قلبه، وتبدل أيضًا كذلك ما في عمله الذي يعمله. وهذا الذي هو دين الله جل وعلا الذي يغير النفوس. قالوا: ﴿وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾. حتى الآن تجد الإنسان في بعده عن الله، تجد معنى شرير ومفتر وعاصٍ ويرتكب الجرائم، لكن لما يتوب إلى الله عز وجل يتغير ذلك كله، وتجد السكينة والوقار، وأيضًا كذلك الحياء الذي قد يستغرب منه عندما يراه الإنسان في ذلك الوضع ويراه في هذا الوضع، وكأنه رجل آخر. قال: ﴿وإن كانوا من قبل﴾ أبعثت هذا الرسول ﴿لفي ضلال مبين﴾. لا يعرفون الطريق الموصل إلى ربهم، ولا ما يزكي النفوس ويطهرها، بل ما يزين لهم جهلهم فعلوه، ولو ناقض ذلك عقول العالمين. ومن ذلك أيضًا عبادتهم للأصنام، وكذلك أكلهم الميتة، وأيضًا دفنهم الموؤودة البنت وهي حية. كل ذلك من الجهل العظيم الذي كان عند هؤلاء. فهداهم الله عز وجل برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا ما يجب على الله تعالى على الله شكرًا.