تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 116

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 116

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 116، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

وعيد تارك الهجرة مع القدرة وبيان حال المستضعفين

يوضح العلامة السعدي أن من ماتوا ولم يهاجروا رغم استطاعتهم يوبخهم الملائكة عند الموت، لأن الهجرة من مكة كانت واجبة ومن قعد عنها فاته الخير والجهاد. ويستثني الله المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، فهؤلاء عسى الله أن يعفو عنهم.

وجوب الهجرة عند تعذر إظهار الدين

تفسر الآية أن من يموت وهو مقيم في أرض لا يستطيع فيها إظهار شعائر دينه يكون آثماً إلا إذا هاجر، لأن أرض الله واسعة. وقد أجمع العلماء على وجوب الهجرة لمن لا يتمكن من إقامة الصلاة والأذان وغيرهما، مستثنين المستضعفين الحقيقيين الذين لا حول لهم ولا قوة.

عاقبة القاعدين عن الهجرة واستكمال الأجل والرزق

من أقام في دار الكفر مع قدرته على الهجرة وقاتل مع المشركين لا عذر له ومصيره جهنم، مستدلاً بالآية على وجوب الهجرة وتحريم تركها. كما أن من توفاه الله فقد استكمل رزقه وأجله وعمله، مستشهداً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.

مصير من قاتل مع المشركين في بدر

خرج قوم مع المشركين في غزوة بدر خوفاً منهم لا خوفاً من الله، وقاتلوا ضد المسلمين رغم استطاعتهم الامتناع. لذلك لم يعذرهم الله، وكان مأواهم جهنم وبئس المصير.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة سعد رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾. قال رحمه الله: هذا الوعيد الشديد لمن ترك الهجرة مع قدرته عليها حتى مات، فإن الملائكة الذين يقبضون روحه يوبخونه بهذا التوبيخ العظيم. ولأن الهجرة كانت من مكة كانت واجبة، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام جميعهم بالهجرة عنها، فبقي ناس جالسون فيها، وبعضهم من الشباب، وبعضهم عنده القدرة أن يهاجر، عنده أموال وعنده قدرة أيضا ببدنه، لكنه لم يهاجر، جلس في مكة. بل بعضهم خرج مع المشركين في بدر يقاتل المسلمين. وهناك أيضا أناس مستضعفون لم يستطيعوا أن يخرجوا لعجزهم، أو أنهم نساء وأطفال، كما سيأتي. قال رحمه الله: ويقولون لهم: «فيما كنتم»؛ أي: الملائكة على أي حال كنتم، وبأي شيء تميزتم عن المشركين؟ فكثرتم سوادهم، وربما ظهرتموهم على المؤمنين، وفاتكم الخير الكثير، والجهاد مع رسوله، والكون مع المسلمين، ومعاونتهم على أعدائهم. وقد جاءت أحاديث أو أقوال في سبب نزول هذه الآية، ومن ذلك ما جاء في البخاري عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في قوم ممن كان في مكة ممن أسلم وجلس في مكة، ثم خرج معهم في بدر يكثرون سواد المشركين، فلما قتلوا أو قتل بعضهم، قالت لهم الملائكة... هذا وأنا أذكر الله عز وجل أن الملائكة... معنى سألتهم بهذه الأسئلة: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ أي بعد وفاتهم، ﴿ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ﴾. فلذا قرر جماعة من العلم، وهو إجماع من العلماء، أن من لم يستطع إظهار دينه في شيء من الأماكن، فيجب عليه أن يهاجر من ذلك المكان إذا لم يستطع إظهار دينه، فالواجب عليه أن يهاجر من ذلك المكان، وإلا كان آثما. ﴿ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ﴾ أي: ضعفا مقهورين مظلومين، ليس لنا قدر على الهجرة، وهم غير صادقين في ذلك؛ لأن الله وبخهم وتوعدهم، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. ولهذا استثنى الله عز وجل غير المستطيعين حقيقة، وأما هؤلاء فهم كذبوا. قالوا: استثنى المستضعفين حقيقة. ولهذا قالت لهم الملائكة: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ﴾. وقالوا: وهذا استفهام تقرير، أي: قد تقرر عند كل أحد أن أرض الله واسعة، فحيثما كان العبد في محل لا يتمكن فيه من إظهار دينه، فإن له متسعا وفسحة من الأرض يتمكن فيها من عبادة الله. والأفضل أن يكون في بلاد المسلمين، لكن إن وجد أيضا ضيقا في بلاد المسلمين، ووجد في بعض بلاد الكفار سعة، فلا بأس بذلك. المهم أنه يخرج من المكان الذي يضيق عليه، ولا يستطيع أن يظهر دينه. والمراد: لا يستطيع أن يظهر دينه، أي: أنه لا يستطيع أن يظهر صلاته أمام الناس، صلاته أمام الناس، وكذلك شعائر الدين. فإذا لم يستطع أن يظهر شعائر دينه من الأذان والصلاة وغير ذلك، فإنه يعتبر هنا قد ضيق عليه، والواجب عليه أن يهاجر من ذلك المكان. قال: كما قال تعالى: ﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ﴾. قال الله عز وجل عن هؤلاء الذين لا عذر لهم: ﴿ فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾. وهذا كما تقدم فيه ذكر بيان السبب الموجب، فقد يترتب عليه مقتضاه مع اجتماع شروطه وانتفاء موانعه، وقد يمنع من ذلك مانع، فقد يمنع مانع من أن يكون لهم عذر، لكن إذا استجمعت الشروط وانتفت الموانع، فلا عذر لهم. فهؤلاء لا عذر لهم لأنهم يستطيعون الخروج، لكنهم لم يخرجوا، بل إنهم قاتلوا مع المشركين ضد المسلمين. قال: في الآية دليل على أن الهجرة من أكبر الواجبات، وتركها من المحرمات، بل من أكبر الكبائر. وفي الآية دليل على أن كل من توفى فقد استكمل واستوفى ما قدر له من الرزق والأجل والعمل، وذلك ما أخوذ من لفظ التوفي؛ فإنه يدل على ذلك، لأنه لو بقي عليه شيء من ذلك لم يكن متوفيا. معنى من توفي: توفاه الله عز وجل، فهذا قد استكمل ما قدر له من الرزق والأجل والعمل، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن روح القدس قد نفخ في روعي أنها لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب». فمن توفاه الله عز وجل فقد استكمل رزقه واستكمل أجله. ﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾. قالوا: فيه الإيمان بالملائكة ومدحهم، لأن الله ساق ذلك الخطاب لهم على وجه تقرير الاستحسان منهم وموافقته لمحلهم. قال: ثم استثنى المستضعفين على الحقيقة، أو إن شاء الله هذا نتركه في الدرس اللاحق. فخلاصة ما يذكر في هذه الآية: أن الله عز وجل عاتب هؤلاء وبخهم توبيخا عظيما، أنهم جلسوا في بلاد الكفر ولم يخرجوا منها، مع أنهم يضيقون في دينهم، ولا يستطيع أحد أن يظهر دينه، وهم جالسون في ذلك المكان. بل كما قلنا: خرجوا مع المشركين خوفا منهم، ولم يخافوا الله عز وجل، خرجوا معهم في بدر يقاتلون معهم ضد أهل الإسلام. فلذا لم يعذرهم الله عز وجل، وهم استطاعوا أن يخرجوا، لكن خرجوا إلى الجهاد أو إلى القتال مع هؤلاء الكفرة، فهذا أمر عظيم عند الله. لهذا كان مأواهم جهنم وساءت مصيرا. هذا ما يذكر، والله تعالى أعلم.