الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 117، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستثني الله المستضعفين الحقيقيين من الرجال والنساء والولدان الذين يعجزون عن الهجرة، وتأتي كلمة «عسى» في حقه تعالى بمعنى العفو المضمون واليقين لا مجرد الترجي. وقد نقل ابن عباس وغيره أن أفعال الترجي في حق الله ورسوله تحمل على الجزم والوقوع.
من عجز عن الهجرة أو الجهاد لعذر شرعي كمرض أو ضعف فهو معذور عند الله، ويكتب له أجر المجاهدين والهاجرين كاملاً وهو في بيته. يستدل على ذلك بآيات سورة التوبة وأحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
يعذر الله من لا حيلة له ولا يعذر من تقاعس مع قدرته، فالتكليف بقدر الاستطاعة. وكان الدليل شرطاً للاستطاعة في الحج قديماً لصعوبة الطرق، بخلاف الحال اليوم حيث تيسرت السبل.
تتوفر على الطرق منازل ومحطات بترول وغيرها من المرافق التي يستأنس بها المسافرون. ويكتفي المتحدث بذكر ذلك دون تفصيل إضافي.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد، ذكرنا في الدرس الذي مضى تفسير قول الله جل وعلا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ﴾. فوقفنا عند هذه الآية. قال العلامة السعدي رحمه الله: «ثم استثنى المستضعفين على الحقيقة الذين لا قدرة لهم على الهجرة بوجه من الوجوه». وقوله «على الحقيقة» أي الذين هم حقيقة مستضعفون لا مدَّعون، فإن أولئك كانوا مدَّعين في الآية الأولى، وأما هنا فهم مستضعفون حقيقة، لا قدرة لهم على الهجرة بوجه من الوجوه. قال: «ولا يهتدون سبيلا» أي ما عندهم ما يستطيعون أن يخرجوا من ذلك المكان، إما لكبر سنهم، مستضعف لكبر سنه، أو أنه ما عنده ما يخرج به من المال أو زاد الراحلة، وكذلك النساء والأولاد الصغار أيضًا لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. قال: «فهؤلاء قال الله فيهم: ﴿ فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾». و«عسى» ونحوها واجب وقوعها من الله تعالى بمقتضى كرمه وإحسانه. ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنه: «كل عسى في القرآن فهي واجبة» أو كما قال رضي الله عنه. وقال كثير من المفسرين: إن أفعال الترجي في حق الله عز وجل وفي حق رسوله صلى الله عليه وسلم تعتبر جزمًا. فقوله: ﴿ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ﴾ أي أن الله عز وجل سيعفو عنهم، مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم» أي أن الله اطلع على أهل بدر. فأفعال الترجي في كلام الله أو كلام رسوله تحمل على الجزم، تحمل على الجزم. قالوا: في الترجية بالثواب لمن عمل بعض الأعمال فائدة، وهو أنه قد لا يوفي حق توفيته ولا يعمله على الوجه اللائق الذي ينبغي، بل يكون مقصرًا فلا يستحق ذلك الثواب، والله أعلم. أنا لو قلنا أن هذا يحمل على الترجي أيضًا، أي قوله: ﴿ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ﴾، لكان ذلك من باب التقصير، وإلا لو فعلوا ذلك فالله عز وجل سيعفو عنهم، عن هؤلاء المستضعفين سيعفو عنهم الله عز وجل لعجزهم عن الهجرة. قالوا: في الآية الكريمة دليل على أن من عجز عن المأمور من واجب وغيره فإنه معذور، كما قال تعالى في المعذورين عن الجهاد: ﴿ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ﴾، فعن هؤلاء معذورون. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام، بل ربنا جل وعلا قد قال سبحانه وتعالى في سورة التوبة: ﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ﴾، أي لم يستطيعوا أن يذهبوا إلى الجهاد. وكذلك في الهجرة قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ ﴾... هنا في بداية للآية: ﴿ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ عَمَلٌ صَالِحٌ ﴾. ثم قال: ﴿ وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ ﴾. ﴿ وَلَا يَقْطَعُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُوا الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾. ثم قال: ﴿ وَلَا يَنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا ﴾. فكل هذه الأشياء يكتب الله عز وجل لهم أجورهم وهم في بيوتهم. وقال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: «ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كان أناس بالمدينة لهم أجر مثل أجركم». فقالوا: «ولما يا رسول الله؟» قال: «حبسهم العذر، حبسهم العذر». فبسبب أنهم معذورون أعطاهم الله عز وجل أجور هؤلاء المجاهدين وهم في بيوتهم. وكذلك جاء في صحيح البخاري عن موسى قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن العبد إذا مرض أو سافر كتب له ما كان يعمله وهو سليم وهو صحيح مقيم». قال: «إن العبد إذا سافر أو مرض كتب الله عز وجل له ما كان يعمله صحيحًا مقيمًا». فلهذا عذر الله عز وجل هؤلاء الذين استُخلفوا أو الذين تخلفوا في مكة من المستضعفين، فعذرهم الله. وأما غيرهم فلم يعذرهم. قال الله عز وجل وقال في عموم العوامر: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾. فالله عز وجل لم يكلفنا ما لا نطيق، فيعمل العبد على ما استطاع في أمر الله جل وعلا. قال: ولكن لا يعذر الإنسان إلا إذا بذل جهده. وربنا جل وعلا يحب العذر، ما جاء في الحديث: «لا أحد يحب العذر من الله»، ولهذا أرسل الله الرسل. وقال الله عز وجل: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾. فربنا جل وعلا لا يعذب من له عذر صحيح. قال: ولكن لا يعذر الإنسان إلا إذا بذل جهده، أنه ليس تكاثلًا وانسدت عليه أبو الحيل. لقوله تعالى: ﴿ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ﴾. إذا كان لا يستطيعون حيلة، ليس هناك بابًا يخرجون منه، أن تيسر لهم بعض الأبواب يخرجون منها، فعجزوا وكسلوا، أو فكسلوا، فهما ملامون على جلوسهم. قالوا في الآية: على أن الدليل في الحج والعمرة ونحوهما مما يحتاج إلى سفر، من شروط الاستطاعة. ما أن الدليل في الحج والعمرة، أي من يدل على الطريق، من يدل على الطريق. إذا كان مثلاً إنسان لا يستطيع أن يذهب إلى الحج والعمرة لعدم معرفته الطريق، لعدم معرفته الطريق، فالدليل لابد منه. وخاصة هذا المراد به تلك الأيام التي كان الناس يذهبون مشيًا، فإنه لا يستطيع أن يذهب للإنسان إلا إذا كان يعرف الطريق. أما إذا كان لا يعرف الطريق فقد يضل، وضلاله في القفار والصحارى قد يهلكه. فلهذا لا يذهب إلا معه دليل أو معه ما يدله مثلاً من الآلات وغير ذلك التي تريه الطريق. وأما الآن فغالبًا الناس يدلون على الطرق، خاصة الأماكن التي يكون فيها كثرة المارين، عن الطرق التي دائمًا يمر فيها الناس، فهذا غالبًا ما سيضل. وأيضًا غالبًا في مثل هذه الطرق تجد المنازل وكذلك مثلاً محطات البترول وكذا مما يستأنس به في تلك الأماكن. طيب، نكتفي بهذا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر