تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 53

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 53

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 53، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حق الله في العبادة وتوحيد الألوهية

يفسر السعدي آية النساء 36 موضحاً أن أول الحقوق هو عبادة الله وحده لا شريك له، وأن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية والانقياد لأوامره. ويبين أن شرط "لا إله إلا الله" هو الانقياد، وأن الاستكبار عن طاعة الله يعد كفراً كما فعل إبليس.

كفر من يعتقد الخروج عن شريعة النبي وخطر الشرع اللدني عند الصوفية

يقرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن من جوز الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم كما خرج الخضر عن شريعة موسى فهو كافر بإجماع المسلمين، لأن ذلك يعني عدم الانقياد لله. وينبه إلى بدعة الصوفية الغلاة في تقسيم الشرع إلى شريعة للعامة وأخرى للخاصة (الشرع اللدني) مستدلين بآية "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" لإسقاط الفرائض عمن يزعم وصوله لليقين، مع أمثلة واقعية لمن تركوا الصلاة والصيام وادعوا الولاية.

شروط صحة العبادة وإخلاصها لله وحده

توضح أن العبادة الصحيحة تتطلب المحبة والخضوع الاختياري لله، ولا تصح مع الإكراه أو الرياء. وتؤكد تحريم الشرك بكل أشكاله لأن المخلوقين لا يملكون نفعاً ولا ضراً، فالعبادة حق خالص لله ذي الكمال المطلق، ثم يليها القيام بحقوق العباد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة السعدي رحمه الله عند تفسير قول الله جل وعلا: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾ [النساء: 36]. قال رحمه الله: يأمر تعالى عباده بعبادته وحده لا شريك له، وهو الدخول تحت رق عبوديته والانقياد لأوامره ونواهيه محبة وذلاً وإخلاصاً له في جميع العبادات الظاهرة والباطنة. وهذه الآيات سماها بعض العلماء آيات الحقوق العشر أو الوصايا العشر؛ لأن الله عز وجل أمر فيها بعشر حقوق. حق الأول والعظيم هو عبادته سبحانه وتعالى، حقه جل وعلا كما جاء في حديث معاذ: «أتدري ما حق الله على العباد، وحق العباد على الله؟» قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً». فهذا الحق العظيم الذي جعله الله عز وجل أمراً عظيماً وغاية حميدة يطلبها العباد، أو أمرهم الله عز وجل بها، وهي عبادته سبحانه وتعالى، وهي حق له جل وعلا يستحقها سبحانه وتعالى بما خلق وبما رزق وبما سخر وسير جل وعلا. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 21]، فهو يُعبد لأنه هو الخالق وهو الرازق وهو المدبر. ﴿ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾، فلهذا تجد في القرآن ربنا جل وعلا يذكر أفعاله سبحانه وتعالى ويأمر بها ويلزم بعبادته جل وعلا في آيات كثيرة. فلهذا قال العلماء: إن توحيد الربوبية يلزم العبد بتوحيد الألوهية لله جل وعلا، معنى لازم بتوحيد الألوهية، كما أن توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، فلا يكون توحيد الألوهية إلا بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، وتوحيد الربوبية ملزم للعبد بعبادة الله جل وعلا. وما دام أنه معترف أن الله عز وجل هو الذي خلقه وهو الذي رزقه، وهذا الشيء لا شك فيه، فإنه يلزمه عبادة الله عز وجل. ﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 22]، أي: تعلمون أنه هو الذي خلقكم وهو الذي رزقكم وهو ربكم سبحانه وتعالى. فقال: يأمر تعالى عباده بعبادته وحده لا شريك له، وهو الدخول تحت رق عبوديته والانقياد لأوامره ونواهيه. ولهذا ذكر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب أن من شروط «لا إله إلا الله» الانقياد، الانقياد لله عز وجل في أوامره ونواهيه، فمن استكبر فهو ليس بمسلم. ولهذا الشيطان، الشيطان عنده معرفة وإقرار بتوحيد الله عز وجل، سواء كان بالربوبية أو بالألوهية، لكن استكبر، استكبر على الله عز وجل، وأيضاً لم ينقاد لأمر الله، أنا خرج عن انقياد لأمر الله جل وعلا، فكان من الكافرين كما ذكر ربنا جل وعلا. فلهذا هناك من الكفر كفر الاستكبار كما ذكر ذلك الإمام ابن القيم رحمة الله عليه. وكفر الاستكبار هو عدم أن يعتقد الشخص في نفسه أنه لا ينقاد لأوامر الله، يعني يلزم نفسه بهذا، أو أنه يصرح بهذا أنه لا، ليس منقاداً لأوامر الله. ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: من اعتقد أنه يستطيع الخروج عن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما خرج الخضر عن طاعة موسى، أو كما عن شريعة موسى أقصد، فقال: فهو كافر بإجماع المسلمين. الذي يظن أو يعتقد أن له الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر. لماذا؟ لأنه اعتقد عدم الانقياد لله، اعتقد عدم الانقياد لله جل وعلا، فلهذا خرج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، ولهذا كفر العلماء من يعتقد بالشرع اللدني كما يقولون، معنى أن هناك شرعاً أو يقولون: هناك شرع للعامة وشرع للخاصة، فالشرع الخاص هذا شرع الخاصة هو الشرع اللدني، عن اللدني أي: ﴿ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ﴾ [الكهف: 65]، أي أنه من الله. فعند الصوفية حقيقة شرعية وحقيقة أيضاً سموها لدنية، حقيقة لدنية هذه أو حقيقة الخواص، وتلك حقيقة العوام، أو يسمونها شريعة العوام وشريعة الخواص، وكله يدور حول أن للخاصة شريعة خاصة لهم، أن يفعلوا المنكرات ولهم أن يتركوا الواجبات. لهذا يعتقد بعض الصوفية الغلاة أنه قد يصل إلى منزلة لا يصلي فيها، معنى تسقط عنه الفرائض. وهذا حاصل، واستدلوا بقول الله عز وجل: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [الحجر: 99]، فيقولون: الرجل هذا أتاه اليقين. وهذا ليس ضرباً من الخيال، بل هذه حقيقة، حتى في وقتنا المعاصر هذا وجد من الصوفية من يقول بهذا. كان عندنا رجل من الصوفية في المناطق التي عندنا في الشحر، كان لا يصلي ولا يصوم ولا يفعل شيئاً من العبادات، وتجد أن الصوفية يعظمونه، حتى مفتي البلاد يذهب ويزوره، وهو دائماً عريان كاشف، ما فيه إلا إزار فقط، وتجده دائماً في المزابل، معناه أتباع السحر والشياطين، لكنه تعظمه الصوفية، فلا يصلي ولا يصوم، ما يصلي، ما يدخل المسجد، بل حتى في بيته لا يصلي. وقال: هذا قد بلغ اليقين، وهو يعتقد هذا أيضاً. كلما مثلاً نصح وقيل له، يقول مثلاً: أنا عندي يقين على ما أنا عليه مثل ما عندي درهم، أو ما يقولون: عصفور في يدي وعشر في الشجر، هذا أنا متيقن منه، فيقول: أنا متيقن أني على ولاية، هكذا يقول. وهذا غرور. فلهذا كما قلنا يحصل هذا، أيضاً كان بعضهم، بعضها التصوف، كالهدهد الذي في البيضة، قد رآه كثير من الناس، ما يصلي، ما يصلي الصلاة، قالوا: قد بلغ اليقين. وهذا من الكفر العظيم الذي أجمع الناس على كفر مثل هذا كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وهذا كله يدخل في عدم الانقياد لشرع الله جل وعلا. قال: والانقياد لأوامره ونواهيه محبة وذلاً وإخلاصاً له. معناها: لابد أن يكون محبة وذلاً، فالعبادة أصلها الذل والمحبة. فطريق معبد أي مذلل. معنى الذل هو الخضوع والخشوع لله عز وجل، فكل عبادة لا يكون فيها محبة ولا ذل فهي ليست عبادة، ليست عبادة صحيحة. فمن فعلها على سبيل الاستكبار فهي عبادة باطلة، فهي عبادة باطلة. ولهذا كان بعضهم من شدة كبره أنه يستنكف ويستكبر أن يسجد لله، يقول: أنا ما أسجد. ولهذا كما ذكر، كما في البخاري في قصة السجود في سورة النجم، سجد كلهم إلا رجل، أخذ كفا من تراب ووضعه في جبهته وقال: هذا يكفيني. قيل أنه أمية بن خلف، وقيل أنه أبي بن خلف. أنظر إلى الاستكبار في عدم الخضوع والذل لله عز وجل. فلهذا فأي عبادة لا يكون فيها محبة وذل فليست عبادة صحيحة، ليست عبادة صحيحة. فإن كان يعملها عن إكراه، معنى مكره، يقال له: صل وإلا قتلناك، فيصلي لأجل أنه لا يقتل، أو فعل كذا وإلا فعلنا بك كذا، فيصلي لأجل، أو يفعل هذا الشيء لأجل الإكراه، فهذا لا يقبل منه أبداً، وهذه ليست عبادة صحيحة. فلابد أن يفعل هذه العبادة مختاراً محباً بهذه العبادة، يفعلها محبة لله جل وعلا وتعظيماً له وذلاً وخضوعاً لله جل وعلا. فلهذا لا تقبل العبادة إذا كانت رياء وسمعة، ليست فيها محبة لله وإنما لأجل الرياء والسمعة، يتصدق لأجل أن يقال أنه متصدق، ويجاهد لأجل أن يقال أنه شجاع، ما يفعلها لله. فلهذا ففعل العبادة محبة هو الإخلاص والصدق مع الله جل وعلا، والعبادة التي ليس فيها إخلاص فليست عبادة صحيحة. قال: في جميع العبادات الظاهرة والباطنة، وينهى عن الشرك، وينهى عن الشرك به شيئاً. وهنا «شيئاً» نكرة في سياق النهي، وهي تفيد العموم. لهذا قال الشيخ هنا: لا شرك أصغر ولا أكبر، لا ملكاً ولا نبياً ولا ولياً. ﴿ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾، أي: شيئاً كان. وهذه كما هو معلوم من لغة العرب أنها نكرة تفيد العموم، تفيد العموم: أي شيئاً كان لا يُشرَك بالله عز وجل شيئاً، سواء كان شركاً أكبر أو أصغر، وسواء كان هذا المشرك به أو المشرك به مع الله سواء كان ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً أو ولياً صالحاً أو غير ذلك، فكله شرك بالله جل وعلا. قال: ولا غيرهم من المخلوقين الذين لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً. هذا من فهم اللقب كما يقولون أو الصفة الكاشفة، ليس المراد لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً إذا ملكوا لأنفسهم نفعاً وضراً أنهم يعبدون، وإنما هذا أصلاً لا يحصل، ولا أيضاً يكون أن هناك إنسان مخلوق يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً. فلهذا قال جل وعلا آمراً النبي: ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾ [الأعراف: 188]، وأيضاً كذلك ربنا جل وعلا ذكر أنه: ﴿ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ [المؤمنون: 117]، فلا برهان أصلاً لمن لا يعبد الله، أي برهان له في عبادة غير الله؟ لماذا يعبد غير الله؟ كيف يعبده؟ بأي شيء يستحق هذا المخلوق العبادة؟ ليس هناك شيء يجعله يعبد هذا الصنم أو الحجر أو المخلوق أو غيره. فقال الله عز وجل: ﴿ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَلَا مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا ﴾ [الفرقان: 3]، فكيف تكون آلهة؟ قال: بل الواجب المتعين إخلاص العبادة لمن له الكمال المطلق من جميع الوجوه، وله التدبير الكامل الذي لا يشركه ولا يعينه عليه أحد. فربنا جل وعلا مستحق للعبادة لأنه له الكمال المطلق جل وعلا، وأما هذه الآلهة التي عبدت من دون الله فليس لها شيء من هذا، لا لها إحياء ولا إماتة ولا نشور ولا نفع ولا ضر ولا غيرها من هذه الأمور، فكيف تعبد من دون الله جل وعلا؟ قال: ثم بعدما أمر بعبادته والقيام بحقه، أمر بالقيام بحقوق العباد الأقرب فالأقرب. معنى: أول حق عظيم هو حق الله عز وجل وهو عبادته سبحانه وتعالى، ثم ذكر الحقوق الأخرى. وإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر