الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 81، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع أن القول بخلق القرآن بدعة نشأت قديماً ونسبت إلى الجعد بن درهم، وأن أصلها يهودي. ويبين اعتقاد أهل السنة بأن القرآن كلام الله الحقيقي غير المخلوق بحروفه ومعانيه.
يعرض المقطع أقوال الجهمية والواقفة واللفظية في صفة الكلام ويرد عليها بأن الكلام لا يتم إلا باجتماع المعنى واللفظ. ويثبت قول أهل السنة بأن القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود وينزل من عنده ويرفع يوم القيامة.
يؤكد المقطع أن القرآن كلام الله الحقيقي غير المخلوق أنزله على النبي محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل. ويذكر إجماع الصحابة والتابعين على ذلك مستشهداً بقول عمر بن دينار وثبات الإمام أحمد.
أعلن المحاضر انتهاء وقت الدرس وأشار إلى تأجيل تتمة الحديث المتعلق بالسؤال المطروح إلى درس قادم إن شاء الله. واختتم بالاكتفاء بما ذُكر والتسليم بعلم الله تعالى.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين. أما بعد، فيقول الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال الثالث والثمانون: ما حكم من قال بخلق القرآن؟ بعدما ذكر ما يتعلق بالقرآن الكريم من منزلة هذا الكتاب، ووجوب التمسك به، والقيام بحقه، ذكر هذه المسألة؛ لأن هذه المسألة مما يتنقص فيها القرآن. الذي يقول بخلق القرآن، هذا يستلزم من كلامه لوازم باطلة كثيرة، ومنها الاستهانة بهذا القرآن. فالقرآن كلام الله، فحق كلام الله أن يعظم، وأن يبجل، وأن يحترم. لو قلنا بخلق القرآن فهو كغيره من المخلوقات. فلذلك ذكر هذه المسألة؛ لأن طوائف من أهل البدع والأهواء قالوا بهذا القول. فبدعة خلق القرآن نشأت في الأمة قديماً، وكان أصلها يهودياً. وأول من عرف من هذه الأمة قال بخلق القرآن هو الجعد بن درهم، تلقاها من ضال مبتدع خبيث يقال له بيان بن سمعان، وبيان هذا تلقى هذه البدعة عن طالوت، وطالوت تلقى هذه البدعة عن لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا رجعت أصل هذه البدعة إلى يهودي. وسيبين المؤلف رحمه الله قول أهل السنة فيما يتعلق بالقرآن؛ حتى يبطل هذه البدعة، وحتى يبين اعتقاد أهل السنة في هذه المسألة. قال الجواب: القرآن كلام الله عز وجل حقيقة، حروفه ومعانيه، ليس كلامه الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف. هذه أول عبارة، وهذا معتقد أهل السنة: أن القرآن الكريم كلام الله منزل من عند الله، منه بدأ وإليه يعود. وأنزله الله عز وجل وهو كلامه حقيقة، حروفه ومعانيه. فإن المخالفين لأهل السنة والجماعة في هذا الباب انقسموا إلى أربع فرق، كلهم خالف أهل السنة في القول بأن القرآن كلام الله. فإذن تلخص لنا في المخالفات في باب القرآن أن المخالفين في ذلك أربع طوائف خالفت في ذلك. المخالفة الأولى: القول بخلق القرآن. قالوا بأن القرآن مخلوق مثل الإنسان والشجر. فإذا قيل لهم: لقد نسب ربنا عز وجل الكلام إليه؟ قالوا: نسب الكلام إلى الله لأنه خلقه. فهؤلاء صرحوا بالقول بخلق القرآن، وهذا قول باطل كما سيأتي من كلام المؤلف، ويرد هذا القول بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة. هذه المخالفة الأولى في باب القرآن. المخالفة الثانية: والطائفة الثانية قول من قال إن القرآن عبارة عن كلام الله، أو حكاية عن كلام الله. وهؤلاء هم الأشاعرة والكلابية. فهم يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، لكن ما هو كلام الله عندهم؟ إذا قيل لهم: أنتم تقولون القرآن كلام الله غير مخلوق، طيب ما تعنون بقولكم هذا؟ قالوا: نعني بذلك أنه كلام الله في المعنى دون اللفظ. وهذا الذي عناه المؤلف بقوله: "ليس كلامه الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف"، وهو يرد على أمثال هؤلاء. فهم يقولون: إن القرآن هو معنى ما في ذات الله عز وجل. فهم يقولون: المعنى هو الذي قام في الذات، قام في ذات الله عز وجل، ثم الله سبحانه وتعالى خلقه، أي خلق ألفاظه، ألفاظ هذا القرآن الذي معناه في ذاته، خلقه في نفس جبريل، وطائفة منهم تقول: خلقه في نفس محمد، على خلاف بينهم. وفي الحقيقة هذه المخالفة، وهذه الطائفة يؤول ويرجع قولهم إلى القول بخلق القرآن؛ لأنهم أثبتوا المعنى دون اللفظ. والكلام بإجماع أهل اللغة أنه لا يكون كلاما إلا إذا جمع المعنى مع اللفظ، جمع المعنى مع اللفظ. فالكلام مجموع الأمرين: المعنى واللفظ. أما هؤلاء فأثبتوا المعنى دون اللفظ، فبطلوا في هذا الباب. هذه المخالفة الثانية، والفرقة الثانية ممن خالفوا في القرآن. وكذلك المخالفة الثالثة: الواقفة، وسيأتي سؤال خاص بهم. يقولون: ما نقول أن القرآن مخلوق أو غير مخلوق، نتوقف في ذلك. وهذا سيأتي الرد عليهم بذكر المؤلف لسؤال خاص. وأما المخالفة الرابعة: فهم اللفظية الذين يثبتون لفظهم بالقرآن، يقولون: لفظ بالقرآن مخلوق. في الحقيقة يعنون بذلك أن القرآن مخلوق. وهذا أيضا سيأتي سؤال خاص بهم، سيذكره المؤلف بعد سؤالين. فهذه خلاصة الفرق والطوائف التي خالفت في هذا الباب. ووفق الله عز وجل أهل السنة بتوفيقه سبحانه وتعالى، فأهل السنة يقولون: إن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى، منه بدأ وإليه يعود. منه بدأ وإليه يعود. القرآن كلام الله منزل منه سبحانه وتعالى، منه بدأ وإليه يعود، منزل من الله عز وجل. وهذا فيه إثبات العلو لله؛ لأن الله عز وجل في العلو، فأنزله من عنده سبحانه وتعالى إلى خلقه. نعم، فهو كلام الله حقيقة، تكلم به ربنا سبحانه وتعالى بما يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى، كما تقدم معنا في ذكر الكلام على الصفات. "ومنها بدأ وإليه يعود": منه بدأ، يقال: بدأ وبدأ. فمعنى "بدأ" أي منه سبحانه وتعالى خرج، خرج من الله، من عند الله سبحانه وتعالى بدأ منه. فمنه ابتدائية. "ومنها بدأ وإليه يعود": أن يعود يوم القيامة إلى الله عز وجل. فقد جاء عند ابن ماجه وغيره بإسناد صحيح: أن القرآن يوم القيامة يرفع، يرفع من المصاحف، وينزع من الصدور، وينزع من الصدور فيرجع إلى الله سبحانه وتعالى، يرجع إلى الله سبحانه وتعالى. فيقال: "منه بدأ" أي خرج منه سبحانه. وكذلك يقال: "بدأ" لمعنى ظهر وبان، لكن الأول هو الأشهر، الأول هو الأشهر: "منه بدأ". نعم، فهذا معنى كلام المؤلف: القرآن كلام الله حقيقة، ليس هو معنى ما في ذات الله، ولا حكاية، ولا مخلوق، ولا شيء من تلك الأمور التي تقدمت. ولذلك قال: "تكلم الله به قولا"، أي ربنا سبحانه وتعالى تكلم بهذا القرآن، وأنزله على نبيه وحيا، ليس خلقه في قلب نبيه كما يزعم أهل البدع، لا، وإنما أنزله على نبيه. فالله عز وجل تكلم بهذا القرآن، فأخذه جبريل عن الله سبحانه وتعالى، ثم جبريل نزل بما تكلم به ربنا سبحانه وتعالى إليه، إلى جبريل، وجبريل أوحى بهذا القرآن إلى نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين". فهو منزل من عند الله عز وجل عن طريق الرسول الملك وهو جبريل عليه السلام، إلى الرسول البشر وهو نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا معنى قوله: "تكلم الله به قولا، وأنزله على نبيه وحيا، وآمن به المؤمنون حقا". فالمؤمنون منذ أن نزل على نبينا عليه الصلاة والسلام، وهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، إلى يومنا هذا، وهم على هذه العقيدة. أجمع المسلمون على ذلك من عهد الصحابة: أن القرآن كلام الله، أنزله الله عز وجل على قلب نبيه عليه الصلاة والسلام. فقد أخرج الدارمي عن عمر بن دينار رحمه الله تعالى، وهو تابعي جليل، لقي جمعا من الصحابة، ولقي كبار التابعين. قال عمر بن دينار: لم أزل أسمع منذ سبعين سنة بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أن القرآن منزل، أن القرآن منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. هكذا يقول هذا التابعي الجليل، وينقل ذلك عن أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا الذي عليه الصحابة: "فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا". فمن قال بهذا القول فهو المهتدي، وهو الذي على الطريق المستقيم، وعلى العقيدة الصحيحة. وهكذا على هذا القول أئمة السلف. وتعلمون أن هذه المسألة امتحن من أجلها الإمام أحمد وغيره من الأئمة، فمنهم من قتل لأنه لم يقل بهذا القول، ومنهم من تأول وورع خوفا من السيف، ومنهم من ثبت كالإمام أحمد رحمه الله تعالى. وهكذا يقول عمر بن دينار في أثر آخر، والأثر هذا خرجه الدارمي، وهو أثر صحيح. وجاء أثر آخر عنه أنه قال: "الله خالقنا وما سواه مخلوق، إلا القرآن فإنه ليس بمخلوق، إلا القرآن فإنه ليس بمخلوق". هكذا يصرح هذا التابعي الجليل، فهو إجماع نقله غير واحد من أهل العلم، كان عليه سلف الصالح رحمهم الله تعالى. فهذا معنى قوله: "وآمن به المؤمنون حقا"، يريد: حقا، ليخرج أهل البدع والأهواء ممن لم يعتقدوا هذه العقيدة الصحيحة. قال: "فهو وإن خط بالبنان". وكأن الوقت قد انتهى، فلنا حديث كذلك ومتمم لهذا السؤال نؤجله إن شاء الله إلى درس قادم. نكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر