تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 127

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 127

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 127، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أقسام الصبر وفضله في ضوء آية الصبر والمصابرة

يشرح العلامة السعدي الآية الكريمة التي تأمر المؤمنين بأربع ركائز: الصبر، والمصابرة، والمرابطة، وتقوى الله. ويبين أن الصبر ثلاثة أنواع أعظمها الصبر على الطاعة، مستشهداً بأحاديث المداومة على العمل القليل.

تفصيل أنواع الصبر الثلاثة: الطاعة والمعصية والمصائب

يستعرض المقطع ثلاثة أنواع للصبر: الصبر على الطاعة كما فعل النبي والسلف، والصبر عن المعصية المرتبط بالاختيار المحض كما في قصة يوسف، والصبر على المصائب محتسباً الأجر. ويستدل بآيات من سورة البقرة وآل عمران.

معاني المصابرة والمرابطة والفرق بينهما

يشرح المقطع الفرق بين الصبر والمصابرة والمرابطة، فالمصابرة هي الاستمرار والملازمة على الصبر ومقاومة الأعداء. والمرابطة هي لزوم الثغور لحراسة بلاد المسلمين أو المداومة على الطاعات كالصلاة.

نشأة الثغور والرباط في عهد عمر بن الخطاب

يوضح المقطع أن الثغور المتمركزة نشأت في عهد عمر رضي الله عنه لتأمين الشام والعراق. وينقل خلافاً بين المفسرين حول المراد بالرباط في الآية بين رباط الجهاد ورباط الصلاة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قوله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾، فقال رحمه الله: ثم حث المؤمنين على ما يوصلهم إلى الفلاح، وهو الفوز بالسعادة والنجاح، وأن الطريق الموصل إلى ذلك لزوم الصبر، الذي هو حبس النفس على ما تكرهه من ترك المعاصي، ومن الصبر على المصائب، وعلى الأوامر الثقيلة على النفوس، فأمرهم بالصبر على جميع ذلك. فهذه الآية ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، والنداء يوجهه ربنا جل وعلا لأهل الإيمان، وقد جاء واشتهر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقول: إذا سمعت في القرآن ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فأرصد لها سمعك، فإنما أمر تؤمر به أو نهي تنهى عنه، فلذلك يأتي غالبًا بعد هذا النداء حكم من الأحكام العظيمة أو أمر أو نهي. وفي هذه الآية أوامر ثلاثة، بل أربعة: الصبر، والمصابرة، والرباط، والتقوى. فهذه الأربعة الأشياء وأربعة الركائز هي الموصلة إلى الله جل وعلا، وهي سبب الفلاح، فهي سبب الفلاح في الدنيا، أي الفلاح الذي يكون في الآخرة: الصبر، والمصابرة، والمرابطة، وأيضًا تقوى الله جل وعلا، وهي أساس الأساس وركيزة هذه الأشياء. فلذلك حث الله عز وجل أهل الإيمان على ما يوصلهم كما قال المؤلف إلى الفلاح، وهو الفوز بالسعادة والنجاح، وأن الطريق الموصل إلى ذلك أولًا لزوم الصبر. والصبر ثلاثة أقسام: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على أقدار الله المؤلمة. فهذه أقسام الصبر التي ينبغي للمسلم أن يلتزمها، وبحسب هذه الثلاثة الأشياء والصبر فيها بحسب إيمان العبد، كلما زاد إيمانه زاد صبره، وكلما زاد صبره زاد إيمانه، وهكذا. فلذلك أعظمها هو الصبر على الطاعة؛ لأن النفس غالبًا تتفلت، وغالبًا ما تصبر على الالتزام، فلذلك كانت كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما: أن الصبر على الطاعة من أعظم الصبر، أن العبد يصبر على الطاعة. ولهذا تجد أن هذه الطاعات ما تأتي إلا بالممارسة، أن الإنسان يمر عليها فيصبر، يصبر. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا عمل عملًا أثبته، أثبته، كما قالت عائشة رضي الله عنها: كان إذا عمل عملًا أثبته، لا يتركه بل يداوم عليه، بل يداوم عليه. وأيضًا جاء في الحديث الآخر وهو في الصحيحين أيضًا، حديث عائشة: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»، «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»، أي وإن كانت قليلة لكن يداوم عليها العبد، فالدوام من أعظم ما يستعين به العبد على الطاعة حتى يتمرن عليها فتصير مثل العادة، حتى يتعود عليها فتصير هذه العبادة مثل العادة له. فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان يجهد نفسه في الطاعة ويصبر، حتى قالت عائشة: يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: «يا عائشة، أفلا أكون عبدًا شكورًا؟» فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، تتشقق من كثرة قيامه عليه الصلاة والسلام. وكان أيضًا هذا ديدن السلف حتى صار ديدنًا لهم، وأيضًا عادة لهم أنهم يقومون الليل، فمنهم من يقوم من أول ثلث الليل، ومنهم من يقوم نصفه، كما ذكر ذلك عنهم ربنا جل وعلا: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ ﴾، فالله عز وجل شهد لهم بهذا، وهذا كله لأنهم صبروا على الطاعة حتى تعودت أنفسهم طاعة الله جل وعلا. وكذلك الأمر الثاني: الصبر عن المعصية، وهي أيضًا لها مكانة عظيمة، أن المسلم يصبر عن المعصية، يصبر عن الوقوع فيها، وكذلك عما يؤدي إليها، فيصبر طاعة لله، طاعة لله. ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن صبر يوسف على امرأة العزيز أعظم من صبره في السجن، أن صبر يوسف على امرأة العزيز أعظم من صبره على السجن. أحيانًا الصبر عن المصائب والآلام وغيره أحيانًا يكون اضطراريًا، وأحيانا يكون اختياريًا لإيمان العبد وتوكله على الله والاستعانة بالله جل وعلا، وأيضًا حتى الاضطراري أحيانًا أيضًا يرتبط أيضًا بالتوكل على الله والاستعانة به. لكن الصبر عن المعصية أعظم؛ لأنه متعلق بالاختيار المحض، متعلق بالاختيار المحض، وأيضًا النفس تدعو إلى هذه المعصية، فلذلك فالصبر كما قال شيخ الإسلام: صبر يوسف عن امرأة العزيز أعظم من صبره عندما لبث في السجن. فلذلك الصبر عن المعصية له أيضًا مكان عظيم، وهو أيضًا موصل إلى الله جل وعلا. ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾، ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾، فالصبر عن المعصية هو تقوى الله جل وعلا، ولأجل الله سبحانه وتعالى. وقال الله عز وجل أيضًا في هذه الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾، ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾، فربنا جل وعلا يعين هؤلاء الذين يصبرون عن مثل هذه الأمور. وكذلك أيضًا الصبر الثالث: وهو الصبر على المصائب المؤلمة، ما يصيب الإنسان في هذه الحياة فيصبر؛ لأنه يعلم أنه من عند الله جل وعلا، فيصبر على أمر الله وعلى قضائه وقدره جل وعلا. وهذا المقصود به في قوله جل وعلا: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ﴾، هذه المصائب التي تصيب الإنسان في الدنيا. ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾، فالله عز وجل أعطاهم ثلاث جوائز: أولًا أعطاهم الصلاة والرحمة، ثم قال جل وعلا: ﴿ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾. فالصبر يكون على هذه الأشياء الثلاثة: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على أقدار الله عز وجل المؤلمة. فهذا أمر الله عز وجل بالصبر، قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا ﴾. وقال الشيخ السعدي هنا: قال: والمصابرة هي الملازمة والاستمرار على ذلك على الدوام، ومقاومة الأعداء في جميع الأحوال. والمرابطة: أن المصابرة الآن غير الصبر، الصبر هو تصبير النفس وحبس النفس عما تريد أو عما يضرها، فهذا صبر. وأما المصابرة فهو الاستمرار والملازمة، المصابرة: الاستمرار في الصبر والملازمة. معناها أنها مسألة أعظم من الصبر، معناها تأتي بعد الصبر، أي أن يصبر الإنسان نفسه، ويداوم على هذا الصبر، ويستمر عليه. وقيل: أن المصابرة هنا مقاومة الأعداء، مقاومة الأعداء في جميع الأحوال، فهذا أيضًا المصابرة. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا ﴾، أي قاوموا أعداءكم. وقد يكون المراد كما ذكر الحافظ ابن كثير والإمام القرطبي وغيره أنه أعم، فيكون المراد: ﴿ وَصَابِرُوا ﴾، أي التزموا واستمروا على ما أنتم عليه من الصبر. فإذا صبرتم على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى الأقدار المؤلمة، فاستمروا على ذلك، لا تضجروا، لا تضجروا من الصبر؛ لأن الصبر يحتاج إلى صبر، الصبر أيضًا يحتاج إلى صبر، وهو المصابرة، أن يصبر العبد نفسه على الصبر؛ لأن النفس سرعان ما تضجر، ما تتحمل مثلًا فترة، فسرعان ما تتفلت على الشخص، فلذلك يصبر، يصبر ويصابرها، أن يلجمها بالصبر. فالمصابرة معنى شيء زائد على الصبر، وهو الإلجام، إلجام النفس على الصبر. قال: والمرابطة، قال: والمرابطة هي الملازمة والاستمرار على ذلك على الدوام، ومقاومة الأعداء. قال: والمرابطة لزوم المحل الذي يخاف من وصول العدو منه، وأن يراقب أعداءهم ويمنعوهم من الوصول إلى مقاصدهم، ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾. فهذه المصابرة أو المرابطة جاءت في النصوص على قسمين: مرابطة الأعداء في الثغور، الثغر هو المكان الذي قد يدخل منه الأعداء إلى بلاد المسلمين، الثغر هو المكان الذي قد يدخل منه الأعداء إلى بلاد المسلمين، فيحتاج إلى مرابط، يحتاج إلى أناس يجلسون في ذلك المكان ويتمركزون مثل الحرس، يعني يكونون مثل الحرس في ذلك المكان حتى لا يمكنوا أعداء الله من الدخول إلى بلاد المسلمين، فيسمى ثغورًا. وقد كان في وقت السلف، في وقت التابعين، لما استولى أهل الإسلام في عهد عمر على الشام والعراق، فكانت ثغور أهل الإسلام في الشام، كانت الثغور أكثرها في الشام وفي أطراف العراق؛ لأن ذلك المكان هو مكان حدود الأعداء ودخولهم. ثم أن رقعة الإسلام توسعت في عهد عثمان بعد ذلك، وفي عهد علي ومعاوية، حتى بلغوا إلى مشارق الأرض ومغاربها، بلغوا إلى الهند والصين في عهد معاوية رضي الله عنه، وإلا كان كما قلنا يلزمون الثغور في الشام. ف هنا قوله: ﴿ وَرَابِطُوا ﴾، هل المراد به رباط الأعداء، أم أن المراد به الرباط الذي يكون في الصلوات والعبادات، وهو مثل المصابرة لكنه رباط من نوع خاص، وهو رباط الصلاة، أي انتظار الصلوات والصبر على الطاعة؟ جاء أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه قرأ هذه الآية، قال: وهذا الرباط إنما هو رباط الصلاة؛ لأنه لم يكن في عهد النبي عليه الصلاة والسلام رباط، أو لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثغور. وهذا كلام صحيح: أنه لم يكن هناك ثغور في عهد النبي عليه الصلاة والسلام يتمركز فيها المسلمون، وإنما حصلت هذه الثغور أو الرباط في الثغور في عهد عمر رضي الله عنه، لما أراد أن يحجز وأيضًا يؤمن الشام، يؤمن الشام والعراق من دخول الكفار إلى بلاد المسلمين. فلذلك قال أبو سلمة: أن الرباط هنا رباط الصلاة، وليس رباط العداء. لكن أكثر المفسرين على