الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 126، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾ مبيناً أن المراد طائفة من أهل الكتاب آمنت بالله وبما أنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبما أنزل عليهم، خاشعين لله لا يشترون بآياته ثمناً قليلاً. ويرجح أنهم من أسلموا وأخفوا إيمانهم كنجاشي الحبشة، بدليل وصفهم بـ «أهل الكتاب» مع الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم.
يوضح المقطع أن من أهل الكتاب من آمن بنبيه ثم بمحمد ﷺ فله أجران، بينما من كفر بمحمد فقد كفره الله. وتصف الآيات المؤمنين الصادقين كالنجاشي الذين يخفون إيمانهم خوفاً، ويخشعون لله ولا يشترون بآياته ثمناً قليلاً، مقابل علماء السوء الذين يبدلون الأحكام لأجل المال، فشبههم السلف باليهود والنصارى المنحرفين.
يبيّن المقطع الصفات الثلاث التي مدح الله بها قوماً من أهل الكتاب: الإيمان بالرسول، والخشوع لله، وعدم اشتراء آياته بثمن قليل، مبيناً أن الآية نزلت فيمن أخفى إيمانه خوفاً من قومه. ويخلص إلى أن الله سمّاهم «أهل الكتاب» لأنهم لم يظهروا الإسلام، بينما من أظهر الإسلام يُعد مسلماً مؤمناً ولا يُوصف بأنه من أهل الكتاب.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾. يقول رحمه الله: أي وإن من أهل الكتاب طائفة موفقة للخير يؤمنون بالله، ويؤمنون بما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وهذا هو الإيمان النافع، لا كمن يؤمن ببعض الرسل والكتب ويكفر ببعض. فهذا الإيمان الذي أراده الله عز وجل من أهل الكتاب: أنهم يؤمنون به جل وعلا، ويؤمنون بأنبيائهم وما أنزل عليهم، وكذلك يؤمنون بما أنزل على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. وهذا الذي هم أنكروه، وهو الإيمان برسول الله صلى الله عليه وعلا، وإلا فهم مؤمنون بالله، وكذلك مؤمنون بما أنزل إليهم. لكن منهم من حرف في كتابه، ومنهم من بقي لكنه لم يؤمن برسول الله صلى الله عليه وعلا عليه وسلم، وأنكر رسالته، كما حصل من اليهود لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، فإنهم أنكروا. فقد جاء في الحديث الصحيح عند أحمد وغيره: لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، قال عبد الله بن سلام: فجئت فرأيت النبي عليه الصلاة والسلام، فرأيت وجهاً، فرأيت وجهاً ليس وجه كاذب أو كذاب. قال: ثم جئت إليه وسألته. وهذا أيضاً في صحيح مسلم: أن عبد الله بن سلام جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وسأله عدة أسئلة في الولد ومن أين يأتي، وعلى أن هذه المعلومات لا يعلمها كما قال عبد الله بن سلام إلا نبي أو رجل أو رجلين. وكان عبد الله بن سلام من أحبار يهود، من علمائهم، فآمن بالنبي عليه الصلاة والسلام. ثم قال للنبي عليه الصلاة والسلام: اجمع اليهود وسلهم عني. فلما جمعهم، فقال: ماذا تقولون في عبد الله بن سلام؟ فقالوا: خيرنا وابن خيرنا. فقال: فإنه أسلم. فقالوا: نعوذ بالله من ذلك. فخرج عليهم عبد الله بن سلام وتشهد بالشهادتين، فقالوا: شرنا وابن شرنا. فاليهود كما قال عبد الله بن سلام: قوم بهت يفترون وينكرون في وقتهم. وهذه الصفة كانت دائمة وملازمة لهم، إلا يؤمن هذا، فلذلك لم يؤمنوا، بل أنكروا نبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مع أنه كما وصفهم الله عز وجل يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، يعرفون النبي عليه الصلاة والسلام كما يعرف أحدهم ابنه، من كثرة وصف الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم في كتبهم، إلا أنهم أنكروا ذلك. ولهذا علق الله عز وجل إيمانهم بإيمانهم برسول الله صلى الله عليه وسلم. وتجد في القرآن أن الله عز وجل خاطبهم بأهل الكتاب في آيات كثيرة، وخاصة في سورة آل عمران، لأن هذه السورة أكثرها رد على النصارى وكذلك على اليهود. أن آيات كثيرة في آل عمران يرد فيها ربنا جل وعلا على شبه اليهود والنصارى، وقيل أنها رد على نصارى نجران لما جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام في السنة التاسعة. فالمهم أن هذه السورة وصفهم الله عز وجل بأهل الكتاب. وهنا في هذه الآية قال: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ ﴾. فمن العلماء من قال: أن المراد من هذه الآية من أسلم منهم، آمن بكتابه وما أنزل إليهم، وأسلم أيضاً بعد ذلك، كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وغيرهم ممن أسلم في زمن النبي عليه الصلاة والسلام أو من بعده. وهذا قاله طائفة من المفسرين، وجاء عن أكثر السلف، جاء عن جابر وعن ابن عباس، بل جاء موصولاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس. إلا أن أكثرهم رووه عن ثابت عن الحسن البصري: أن هذه الآية نزلت في أصحم النجاشي ومن كان مثله. أصحم النجاشي كان مؤمناً بالله، لكنه كان في قوم النصارى، فأخفى دينه وأخفى إيمانه. فهذه الآية قال أكثر السلف أنها نزلت في النجاشي ومن كان مثله. وهذا الذي رجحه أكثر المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية، وكذلك ابن القيم وابن كثير وغيرهم من محقق أهل العلم. لأن الله عز وجل هنا وصفهم بأهل الكتاب، وأما من أسلم منهم وأظهر إسلامه فلم يأتي في القرآن أن سماه الله عز وجل أنه من أهل الكتاب، وإنما يسمي الله عز وجل أهل الكتاب من كان لم يؤمن، أو أنه آمن لكنه لم يقم بشرائع الإسلام الظاهرة، فلهذا سماهم أهل الكتاب. وهنا قال: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾. وقال أيضاً: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ لما ذكر أهل الكتاب، قال: ﴿ مِنْهُمْ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾. فهؤلاء من أهل الكتاب، لكنهم لم يظهروا إيمانهم أمام قومهم، كما قلنا مثل النجاشي. فالنجاشي أسلم وآمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، وهو أيضاً مؤمن بما أنزل الله عز وجل على نبيهم عيسى، فلهذا طبقت عليه هذه الآية، وسماهم الله عز وجل أهل الكتاب. ولهذا جاء في الحديث في الصحيحين حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين»، وذكر منهم: «رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم». آمن بنبيه، وكان مؤمناً مطبقاً لشريعته، فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام. وأما من كان من أهل الكتاب مؤمناً بما كان عليه نبيه ثم لم يؤمن بنبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهؤلاء كفرهم الله. أو لا، كفرهم الله عز وجل في القرآن: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾. وقال أيضاً جل وعلا في أهل الكتاب في اليهود والنصارى أيضاً كفرهم الله عز وجل في آيات كثيرة. وقال جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ أو قال الفاسقين. وهنا الفسق المراد به فسق الخروج وهو الكفر. فلذلك في الآيات التي جاءت في القرآن، كفر الله عز وجل من لم يؤمن برسول الله صلى الله عليه وآله. وإنما ذكر إيمان من آمن بما هم عليه مما جاءهم به من أنبيائهم، ثم آمن برسول الله. ولهذا قال هنا: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ ﴾. يؤمنون بما أنزل إليكم وما أنزل إليهم. فلذلك فهذه الآية نزلت في النجاشي ومن كان مثله، ممن يخفي إسلامه، مثل مثلاً امرأة فرعون كما ذكر الله عز وجل، نسبها إلى فرعون لكنها مؤمنة. كذلك مؤمن بني إسرائيل، نسبه إلى قوم فرعون، وقال: ﴿ وَقَالَ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ﴾. فكان من آل فرعون، أي من قبيلتهم ومن جنسهم، لكنه كان يكتم إيمانه. وتجد أيضاً كثيراً من هؤلاء كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو الواقع أيضاً: من يؤمن بدين الإسلام لكنه لا يستطيع أن يظهر لأن قومه قد يقتلوه، عن من اليهود أو من النصارى أو من غيرهم من المشركين. فلذلك ما يستطيع أن يظهر دينه أمامهم، لكن يحاول أن يؤدي مثلاً الصلاة وغيرها بالخفية. فهذا عذرهم الله عز وجل، وجعلهم ممن يؤتى أجرهم مرتين، كما قال في هذه الآية: ﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾. أولئك لهم أجرهم عند ربهم، لأنهم لا يعلمون... لأنهم آمنوا لكن خافوا على دينهم. حتى النجاشي مع أنه ملك الحبشة إلا أنه خاف على نفسه، أنه إذا آمن يقوم هؤلاء فيقتلوه، أي النصارى. فلذلك لم يكن أحد يعلم بإسلامه. ولما مات، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن ملكاً... أو أن أخاً لكم قد مات بالحبشة، فقوموا فصلوا عليه». فجاء في حديث أنس في المسند أن بعض المنافقين قالوا: كيف يصلي على علج، أو على علج مات وهو من النصارى؟ كيف يصلي عليه؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾. وقال الله عز وجل أيضاً في مثل هذا النوع: ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ﴾. وهذه أيضاً نزلت في النجاشي رضي الله عنه. فقال المؤلف رحمه الله: وهؤلاء أهل الكتاب والعلم على الحقيقة، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾. ومن تمام خشيتهم لله أنهم لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا، فلا يقدمون الدنيا على الدين، كما فعل أهل الانحراف الذين يكتمون ما أنزل الله ويشترون به ثمنا قليلا. الله عز وجل في هذه الآية ذكر أهم الصفات التي اتصف بها هؤلاء، ولم يتصف بها اليهود ولا النصارى، مع أنهم أخلوا بها أعظم الأشياء التي أخلوا بها: أولاً عدم الإيمان بما أنزل إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم. وأيضاً عدم خوفهم من الله، عدم خوفهم وخشوعهم من الله. والأمر الثالث: أنهم يشترون بآيات الله ثمنا قليلا. والمراد بـ «يشترون بآيات الله ثمنا قليلا»: أن يحرفون الكتاب ويبدلون الأحكام لأجل أن يأخذوا أموالاً من الناس. يقول ربنا جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾. فهم يأكلون أموال الناس بالباطل لأجل أكلهم السحت، ولأجل أيضاً تغييرهم لدين الله. فمن جاء إليهم يريد حكماً، أعطوه ما أراد، أعطوه ما أراد حتى يحصلوا على شيء من الدراهم. فلذلك ذكر الله عز وجل هذه الصفة الخبيثة في أهل الكتاب: أنهم يشترون بآيات الله ثمنا قليلا، أي أنهم يبدلون الأحكام، ويقولون: هو من عند الله، وما هو من عند الله، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون. فهذه كانت أكثر الصفة في اليهود، لأنهم يدعون العلم، فلذلك فهم يأخذون أموال الناس، وأموال من كان على دينهم، حتى يسهلوا لهم في الأمر، حتى يسهلوا لهم في هذا الأمر. فلذلك قال سفيان بن عيينة رحمة الله عليه: «من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى». فلذلك العلماء، أو من العالم الذي يكون من المسلمين يتبع الدنيا ويأكل أموال الناس بالباطل، فهو شبه باليهود، شبه باليهود: معنى استعمل علمه واستعمل دينه في أكل أموال الناس بالباطل وأخذ الأموال بالباطل، فهذا شبه اليهود الذين وصفهم الله عز وجل بهذه الأوصاف. فلذلك نزه الله عز وجل هؤلاء فقال: ﴿ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾. فلذلك كما قلنا وصفهم بهذه الأوصاف العظيمة، وهي ثلاث أوصاف، هذه لم توجد في اليهود والنصارى، أو أكثر ما ذمهم الله عز وجل في القرآن بسببها: أولاً: الصفة الأولى أنهم لم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وآله. وصفة ثانية: أنهم ليسوا أهل دين، ليسوا أهل دين، معنى ما يخافون الله ولا يخشعون لله عز وجل. والخشوع هنا: خشوع القلب وخشوع الجوارح. أي أن خشوع القلب: أن يخاف القلب ويخضع لله جل وعلا. وخشوع الجوارح المراد به: أن تعمل هذه الجوارح بما أنزل الله عز وجل. والمراد بالخشوع أيضاً: الخوف. ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾. فلذلك عندهم خوف وخشية، وأيضاً كذلك خشوع وخضوع لله جل وعلا. فقال: ﴿ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ ﴾. هذه الصفة الثانية. والصفة الثالثة: أنهم لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا. فهذه الصفات لا توجد في أهل الكتاب، لا توجد في أهل الكتاب، لكن من وجدت فيه فهو يدخل في أهل الإيمان. من وجدت فيه فهو داخل في أهل الإيمان، ولو لم يظهر دينه، ولو لم يظهر دينه، لكنه آمن بهذه الأشياء الثلاثة أو عمل بها: آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، وأيضاً كذلك خشع لله وخضع على ما جاء به نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك لم يشترِ بآيات الله ثمنا قليلا. فلذلك تجد أن الرشوة والربا والسحت وأكل أموال الناس الباطل، هذا من أعظم علامات اليهود إلى الآن. فهم دعاة الربا، وهم أيضاً مروجي الربا، والبنوك الربوية في العالم هي لليهود، فهم يحبون المعاملات الربوية وأكل أموال الناس بالباطل. فلذلك وصفهم الله عز وجل بهذه الصفات. أي: وصف الله عز وجل هؤلاء، وإن كانوا من أهل الكتاب، جعلهم من أهل الكتاب. ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾. فلذلك كما قلنا: أشكل على بعض أهل العلم: لماذا يصفهم الله عز وجل بأهل الكتاب وهم مؤمنون بالله وبرسوله؟ فقال كثير، كما قلنا، من السلف، وهو قول شيخ الإسلام وابن القيم وغيرهم: أن المراد بهذه الآية من أخفى إيمانه، أنه من أخفى إيمانه عند أناس من الكفار، لم يستطع أن يظهر دينه، لم يستطع أن يظهر دينه، لكن كان معه هذه الثلاثة الأمور: يؤمن برسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، وكذلك يخشع لله ويخضع لله عز وجل بما أنزل الله عز وجل على نبيهم وعلى نبينا عليه الصلاة والسلام، وكذلك أيضاً لا يشتري بآيات الله ثمناً قليلا، بل يعظم كتاب الله، ويعظم أيضاً ما أنزل الله عز وجل من الحلال والحرام. فهؤلاء الذين وصفهم الله عز وجل بهذه الصفة، وهؤلاء أهل الكتاب العلم على الحقيقة، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾. ومن تمام خشيتهم لله أنهم لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا، فلا يقدمون الدنيا على الدين، كما فعل أهل الانحراف الذين يكتمون، يكتمون ما أنزل الله ويشترون به ثمنا قليلا. قال: وأما هؤلاء فعرفوا الأمر على الحقيقة، وعلموا أن من أعظم الخسران: الرضا بالدون عن الدنيا، والآخر: الرضا بالدون عن الدين. من رضوا بهذه الدنيا يأخذون أموالاً من الناس ويضيعون دينهم، فرضوا بهذا الدون عن الدين. قال: والوقوف مع بعض حضوض النفس السفلية، وترك الحق الذي هو أكبر حظ وفوز، أكبر حظ وفوز من الدنيا والآخرة. فآثروا الحق وبينوه ودعوا إليه. فأي الظالم يقصد هؤلاء الذين أثنى الله عز وجل عليهم ودعوا إليه، وحذروا عن الباطل؟ فأثابهم الله على ذلك، لأن وعدهم الأجر الجزيل والثواب الجميل، وأخبرهم بقربه وأنه سريع الحساب، فلا، لا يستبطئ ما وعدهم الله، لأن ما هو آت محقق حصوله فهو قريب. فوعدهم الله عز وجل بهذا الأجر العظيم: ﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾. وتكفل الله عز وجل بأجرهم. وكما قلنا جاء في الحديث أنه يؤتون أجرهم مرتين. قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾. أي أنه يجازي المحسن بإحسانه، ويجازي المسيء بإساءته، وهو ربنا جل وعلا سريع الحساب. أي أن الحساب محقق، وما دم أن الأمر قريب فهو قريب. كما قال الله عز وجل في وصف الساعة: ﴿ عَسَى السَّاعَةُ أَنْ تَكُونَ قَرِيبًا ﴾. أنا قريبة منكم وموعدها قريب، وسيحاسبكم الله عز وجل. فمن كان محسناً فهو في خير، ومن كان مسيئاً فلا يلومن إلا نفسه. فخلاصة ما يذكر في هذه الآية: أن هذه الآية نزلت في أهل الكتاب الذين كانوا يخفون إيمانهم بالله جل وعلا، وبما أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وعلى وسلم. وكان بعضهم في المدينة أيضاً كذلك، كان بعضهم في المدينة من اليهود لا يستطيع أن يظهر إيمانه حتى لا يقتله قومه. لكن بعد ذلك لما أظهر الله عز وجل الدين، دخل كثير من اليهود في دين الله جل وعلا، وكذلك جاء نصارى نجران إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأسلموا. فخلاص ما يذكر، كما قلنا: أن الله عز وجل أثنى عليهم بهذه الصفات الثلاث العظيمة، وسماهم أهل الكتاب لأنهم لم يظهروا دين الإسلام. وأما من أظهر دين الإسلام فهو مسلم مؤمن، ولم يصفه الله عز وجل بأنه من أهل الكتاب. فهذا خلاصة ما يذكر في هذه الآية، والله تعالى أعلم.