كتاب النكاح من صحيح البخاري 94

كتاب النكاح من صحيح البخاري 94

الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 94، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حقوق الزوجين ومناقب عبدالله بن المبارك والأوزاعي

يستهل الدرس بحديث سلمان لأبي الدرداء في إعطاء كل ذي حق حقه وإقرار النبي ﷺ لذلك، ثم يسرد الشيخ سلسلة السند إلى عبدالله بن المبارك مبيناً مكانته العلمية والعبادية، ويختم بثناء الإمام مالك على الأوزاعي وسفيان الثوري وتفضيله للأوزاعي لدينه ودولته.

تواضع العلماء في الرواية وحديث عبدالله بن عمرو في موازنة الحقوق

يبرز المقطع تواضع يحيى بن أبي كثير في الرواية عن طلابه، وينقل حديث عبدالله بن عمرو بن العاص الذي نهى فيه النبي ﷺ عن الإفراط في العبادة على حساب حقوق الجسد والزوجة، مع ذكر أقوال العلماء فيمن يشتغل بالعبادة عن حقوق أهله، ورأي الشافعي في جواز ترك الجماع برضا الزوجة مع وجوب النفقة والكسوة والسكنى.

حقوق الزوجة في المبيت وحكم عمر بن الخطاب في انشغال الزوج

يبيّن المقطع أن انشغال الزوج بالطاعة أو طلب العلم لا يسقط حق الزوجة في المبيت، ويروي قصة عمر بن الخطاب الذي قضى بأن يقضي الزوج مع زوجته ليلة من كل أربع ليالٍ حتى لو لم يكن له غيرها، مستشهداً بأحوال العلماء الذين ينسون أوقاتهم في طلب العلم، ويعكس هذا الحكم حرصه على حفظ حقوق الزوجية واستقرار الأسرة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب: لزوجك عليك حق». قال أبو جحيفة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام، وورد بأبي جحيفة معنى ما حصل بين سلمان وأبي الدرداء، وهو أيضًا في الصحيحين. وقال سلمان لأبي الدرداء: «إن لزوجك عليك حقًا، وإن لجسدك عليك حقًا، فأعطي كل ذي حق حقه». فأخبر أبو الدرداء لذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: «صدق سلمان». قال رحمه الله: حدثنا محمد بن المقاتل، وهو المروزي من مرو، وأهل مرو نسبتهم مروزي، وهناك مرو أخرى يقال لها مرو الرود، والنسبة إليهم الرودي. وهذه في خراسان: مرو، ومرو الرود. وغالبًا نسبة العجم تجد أن فيها اختلافًا، ليس كنسبة العرب؛ فإن نسبة العرب غالبًا تكون على ما ينسب إليه، سواء كانت قبيلة أو منطقة، فيقال: مكي، مدني، من المدينة، يمني، ويقال أيضًا: شامي. لكن تجد في العجم غالبًا يتغير شيء من النسبة، مثلًا: أهل الري ينسبون رازيين، يقولون: رازي، أبو حاتم الرازي وهو من الري. وهكذا المرو، فيقال: مروزي. قال: حدثنا محمد بن المقاتل، وهو المروزي، قال: أخبرنا عبد الله، وهو ابن المبارك، إمام أهل خراسان، كان إمامًا في كل باب، حتى قال سفيان بن عيينة: «ما سبق أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله بن المبارك إلا في شرف الصحبة، إلا في شرف الصحبة». أنه كان عالمًا مجاهدًا حاجًا، وغير ذلك من صفات عظيمة، والزهد والورع والخشية، فكان يعرف بذلك، حتى كان الناس يحبونه. قال عبد الرحمن بن القاسم: قال: كنا يومًا في سفر مع عبد الله بن المبارك، قال: فكان يجلس ويحدث والناس حوله، قال: فقلت في نفسي، يقول عبد الرحمن بن القاسم: ما الذي رفع ابن المبارك هذه الرفعة؟ يحبونه الناس، وكذا إن كان ليصلي فإنا نصلي، وإن كان يصوم فإنا نصوم، وإن كان يحج فإنا نحج. معناه: يريد أيش؟ أن هذه الأعمال التي يعملها عبد الله بن المبارك نحن نعملها. معناه: يقول في نفسه: فبماذا ارتفع علينا؟ قال: فلما كنا جلوسًا إذا انطفأ السراج، فقام الناس يصلحونه، يأتون بالزيت، يأتون بكذا حتى يسرج السراج. قال: فلما أسرج السراج، قال: فنظرت إلى عبد الله بن المبارك، فإذا عيناه تدرآن، عيناه تدرآن. قال: فبذلك إذن، معناه: خشية الله، كان يخشى الله عز وجل، لما رأى الظلمة تذكر، لعله القبر، تذكر أشياء، فكان يدمع. فقال عبد الرحمن بن القاسم: قال: فعلمت أنه بذلك، أي: بخشية الله جل وعلا، يرفع الله عز وجل العبد، وخاصة العالم، بخشية الله، لأنه لا يخشى الله أحد إلا العلماء، العلماء هم الذين يخشون الله جل وعلا. ولهذا الخشية رأس العلم. لما قال عبد الله بن أحمد لأبيه: يا أبت، إني أرى معروفًا ليس عنده ذاك العلم - معروف الكرخي - قال: يا بني، سكت، عنده رأس العلم: خشية الله. قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الأوزاعي، وهو أبو عمرو الأوزاعي، وهو إمام من أئمة المسلمين. قال مالك رحمه الله: «لو خيروني لإمامة هذه الأمة لاخترت أحد الرجلين، لو خيروني إمامًا لهذه الأمة لاخترت أحد الرجلين: سفيان الثوري والأوزاعي، ولو خيروني لاخترت الأوزاعي». فالأوزاعي رجل دين ودولة، هكذا يقول مالك. وأما سفيان فهو رجل دين، أن الرجل خشية وبكاء، وأيضًا غيرها من هذه الأمور. لكن قال: لا يصلح، حتى جاء في رواية أنه قال: «لا يصلح أن يكون أميرًا»، بخلاف الأوزاعي رحمه الله، فتوفرت فيه صفات كثيرة، حتى شهد له مالك بن أنس وغيره من العلماء. قال: قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، وهو أبو نصر يحيى بن أبي كثير، كان عالمًا كبيرًا حافظًا. كان يحيى رحمه الله متواضعًا جدًا، حتى أنه كان يحدث عن طلابه. جاء عن بعض السلف أنهم كانوا يقولون: «لا ينبل الرجل، لا يكون نبيلًا، حتى يحدث عن من فوقه، ومن هو مثله، ومن هو دونه». يحدث هذا من التواضع في العلم. فكان يحيى يحدث عن طلابه، بل أنه حدث عن طلاب طلابه، كان يحدث عن هقل بن زياد، وهقل بن زياد هو كاتب الأوزاعي، فكان يحدث عنه يحيى بن أبي كثير. وقال همام: كنا نحدث يحيى بن أبي كثير في الغداة، فيحدثنا به بالعشي. معنى: ما يستأنف، هؤلاء يجد في نفسه شيئًا، هنا يحدثونه بحديث في الغداة، في مجلس العشي إذا جاء العصر يحدثهم بهذا الحديث الذي حدثوه بالصباح، ما يقول: هؤلاء سيقولون كذا وكذا، بل كان متواضعًا رحمه الله، وكان حافظًا، يقارن بحفظ الزهري رحمه الله. قال: والأوزاعي رحمه الله ضاعت عليه الأوراق التي كتبها عن الزهري، وقيل: إن الأوزاعي أخذ الحديث، أقصد عن يحيى بن أبي كثير، أخذه عنه وهو صغير، فلذلك كان يغلط في حديث يحيى. قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وهو ابن عوف، وكان عالمًا فقيهًا حافظًا. قال: حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص. وأبو سلمة أخو إبراهيم وحميد، لكن أبو سلمة أمه أخرى، أمه كلبية، وإبراهيم وحميد أمهما ثقفية، أخت عثمان بن عفان من الأم، فلذلك فعثمان خال إبراهيم وحميد. قال: حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يا عبد الله، ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟» قلت: بلى يا رسول الله. قال: «فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا». قال: فهذا الحديث حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. وجاء أن عمرو بن العاص هو الذي اشتكى عند النبي عليه الصلاة والسلام لأجل ابنه، لأنه جاء لما زوج عبد الله ابنه امرأة، جاءها بعد أيام، فقال: كيف عبد الله لك؟ قالت: نعم الرجل، قالت: نعم الرجل عبد الله، لكنه لم يكشف لنا كنفًا، لم يكشف لنا كنفًا، معناه: ما كان يأتي إليها، لأنه صائم بالنهار وقائم بالليل، وشغله العبادة. فذهب عمرو بن العاص إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك، فأنكر النبي عليه الصلاة والسلام على عبد الله بن عمرو. فلهذا ذكر العلماء في الرجل الذي يشتغل بالعبادة عن حقوق أهله. فهنا قال العلماء: إذا ترك أشياء ضرورية ك الجماع مثلًا، أو الطعام، وانشغل عن أهله بالعبادة، فهذا لا يجوز، لأن هذا ضرر. وأما إذا كان لا يترك شيئًا من الواجبات، مثل الفراش، مثل الطعام، مثل اللباس، يعطيها لباسها وطعامها، وهو مشغول بالعبادة والطاعة، هو مشغول بالعلم، فهنا لا شيء عليه ولا إثم عليه. وأما الشافعي رحمه الله فقال: إن ترك الجماع وهي راضية على ذلك، إذا رضيت لتركه الجماع، فإنه لا شيء عليه، لكن يفرض لها النفقة والكسوة والسكنى، وأن يأوي إليها، إذا أراد ينام ينام عندها. فلذلك: الذي يضيع حقوق زوجته وأهله فهو ملام وآثم، ولو كان الذي شغله الطاعة، شغلته العبادة، شغله العلم، شغله الجهاد في سبيل الله، شغلته الدعوة إلى الله، إذا كان مقصرًا في الحقوق الواجبة فهذا يلام. وأما إذا لم يكن كذلك فهذا لا يلام. ولهذا جاءت امرأة إلى عمر رضي الله عنه، كما ذكر ذلك عبد الرزاق المصنف، جاءت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين، زوجي خير الناس، يصوم النهار ويقوم الليل. فقال: فقال عمر: لقد أحسنت الثناء على زوجك. فقال كعب بن سور القاضي، قاضي عمر: قال كعب بن سور: لقد اشتكت، فعرضت عن الشكوى، أنت الآن هي اشتكت على زوجها، لكن أنت كأنك عرضت عن الشكوى. فقال: فقال عمر: اخرج عن مقالتك هذه، من أين جئت أنها اشتكت؟ فقال: أرى أن ينزل منزلة الرجل له أربع نسوة، له ثلاث أيام ولياليها، ولها يوم وليلة. يعني عمر يقول له: هات الحل، مدام أنها اشتكت أنه لا يأتيها. فهنا: معنى ما استطاعت المرأة أن تستحي وتصرح لعمر، فقالت له: نعم الرجل زوجي، يصوم النهار ويقوم الليل، عن أنه لا يأتيها. فقال عمر لكعب بن سور: اخرج من مقالتك، أنا مدام أنت عرفت أنها شكوى، فكيف الحل؟ فقال: أرى أن ينزل منزلة الرجل له أربع نسوة، له ثلاث أيام ولياليها، ولها يوم وليلة. أنا أقول: حقها بعد أربعة أيام، يأتيها يوم واحد بعد أربعة أيام، إذا كان ما يريد أن يأتيها كل ليلة، يأتيها بعد أربع ليال، ينام عندها. بمعنى: الله شرع أربع نساء، فحق المرأة أن يأتيها في الليلة الرابعة. فلهذا قال: يكون لها يوم من أربعة أيام، ولو لم يكن عنده أحد. معنى: يجوز أن ينشغل بالطاعة، يقوم الليل، وينشغل بالعلم. أحيانًا الإنسان قد تكون عنده مسألة يقوم عليها الليل، تذهب عليه أيام وهو في هذه المسألة، أو في هذا العلم. أحيانًا بعض أهل الحديث يكتب، يكتب حديثًا أو ينسى نفسه، مثل ما حصل لإسحاق بن راهويه، إسحاق بن راهويه رجل كان من علماء الحفاظ الأخبار. فذات يوم كان يكتب، كتب في ليلة الأربعاء، أو في ليلة الخميس، بدأ بالكتابة، ثم كتب وكتب، وكان عنده سراج، ما يدري، والغرفة كانت ظلمة، ما يدري هل هو نهار أو ليل، فكان يكتب ولا يدري. ثم أصبح يوم السبت، وظن أن هذا الصباح صباح الجمعة، فأصبح يوم السبت، فخرج، فقال: أتمشى قليلاً حتى أعقل أشيائي، قال: ثم ذهبت إلى السوق، فذهبت إلى البقال، فقلت له: أعطني كذا وكذا، قال: فرأيته يكتب في الدفتر يوم السبت، فقلت: يا فلان، اليوم يوم جمعة، فقال له البقال: أما صليت معنا الجمعة بالأمس؟ قال: فاستحييت. قال: فلما رجعت رأيت أني كتبت ليلتين ونهارًا، أنا ما حس أنه كتب هذه الفترة كلها حتى الجمعة، ضاعت عليه وهو يكتب. فيحصل هناك أشياء كثيرة وأمثلة كثيرة للعلماء في مثل هذه الأمور، فإنه ينسى حتى طعامه وشرابه لأجل العلم. فليس هناك كما قال ابن الجوزي رحمه الله: ليس هناك لذة في الدنيا كلذة العلم، ليس هناك لذة في الدنيا كلذة العلم لمن عرفها. فالمهم أن كعب بن سور قال: يجعل له ليلة من أربع، لثلاث ليال له، حتى ولو لم يبت، يذهب يطلب العلم أو يتعلم، لكن لا بد بعد أربع أيام يبيت عند زوجته. وجاء في رواية أن الشعبي قال: أن عمر قال لكعب: إذا فهمت ذلك فاقض بينهما، اقض بين هذا الزوج وزوجته، فقط هذا القضاء. فكان عمر يفرض على الناس هذا، يفرض على الناس أن يجامع الرجل امرأته، أو ينام عندها، لا يبتعد عن امرأته بعد ثلاث، ثلاث ليال له أن يبتعد، بعد ثلاث ليال لا بد أن يبيت عندها. طيب، هذا ما يذكر، فالله تعالى على ما يشاء قدير.