تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 29

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 29

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 29، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحريم إرث النساء كرهاً وأمر المعاشرة بالمعروف

يفسر السعدي آية النهي عن إرث النساء كرهاً كما كان في الجاهلية، حيث كان الورثة يستولون على أرملة قريبهن ويمنعونها من الزواج لانتزاع مهرها أو ميراثها. وبين أن الله حرم ذلك وأمر بمعاشرة النساء بالمعروف، مبيّناً أن الكره قد يخفي خيراً كثيراً.

عادات الجاهلية في إرث النساء ونكاح ذوات المحارم

كان أهل الجاهلية يتسابقون بإلقاء الثوب على أرملة الميت لتملكها وإرثها، كما كان الرجل ينكح زوجة أبيه، فحرم الله إرث النساء كرهاً ونكاح ما نكح الآباء. واعتبر من فعل ذلك في الإسلام مستحلاً للحرام ومرتداً يستحق القتل.

النهي عن عضل النساء واستثناء الفاحشة المبينة

يشرح المقطع تحريم عضل المرأة (منعها من الزواج أو إبقاؤها معلقة) بهدف انتزاع المال أو إجبارها على الخلع، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾. ويبين أن العضل لا يجوز إلا إذا أتت المرأة بفاحشة مبينة، فيجوز حينئذٍ منعها بالعدل كعقوبة لتفتدي نفسها.

ختام الدرس والإشارة لاستكماله لاحقاً

يختتم المتحدث الدرس الحالي معلناً الاكتفاء بما تم طرحه، ويؤكد على استكمال الشرح في الدرس اللاحق إن شاء الله، مع إسناد العلم لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ إلى آخر الآيات. قال رحمه الله: كانوا في الجاهلية إذا مات أحدهم عن زوجة، رأى قريبه - كأخيه أو ابن عمه ونحوهما - أنه أحق بزوجته من كل أحد، وحماها من غيره، أحبت أو كرهت. فإن أحبها تزوجها على صداق يحبه دونها، وإن لم يرضها عضلها فلا يزوجها إلا من يختاره، وربما امتنع من تزويجها حتى يبدو له شيء من ميراث قريبه أو من صداقها. وكان الرجل أيضًا يعضل زوجته التي يكرهها ليذهب ببعض ما آتاها. فنهى الله المؤمنين عن جميع هذه الأحوال، إلا حالتين: إذا رضيت واختارت نكاح قريب زوجها الأول، كما هو مفهوم قوله: ﴿ كَرْهًا ﴾. والآن المراد من هذه الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ﴾، أي: أن تجعلوهن كالإرث. كان أهل الجاهلية يجعلون المرأة مثل الإرث، يرثها كأنها مملوكة. وكانت عندهم عادة: إذا مات الرجل وترك زوجته، فيأتي ابنه الذي ليست هذه أمه، أو يأتي أخوه، أو كذلك قريب له من ورثته، فيأتي ويلقي الثوب على هذه المرأة. كأنهم متسابقون: الذي يلقي الثوب أولًا هو يأخذ هذه المرأة. فإذا مات الزوج تسابقوا على إلقاء الثوب على هذه المرأة، فمن ألقى ثوبه أولًا فهي تكون في حوزته، فيختار بعد ذلك: إن شاء تزوجها. ولأنه كان الرجل في الجاهلية يتزوج امرأة أبيه، لهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ﴾، أي: ما حصل في الجاهلية فمعفو عنه. فكان الرجل في الجاهلية ينكح زوجة أبيه، يعني يتزوج زوجة أبيه. ولهذا جاء في حديث البراء أن رجلًا تزوج بزوجة أبيه في الإسلام، فأرسل النبي عليه الصلاة والسلام إليه سرية، وأرسل أبو بردة بن نيار ومعه مجموعة إليه أن يقتلوه، وأن يخمسوا ماله، فيجعلون فيه الخمس. وعنَى أنه مرتد؛ لأنه عقد عقد نكاح، كما قال الطبري: لأنه عقد عقد النكاح، فمعنى ذلك أنه استحل الحرام. فكانت هذه عادة الجاهلية، ففعل على عادة الجاهلية فتزوج بامرأة أبيه. سواء كانت امرأة أبيه أو امرأة أخيه وغيره، فيأتي هذا الجاهل ويلقي الثوب على هذه المرأة، فإذا ألقى الثوب على هذه المرأة كأنها ملكته، صارت من إرثه، دخلت في إرثه، فله أن يتزوجها، وله كذلك أن يزوجها غيره. فقال الله عز وجل: ﴿ لَا يَحِلُّ لَكُمْ ﴾، أي: حرام عليكم ﴿ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ﴾، أي: تكرهوهن على الإرث. وهذا الإكراه لا يجوز، وهو حرام: أن تكره المرأة على الإرث، بمعنى تجعل إرثًا، بمعنى يجبرونها على هذا. فإما أن يتزوج هذا الرجل أو هذا القريب، أو يزوجها غيره، أو يعضلها، يعضلها: يمنعها من الزواج حتى تعطيه شيئًا، يمنعها من الزواج حتى تعطيه شيئًا. فقال الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ﴾. وقيل في المرأة بقوله: ﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ ﴾، بقوله: ﴿ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ﴾: أن المراد بها لا يجوز للزوج أن يعضل، أن يمنع. العضل هو المنع: أن يمنع زوجته من أن يأتيها ولا يطلقها، يجعلها كالمعلقة، أن لا هو يأتي إليها وينفق عليها، ولا هو يطلقها، يجعلها معلقة. لأجل إيش؟ لأجل أنها تخلع هي، فترجع له بماله، فترجع له بماله. فهنا النبي صلى الله عليه وسلم، فالله عز وجل نهى عن ذلك: ﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ ﴾، لا يجوز لكم أن تمنعوا المرأة من حقها لأجل أنكم تريدونها تختلع وترجعون ما لكم. ﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ﴾. فقال جل وعلا: ﴿ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾. هنا يقول المؤلف رحمه الله: ﴿ كَرْهًا ﴾. وإذا أتين بفاحشة مبينة كزنا، والكلام الفاحش، وأذيته لزوجها، فإنه في هذه الحال يجوز له أن يعضلها عقوبة لها على فعلها، لتفتدي منه، إذا كان عضلًا بالعدل. وعضل بالعدل: أي منع بالعدل، بمعنى ليس فيه ضرر على المرأة ضررًا كبيرًا عليها، لكن يمنعها أن لا يأتيها ولا يطلقها، يتركها هملًا، يتركها كالمعلقة. فهذا يجوز هنا إذا فعلت، أو إذا فعلت فاحشة مبينة. طيب، إن شاء الله تعالى نكمل في الدرس اللاحق، ونكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر