تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 122

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 122

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 122، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

استجابة الله للدعاء والمساواة في الثواب بين الذكر والأنثى

يفسر المقطع قوله تعالى ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ مبينًا نوعي الدعاء: دعاء العبادة ودعاء الطلب، وفضل النداء باسم "الرب". كما تقرر الآية تساوي الرجال والنساء في الجزاء والثواب، مستدلًا بأقوال السلف وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في أن النساء شقائق الرجال.

مساواة المرأة بالرجل في الأحكام الشرعية ومفهوم الهجرة في الإسلام

الأصل في الأحكام الشرعية أن المرأة شقيقة الرجل وتتشارك معه في الأحكام ما لم يأتِ تخصيص من الشرع أو إجماع، كشهادة الزنا التي اختص بها الرجال. وتناول المقطع مفهوم الهجرة في الإسلام بأنها ترك ما نهى الله عنه، وأنها مشروعة لمن خاف على دينه من الفتنة، مستدلاً بهجرة الصحابة من مكة وحديث «لا هجرة بعد الفتح» الخاص بفتح مكة.

فضل الفرار من الفتن والهجرة ونعيم أهل الجنة

يُبيّن المقطع أن الفرار من الفتن لحفظ الدين من أفضل الأعمال، وأن الهجرة في سبيل الله تُكفّر السيئات وتوجب دخول جنات تجري من تحتها الأنهار، حيث أعدّ الله لعباده الصالحين نعيمًا لا عين رأت ولا أذن سمعت. ويذكر أن الله يمنح هذا النعيم العظيم للمؤمنين الذين يتقربون إليه بالأعمال الصالحة، ويجتنبون ما يغضبه، ويجاهدون ويصبرون على ذلك.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾. قال رحمه الله: قال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾، أي: أجاب الله دعاءهم، دعاء العبادة ودعاء الطلب. فدعاء العبادة: نفس العبادات التي تعبدها الإنسان تعتبر دعاء؛ الصلاة تعتبر دعاء، الصيام دعاء، كل العبادات تعتبر دعاء؛ لأنها يفعلها العبد وفي نيته أن الله عز وجل يتقبلها منه. فلهذا يقال: دعاء عبادة. ودعاء الطلب: هو المسألة، أن يطلب العبد من ربه جل وعلا شيئًا، ويقول مثلاً: اللهم اغفر لي، أو يا غفار اغفر لي، يا رحمن ارحمني، وهكذا؛ فيطلب من الله عز وجل، فهذا دعاء طلب. وهنا قال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ﴾، أي: أجاب الله دعاءهم، دعاء العبادة ودعاء الطلب، على تقبل الله عز وجل عباداتهم، وتقبل أيضًا واستجاب لدعواتهم. وهنا قال: ﴿فَاسْتَجَابَ﴾ بالفعل التي تفيد الترتيب والتعقيب، أي: بعد أن دعوا استجاب الله عز وجل لهم، أي: عجل لهم الإجابة. ولهذا ذكر الحافظ ابن جرير الطبري عن جعفر الصادق أنه كان يقول: من دعا بقوله: يا رب، خمس مرات، استجاب الله عز وجل دعاءه. استدلالًا بهذه الآية. فهذه الآية: كرروا قولهم: يا ربنا، خمس مرات، كرروا قولهم: ربنا، خمس مرات، فقال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾. ولهذا قال بعض أهل العلم: إن هذه الكلمة، وهي كلمة "الرب"، هي أيضًا من الأسماء العظيمة لله، ومن الاسم الأعظم الذي إذا دعي به سبحانه وتعالى أجاب. ولهذا جاء في حديث أبي هريرة الذي أخرجه الإمام مسلم، لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذاك الرجل، قال: «أشعث أغبر يمد يديه: يا رب، يا رب، ومطعمه من حرام، ومشربه من حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟». الشاهد أنه قال: يا رب، يا رب. فذكر بعض الشراح أن هذه الكلمة، من معنى هذا النداء بهذا الاسم العظيم، يعتبر من الوسائل التي أو الوسيلة التي يستخدمها العبد، والتي يتوسل بها إلى الرب سبحانه وتعالى لإجابة دعائه، فيقول: يا رب، يا رب، أو ربنا كذا، مثل هذه الآيات: ﴿رَبَّنَا فَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾، ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾، وغيرهم الآيات التي تقدمت وفيها النداء بهذا الاسم العظيم. قال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾، أي: أجاب الله دعاءهم، دعاء العبادة ودعاء الطلب. وقال: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾، فالجميع سيلقون ثواب أعمالهم كاملًا موفَّرًا، أي: كلكم على حد سواء في الثواب والعقاب. ولهذا هذه الآية كما قال جل وعلا: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾، بمعنى: بعضكم مثل بعض. بعضكم مثل بعض، مثل قول الله عز وجل: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. وقوله هنا: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾، أي: بعضكم مثل بعض في الثواب وفي الجزاء. فلا فرق عند الله عز وجل بين رجل وامرأة، فكلهم عند الله عز وجل سواء. فأكرم الناس عند الله هو المتقي: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وأما كونه ذكرًا أو أنثى فهذا لا فرق، وإنما العبرة بتقوى الله جل وعلا والعمل الصالح. فلهذا الله عز وجل قال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾. جاء في الترمذي عن أم سلمة أنها قالت للنبي عليه الصلاة والسلام: إن الله عز وجل لم يذكر جزاء النساء، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. والحديث فيه شيء من الضعف، لكن ذكره العلماء في سبب نزول هذه الآية لبيان المعنى: معنى أن الرجل أو أن الأنثى مثل الذكر، المرأة مثل الرجل. وجاء في حديث السنن، قال النبي عليه الصلاة والسلام، وهو حديث أيضًا أم سلمة، جاء عند أحمد وأصله في الصحيحين، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «النساء شقائق الرجال، النساء شقائق الرجال». ولهذا تقرر عند أهل العلم أن المرأة في الحكم مثل الرجل إلا إذا جاء الدليل بالتخصيص. المرأة في الحكم أو في الأحكام مثل الرجل، أي حكم، حتى لو جاء فيه لفظ رجل، فالأصل أن حكمه حكم المرأة أيضًا داخل في هذا الحكم، إلا أن يأتي التخصيص من الشرع، أن يأتي التخصيص من الشرع، أو يأتي إجماع من العلماء. مثلاً على سبيل المثال: شهادة الزنا، الله عز وجل ذكر أربعة شهداء، فأجمع العلماء على أن المرأة لا تشهد في الزنا. معناه: شهادة الزنا، وشهادة البضع، أو الأمور هذه التي يكون فيها انتهاك العرض، فهذه لا تشهد فيها المرأة بإجماع العلماء، وإنما يشهد الرجال. وإلا، كما قلنا: الأصل أن النساء شقائق الرجال في الأحكام، كل ما كان للرجل كان للمرأة. ولهذا حتى في الصلاة، في الصلاة الصحيح أن المرأة تفعل مثل الرجل، وليس مثل ما قاله بعض الفقهاء: أن المرأة تضم نفسها ولا تفرش، سواء كان في السجود أو في الركوع أو في غير ذلك. والصحيح أن المرأة مثل الرجل، لها أن تفرش في السجود أو في غيره، إلا إذا كانت تصلي مثلاً عند أجانب، حتى لا يرى منها شيء، مثلاً مما تكره، شيء يظهر عورتها أو يحجم عورتها، فهنا لها أن تضم. وإلا الأصل أنها تفعل مثل الرجل. وكانت كما ذكر الشيخ الألباني رحمة الله عليه أثرًا عن أم الدرداء، كانت امرأة فقيهة، أم الدرداء الصغرى، قال: فكانت إذا جلست افترشت، إذا جلست افترشت على مثل، على السنة. فلهذا فالأصل أن المرأة تفعل مثل ما يفعل الرجل في الأحكام. أحكام المرأة أحكام الرجل إلا إذا جاء التخصيص من الشرع. قال الله عز وجل: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾. قال: فجمعوا بين الإيماء، بين الإيمان والهجرة، ومفارقة المحبوبات من الأوطان والأموال، طلبًا لمرضاة ربهم، وجاهدوا في سبيل الله. أن هذه الآية جمعت أصنافًا من أصناف الخير العظيمة. فالذين هاجروا: في الهجرة من الأمور العظيمة التي أمر بها الإسلام، الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، والهجرة من بلاد التي يفتن فيها الإنسان إلى بلاد يأمن فيها، يهاجر مثلاً من أماكن البدعة وأماكن الفساد إلى أماكن السنة وأماكن الطاعة، وأيضًا مأمن دينه، مأمن دينه. والأصل وحقيقة الهجرة كما جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن عمر: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه». فالأصل الهجرة هو هجرة ما نهى الله عز وجل عنه. فإذا كان الرجل لم يأمن على دينه أن يقع في ما نهى الله عز وجل عنه، فإنه يخرج من ذلك المكان، وتكون هجرة صحيحة. وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية»، هذا خاص في مكة، هذا الحديث خاص في مكة، بعد فتحها صارت بلاد إسلام، لم تكن أو لا يكن بعد ذلك فيها هجرة. وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين أن الهجرة انقطعت من مكة إلى المدينة، لأن مكة صارت بلد إسلام بعد أن كانت تحت وطأة الكفار. وقوله: ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾، أي: هجروا من ديارهم، وبعد الأذية التي أصابتهم، أي: آذاهم، أو آدوهم قريش، وحاولوا أن يفتنوهم عن دينهم بشتى الوسائل، بشتى التعذيب. ولما ازداد التعذيب للصحابة حتى أن بعضهم استصعب هذا التعذيب، جاء في صحيح البخاري أن خباب بن الأرت رضي الله عنه جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: وكان مستند النبي صلى الله عليه وسلم على الكعبة، فقال: يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «قد كان من قبلكم، كان يؤتى بالرجل فيحفر له حفرة، وينشر بالمنشار ما دون مفرق رأسه، ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه، بين لحمه وعظمه، ولا يصده ذلك عن دينه، ولكنكم قوم تستعجلون». فلهذا زاد التعذيب، تعذيب قريش للصحابة رضي الله عنهم، فلما أكثروا هذا التعذيب، أمرهم نبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة، أمرهم نبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة. صحيح أنهم خرجوا اختيارًا، لكن تحت وطأة التعذيب، أنهم سيفتنون في دينهم، فلهذا خرجوا. وهذا أيضًا يدل على أن من رأى أن دينه أنه سيفتن في دينه لكثرة العذاب أو لكثرة الفتن، يجب عليه أن يرحل من ذلك المكان الذي فيه هذه الفتن، حتى لا يضر دينه. فهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم خرجوا لأجل دينهم، لأجل أن يسلم لهم دينهم. ولهذا كان أفضل الناس وخير الناس في زمن الفتن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رجل معه غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن، يفر بدينه من الفتن». فلهذا فالفرار من الفتن من الدين، ومن أفضل الأعمال. فلهذا كانت الهجرة من أعظم الأعمال. ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾، أن أصابهم الأذى من قريش، آذوهم أو غيرهم. فالآية وإن كانت خاصة، لكن كما هو مقرر عند أهل العلم أن العبرة بعموم المعنى لا بخصوص السبب، العبرة بالعموم، عموم المعنى، فكل من وقع في هذا فهو داخل في هذه الآية. ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. تكفير السيئات كما ذكرنا قبل، غالباً يكون مقابل الحسنات. فعندهم حسنات عظيمة: هجرة، وأيضًا خروج من ديارهم لأجل الله، من أوطانهم، وكذلك أذية في سبيل الله وابتلاء، وكذلك قتل وقتال، كل ذلك في سبيل الله جل وعلا. فكان أجرهم أن كفر الله عز وجل عنهم سيئاتهم، وأدخلهم، ووعدهم بدخول جناته سبحانه وتعالى. قال: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، قال: الذي يعطي عبده الثواب الجزيل على العمل القليل، فيعنى يعطيه ثوابًا عظيمًا وعملًا قليلاً. ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، أعطاهم جنات عظيمة يتمتعون فيها، ليس لهم نهاية وليس لهم فناء، بل ولا لنعيمهم فناء، يتمتعون إلى أبد الآبدين. فقال: ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. وهنا قوله جل وعلا: ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، أيش مراد: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾؟ فأكثر المفسرين يقولون: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾، أي: في الجنة نفسها، وليس تحت الجنة. معنى: ليس أنها أن الجنة في مكان وهي في مكان، لا، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾، أي: في نفس الموضع، لكن من تحتهم تجري هذه الأنهار من عندهم. معنى: كلما أرادوا شيئًا من هذا النهر، سواء كان من نهر الماء، أو من نهر اللبن، أو من نهر العسل، أو من نهر الخمر، شربوا منهم وأخذوا منهم، وعندهم الماء، وعندهم الفواكه، وعندهم كل شيء. وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، فكل ما اشتهته النفس جاءه هذا الذي اشتهاه. وهذه نعمة عظيمة ينعم الله بها عباده في تلك الدار العظيمة وهي الجنة. سأل الله عز وجل أن نكون منهم. ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾، أي: فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فمن أراد ذلك فليطلبه من الله بطاعته والتقرب إليه بما يقدر عليه العبد. ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾، أي: جنات عظيمة يعطيها الله عز وجل العبد. قال هنا: فيها ما لا عين رأت، كما جاء في الحديث في البخاري عن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قال الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين، أعددت لعبادي الصالحين، قال: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». أي: هذه العين ما رأت مثل هذا النعيم، وهذه الأذن لم تسمع بمثل هذا النعيم، بل ولم يخطر حتى على القلب، ولم يخطر حتى على القلب. فهذا كما جاء في الصحيحين، في حديث بموسى، أو أقصد في صحيح مسلم في حديث بموسى، في حديث أن موسى قال لربه: يا رب، من هو آخر أهل، آخر الناس دخولًا الجنة؟ فذكر له ربنا جل وعلا آخر الناس دخولًا الجنة، بعد أن يخرج من النار، فيجعل الله عز وجل له مثل عشر من ملوك الدنيا. هذا آخر من يخرج من النار إلى الجنة، يعني: قد خرج الناس كلهم، ومن كان في النار قد خرج بالشفاعة وبغيره، أو أنه انتهى عذابه، فهذا يخرج آخر الناس. فيدخل الجنة، فيتحصل من النعيم العظيم، حتى أنه يكون عشر أمثال أكبر ملوك الدنيا. فقال: وأعلاهم يا رب؟ قال: أولئك غرست كرامتهم، أو كرامتهم بيدي، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. أن الله عز وجل يقول: إن هؤلاء الذين هم أعلى أهل الجنة، غرس الله عز وجل هذه الجنة بيده جل وعلا، وكذلك قال: فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فلهذا فهذا النعيم العظيم يعطيه الله عز وجل لأهل الإيمان، ولمن تقرب إليه بالأعمال الصالحة، وأيضًا ترك ما يغضب الله جل وعلا، وجاهد وصابر في ذلك. فهذا ما يذكر في تفسير هذه الآية، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.