الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 98، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر العلامة السعدي آيات أحد مبينًا أن ما أصاب المسلمين كان بإذن الله لحكم عظيمة منها عدم اغترار المؤمنين بالغلبة الدائمة. كما يوضح أن الابتلاء يمحص القلوب ويكشف حقيقة الصادقين من المنافقين الذين لا يدخلون في صفوف الإيمان إلا طلبًا للغنائم والأمان.
يُبيّن المقطع كيف اعتذر المنافقون عن الجهاد بقولهم لو نعلم قتالاً لاتبعناكم مع علمهم بيقين بتجهيز المشركين جيشاً عظيماً. ويكشف الله كذبهم بقوله إنهم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان فهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.
يستعرض المقطع قاعدة شرعية هي ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما وفعل أدنى المصلحتين عند العجز عن أعلاهما. ويستدل بقوله تعالى تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا أي إن عجزتم عن الجهاد فادفعوا عن أهاليكم وأوطانكم.
يعبر المتحدث عن عزمه على تدوين الملاحظات ومتابعة الدرس في المرات القادمة. ويشير بشكل متكرر إلى ترجمة نانسي قنقر كجزء من توثيق المادة العلمية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: قال العلامة السعدي عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ إلى قوله جل وعلا: ﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾. قال رحمه الله: ثم أخبر أن ما أصابهم يوم التقى الجمعان، جمع المسلمين وجمع المشركين في أحد، من القتل والهزيمة، أنه بإذنه وقضائه وقدره. وذكرنا أن بعض العلماء لم يقل إنها هزيمة، وذكرنا الأسباب في ذلك. ومن سماها هزيمة لأجل قتل السبعين، قال: إنه بإذنه وقضائه وقدره، لا مرد له، ولا بد من وقوعه. والأمر القدري إذا نُفذ لم يبقَ إلا التسليم له، وأنه قدره لحكم عظيمة وفوائد جسيمة. ومن أعظم هذه الفوائد: أن أهل الإيمان لا يغترون بالغلبة الدائمة. وأيضًا كذلك، كما ذكر كثير من المفسرين، أن من أعظم الحكم -كما ذكر ابن القيم أيضًا في الزاد- من أعظم الحكم: حتى لا يدخل في صفوف أهل الإيمان من هم من أهل النفاق. لأن أهل النفاق إذا رأوا أن الغلب دائمًا للمسلمين دخلوا صفوفهم لأجل الغنائم، ولأجل المال، ولأجل كذا. فلذلك جعل الله عز وجل بعض الهزائم وبعض الحروب عليهم. ولأن المنافقين أيضًا ما يحبون أن يُقتلوا، فلذلك إذا رأوا الغلب دائمًا وعدم خسارتهم، تجد أيضًا أنهم يحرصون على الدخول مع المؤمنين. فقال: ولا مرد له، ولا بد من وقوعه، والأمر القدري إذا نُفذ لم يبقَ إلا التسليم له، وإنه لا بد أن يسلم العبد له، وأنه قدره لحكم عظيمة وفوائد جسيمة، وأنه ليتبين بذلك المؤمن من المنافق، ﴿ لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾، وليبتلي الله ما في صدوركم، وليُمَحِّصَ ما في قلوبكم. وأنه ليتبين بذلك المؤمن من المنافق. الذي لما أمروا بالقتال، وقيل لهم: «تعالوا قاتلوا في سبيل الله»، أي: ذبًّا عن دين الله وحماية له، وطلبًا لمرضاة الله، «أو ادفعوا». وأنهم يكونوا ادفعوا عن محارمكم وبلدكم. إن لم يكن لكم نية صالحة، أن الله عز وجل يذكر أن هؤلاء المنافقين قيل لهم: «تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا». وليعلم الذين نافقوا، وقيل لهم -أي: قال لهم أهل الإيمان-: «تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا». إن لم تريدون أن تقاتلوا، فادفعوا عن أهاليكم، عن بلدكم، هذا أقل شيء. قالوا: «لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ»، أي: لو نعلم أنكم يصير بينكم وبينهم قتال لاتبعناكم. وهذا كما يقولون: عذر أقبح من ذنب. وهم خرجوا لماذا خرجوا؟ أليس خرجوا لمعارضة هؤلاء المشركين؟ أم أنهم خرجوا ليسلموا عليهم؟ فهذا كذب واضح. فلذلك قالوا: «لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ». قالوا: لو نعلم أنكم يصير بينكم وبينهم قتال لاتبعناكم. قالوا: وهم كذب في هذا، قد علموا وتيقنوا، وعلم كل أحد أن هؤلاء المشركين قد ملئوا من الحنق والغيظ على المؤمنين بما أصابوا منهم. بل كان بعضهم يتواطأ معهم. فهم يعلمون أنهم ما خرجوا إلا للحرب، ما خرجوا لسلم، وما خرجوا لأجل شيء. خاصة في أحد، فإنهم خرجوا بطرًا ورئاء الناس، ويصدون عن سبيل الله، كما وصفهم الله عز وجل. قالوا: أنهم قد بذلوا أموالهم، وجمعوا ما يقدرون عليه من الرجال والعدد، وأقبلوا في جيش عظيم. كما جاء في السيرة: أنهم جمعوا ليحد، كانوا يجمعون من كل قبيلة رجالًا أو شبابًا، ويجمعون كذلك مالًا لأجل أن يشتروا به الخيل، ويشتروا به عدة الحرب. وهذا كله يدل على أنهم جهزوا ذلك. قالوا: أقبلوا في جيش عظيم قاصدين المؤمنين في بلدهم، متحرقين على قتالهم. فمن كانت هذه حالهم، كيف يتصور أنه لا يصير بينهم وبين المؤمنين قتال؟ فهذا كما قلنا: عذر أقبح من ذنب. فهم كذب في ذلك. قالوا: «لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاهُمْ». معنى: لو قلنا نعلم أنكم ستقاتلونهم لجئنا معكم وقاتلنا. وهذا لأجل أن يفروا ويعتذروا عند أهل الإيمان. لكن فضحهم الله عز وجل. قال: ﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ﴾، أي: في تلك الحال التي تركوا فيها الخروج مع المؤمنين، أقرب منهم للإيمان. ﴿ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾. على الله عز وجل يقول: ﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ﴾. لماذا؟ ليس أن عدم خروجهم كفر، لا. لكن هم ما خرجوا إلا لأنهم ما يريدون أصلًا قتال الكفار، ما يرون قتال هؤلاء الكفار. وهذا تجده حتى في كثير من المجتمعات الآن. تجد بعض الناس مثلًا يعلم أن الرافضة كفار، وأنهم أهل بغي واعتداء، وغيرها من هذه الأمور التي تجيز لأهل الإيمان قتالهم. فتجد بعضهم يقول: ليش نقاتل هؤلاء مسلمون؟ وهو يعلم أنهم كفار، ليسوا من أهل الإسلام في شيء. لكن لأجل أن يعتذر على نفسه وأنه لا يقاتل، فيأتي بمثل هذه الأعذار السمجة والخاطئة. فلذلك تجد أحيانًا قد يكون دافع الجبن، وأحيانًا قد يكون دافع عدم الفهم، وأحيانًا يكون النفاق، مثل هؤلاء. أي: هؤلاء المنافقون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان يدفعهم النفاق أن يقولوا مثل هذه الأقوال. قال: فقال جل وعلا: ﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾. أي: هذه خاصة المنافقين، يظهرون بكلامهم وفعالهم... يعني: هم ما كفروا لعلة أنهم ما خرجوا، كما قلنا. وإنما الذي لم يخرجهم هو النفاق، الذي لم يخرجهم للقتال هو النفاق. لأنهم لا يريدوا أن يقاتلوا الكفار. قالوا: «لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ». فإنهم قد علموا وقوع القتال. ويستدلوا بهذه الآية على قاعدة: ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما، وفعل أدنى المصلحتين للعجز عن أعلاهما. لأن المنافقين أمروا أن يقاتلوا للدين، فإن لم يفعلوا فليمدافعوا عن العيال والأوطان. والله أعلم بما يكتمون. معنى هذا: قوله جل وعلا في قوله سبحانه: ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ﴾. عن إذا لم تستطيعوا أن تقاتلوا، أو أنكم ما تريدون أن تقاتلوا، فادفعوا عن أرحامكم، ادفعوا عن محارمكم، عن بلدكم، عن أوطانكم، عن ذراريكم. فهذا واجب أيضًا. فيقول الشيخ: إن النظائر على هذه القاعدة كثيرة جدًا. أن ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما أولى من ارتكاب المفسدة الكبرى، فيرتكب أخفهما. وفعل أدنى المصلحتين، أي: أقل المصلحتين، للعجز عن أعلاهما. إذا كان عجز عن أعلى المصلحتين، وإلا إذا كان قادرًا فالواجب هو أن يأتي بالمصلحة الكبرى. إذا عجز عنها أتى بالمصلحة الصغرى. قال: فإنهم قد علموا وقوع القتال. وهذا فذكرها المؤلف رحمه الله هذه القاعدة. قال: ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ﴾، أي: فيبديه لعباده المؤمنين، ويعاقبهم عليه. طيب، إن شاء الله نكتبه هذا. أكمل في درس الله حقًا. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر