تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 104

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 104

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 104، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية التثبت والتحذير من الإشاعات

يفسر العلامة السعدي آية التثبت في سورة النساء محذراً من نشر الشائعات دون تحقق، ومؤكداً وجوب رد الأخبار إلى الرسول وأولي الأمر أو مصادرها الأصلية. كما ينبه إلى خطورة نسبة الأحاديث الكاذبة إلى النبي أو العلماء، مستشهداً بجهود المحدثين في نقد الأسانيد.

رد أخبار الأمن والخوف إلى أولي الأمر وقصة عمر

يؤكد المقطع وجوب التثبت من الأخبار خاصة ما يتعلق بالأمن والخوف، وردها إلى الرسول وأولي الأمر من أهل العلم والرأي، وعدم الاستعجال في نشر الإشاعات. ويحذر من كلام السفهاء في أمر العامة، مستدلاً بقصة عمر رضي الله عنه في إشاعة طلاق النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه، ومبدأ الموازنة بين المصلحة والمفسدة.

النهي عن قيل وقال ورد الأمور لأهل الاختصاص

يشدد المقطع على وجوب رد الأمور إلى أهل الاختصاص وعدم التسرع في نشر الأخبار، محذراً من مخاطر الإشاعات الكاذبة التي تؤثر على عبادات الناس. ويستشهد بأحاديث نبوية تنهى عن "قيل وقال" وتناقل الأخبار غير الموثقة، مبيناً أن التوفيق في تجنب ذلك يكون بفضل الله ورحمته.

فضل الله ورحمته عصمة من اتباع الشيطان

تذكر الآية أن لولا فضل الله ورحمته على الناس لاتبعوا الشيطان إلا قليلاً، وهذا هو مضمون ختام الآية الكريمة. ويشير المقطع إلى أن العصمة من الزلل والوقوع في فخ الإشاعات إنما هي بتوفيق الله ولطفه بعباده.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه. مُبَعْد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. قال رحمه الله: هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق، وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة، ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم، أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر؛ لأن هذه الإشاعات غالباً تكون كذباً، ولأنها غالباً تكون بغير تأكيد، إذا ما يتأكد من الخبر فيشاع. فلو أنهم رجعوا إلى أصل الخبر لكان خيراً لهم. ولهذا قال العلماء: هذه الآية فيها دليل على أن الأخبار وغيرها يرجع إلى مصادرها، يرجع إلى أصل صدرها قبل أن يتكلم فيها أو أن ينقل هذا الكلام. أولاً يتأكد من المصدر. فكثيراً من الشائعات أو الكلام ينسب إلى الشرع، مثلاً إلى الله، إلى رسوله، وهو كذب لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم. بل حتى ينسب بعض ذلك إلى العلماء، فتجد وسائل كثيرة في وسائل التواصل يقولون: فلان من العلماء قال كذا وكذا. فإذا فتشت في كتبه لم تجد هذا الكلام، لم تجد هذا الكلام في كتبه. وأحياناً فيه نسبة لبعض الأشياء أو لبعض الأخطاء. فلذا لا بد أن يرجع، أو أن يرجع إلى أصل المصدر. وهذا أيضاً يحثنا على أننا لا ننقل كلاماً نُسْخَل إلا بعد التأكد منه، بعد أن يتأكد أن هذا الكلام صحيحاً، نقل من مصدره. وبحمد الله الآن مسألة المرجع، والمرجع إلى المصدر، خاصة في الكتب، أصبح سهلاً، وخاصة من كان عنده نت، مثلاً استخدم جوجل أو غيرها من هذه الأشياء. وإن كان بعضها ليس صحيحاً، لكن أنت تبحث عن المصدر فقط، مصدر هذا الكلام، فتجده بهذا البحر حتى تتأكد أن هذا الكلام صحيحاً. أحياناً تنسب أحاديث إلى صحيح البخاري وليست في صحيح البخاري، وهكذا تنسب كلمات إلى الصحابة وليست صحيحة، وهكذا إلى التابعين وإلى السلف، وهم برآء منها. فلذا يحتاج إلى التأكد من المصدر الذي نقل. فإذا تأكدت من المصدر الذي نقل هذا الكلام، تنظر: من أين نقل هذا الكلام؟ هل جاء به بإسناد، أو نقله عن غيره، أو غير ذلك؟ لأن أحياناً تجد هذه النقول هكذا عارية عن المصدر، عارية عن المصدر. فتجد في كثير من كتب الفقهاء مثلاً أحاديث ليست لها زمام ولا خطاب، ليست أحاديث أصلاً، لكن تجد يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا، يريد أن يؤيد المسألة التي هو فيها، يأتي بحديث لا أصل له. من طالع كتاب الإمام العراقي في تخريج أحيا علوم الدين للغزالي يجد أن أحاديث كثيرة يقول فيها العراقي: لا أصل له. وغالباً معنى "لا أصل له" عند المحدثين: أي لا سند له صحيح، أو لا سند له عند المحدثين، أي غير موجود في كتب الحديث، فيقولون: لا أصل له. فأيضاً كذلك المسألة الأخرى: أنه في هذه الآية أن الإنسان إذا أصيب بخوف، أو انتشر خبر يقلق الأمن، فإنه ينبغي أن يرجع إلى مراجعه، وينظر من الذي نشر هذا الخبر. هذا في الأخبار. وإن كان في الأحكام، لا بد أن يرجع إلى مستنده من الكتاب والسنة. لا ينشر حكماً من الأحكام، أو يُقِرّ شيئاً مشى عليه الناس، إلا بدليل من الكتاب والسنة. فلا ينبغي أن الإنسان يفتي في مسألة فيها تذهب الدماء، وتكون في أمر العامة، عامة المسلمين. فإن التكلم في مثل هذه المسائل بغير علم يفسد كثيراً، يفسد كثيراً. ولهذا جاء في حديث أنس، حديث أبي هريرة، التحذير من الرويبضة. قيل: يا رسول الله، من الرويبضة؟ قال: «السفيه يتكلم في أمر العامة». إذا تكلم السفيه في أمر العامة، أتى بأشياء تفسد على الناس معاشهم. لكن العالم إذا تكلم، يتكلم بعلم، يتكلم بعلم، فيصلح ما أفسد الناس. كذلك أيضاً هذه الآية تدل على أننا لا بد أن نتمسك بأهل العلم في الدين، فلا نتكلم في مسألة يتنازع فيها إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة، وعلماء الأمة الذين يعرفون الكتاب والسنة، والذين يمشون على الكتاب والسنة. ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾. وهذه الآية نزلت في حديث، أو في خبر عمر رضي الله عنه مع الأنصار، لما جاء، قال: إن النبي عليه الصلاة والسلام طلق نساءه. فذهب عمر إلى المسجد، ووجد الناس جلوساً في المسجد، فقال: طلق النبي عليه الصلاة والسلام نساءه. قال: والله ما طلق، إنما اعتزلهم. فلما استأذن عمر على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أدخل، فقال: يا رسول الله، طلقت النساء؟ قال: لا. فقال عمر: الله أكبر. معنى أن هذا إشاعة ليست حقيقة. وظن بعضهم، لأن أحياناً في المواقف الإنسان يستنبط موقفاً معيناً، معنى يستنبط شيئاً معيناً، فيظن أنه حقيقة، فيشيعه في الناس، إذا ما فعل. أنا بعضهم يظن ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا إلا لأنه قد طلق نساءه. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يطلق نساءه، لما آلى، حلف على أنه لا يقرب نساءه شهراً. قال رحمه الله: ولا يستعجل بإشاعة ذلك الخبر. أيضاً فيه أن الإنسان يتأنى في مثل هذه الأخبار التي تكون بين عامة الناس، يتأنى ولا يستعجل؛ فإن العجلة تأتي بالندم، كما جاء في الحديث الذي صححه الشيخ الألباني: «التأني من الله، والعجلة من الشيطان». قال: ﴿ بَلْ يَرُدُّونَهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ ﴾، أي أهل الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها. وأما السفهاء فهم يزيدون، كما يقال: الطين بلة، يعني يزيدون الأمر توجساً، ويزيدون الفساد فساداً. فلذا فالرويبض الرويبض هو الذي يتكلم في أمر العام، ولا يترك هذا الكلام لعقلاء الناس، وأيضاً لأهل العلم. قال: فإن رأوا في إذاعة مصلحة، ونصرة للمؤمنين، وسروراً لهم، وتحرزاً من أعدائهم، فعلوا ذلك. وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة، أو فيه مصلحة ولكن مضرته تزيد على مصلحته، لم يذيعوه. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾، أي يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة. قالوا: في هذا دليل لقاعدة أدبية، وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور، ينبغي أن يُوَلَّى من هو أهل لذلك. أيضاً هذه فائدة عظيمة: لا يعطى هذه البحوث لمن لا يجيدها ولا يحسنها، بل يعطى لمن هو أهل لذلك، ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم؛ فإنه أقرب إلى الصواب، وأحرى للسلامة من الخطأ. وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها، والأمر بالتأني قبل الكلام، والنظر فيه: هل هو مصلحة فيقدم عليه الإنسان، أم لا فيحجم عنه؟ وهذا الذي يعلم أن الله عز وجل يراقبه، وأيضاً يبتغي رضا الله. فقبل أن يخرج هذا الكلام، أولاً يرى أن هذا الكلام هل يرضي الله، وهل فيه مصلحة للمسلمين أو لبعضهم، أم أنه فيه مضرة؟ فالآن الناس صاروا مغرمين بالأخبار، على كل ما جاءهم خبر نشروه، حتى لو لم يعرفوا مصدره، ولم يعرفوا صحته. فتناقلت الأخبار الكاذبة. وقد جاء في الحديث، في حديث جابر بن سمرة، في أهل الجرائم الذين رآهم النبي صلى الله عليه وسلم يعذبون، ومنهم الرجل يكذب الكذبة فتبلغ الآفاق. يكذب الكذبة فتبلغ الآفاق، يسير بها الناس ويرسلونها. فهذا، فهذه كذبة بلغت الآفاق. أيضاً كذلك قد جاء النهي عن إشاعة الأخبار بدون التأكد، كما جاء في حديث المغيرة بن شعبة: قال: «إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». قيل وقال: أي قال فلان، وقيل كذا وكذا، إذا ينشر أشياء لم يتأكد منها. فلذا تنتشر الإشاعات، وتجد، وتجد حتى الإشاعات حتى في دين الله، حتى في العبادات. بعض الناس يتشبث بإشاعات ليست من دين الله جل وعلا، أو أحكاماً ليست من دين الله. مثل من يعتقد، أو من يظن، أن الغسلة في نهار رمضان تبطل الصيام. بعض الناس أدخل عليهم، وأشيع بين الناس أن الغسلة في نهار رمضان تبطل الصيام. فلذا تجد أنه لا يغتسل. وسبحان الله، تجد الإشاعات تنخر في الناس، وأيضاً تستقر في عقولهم وقلوبهم. فلذا تجد الرجل، وهذا قد التمسته من بعض الناس، تجد عليه جنابة، ولا يغتسل، ويترك الصلاة. لماذا؟ لأنه لو اغتسل سيكون مفطراً، وخاصة بعد العصر، يقولون: بعد العصر الاغتسال يفطر الصائم. فتجد بعضهم مثلاً ينام الظهر ويحتلم، ولا يغتسل، ولا يصلي، لأنه يقول: الصلاة لا تجوز بدون غسل، والغسل يفطر الصائم، فيترك الصلاة إلى الليل. انظروا إلى الجهل أين بلغ. فلذا فمثل هذه الإشاعات، وهذه الأحكام التي تنتشر بين الناس، غالبها غير صحيحة. قال: ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾، أي في توفيقكم وتأديبكم وتعليمكم ما لم تكونوا تعلمون. ﴿ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. لأن الإنسان بطبعه ظالم جاهل، فلا تأمره نفسه إلا بالشر. فإذا لجأ إلى ربه واعتصم به، واجتهد في ذلك، لطف به ربه، ووفقه لكل خير، وعصمه من الشيطان الرجيم. فمن أراد الله عز وجل حفظه، حفظه الله. ومن أراد حفظ حفظ دين الله جل وعلا، حفظه الله تعالى من الشيطان وعصمه. ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. فهذا ما يذكر في هذه الآية، والله تعالى أعلم.