الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 120، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع تفسير الإمام السعدي لآية قصر الصلاة مبيناً عمومها لكل سفر طاعة أو معصية وهو مذهب الحنفية، خلافاً للجمهور المانعين للترخيص في سفر المعصية. ويرجح المؤلف العموم اللفظي للآية على قول الجمهور بالتخصيص.
يناقش المقطع الخلاف الفقهي في حكم قصر صلاة السفر بين القول بالوجوب والاستحباب مستعرضاً أدلة الفريقين من القرآن والسنة. ويبين توجيه الجمهور للفظ «فرض» في الأحاديث إلى معنى الرخصة والتشريع لا الوجوب الصارم مع الاستدلال بمداومة النبي ﷺ على القصر.
يستعرض المقطع أحاديث أنس وابن عمر الدالة على ملازمة النبي ﷺ للقصر في أسفاره، وبيان رأي الجمهور في استحبابه مع الخلاف في مسافة السفر. ويذكر دليلي أفضلية القصر وهما ملازمة النبي له وكونه رخصة يحب الله أن تؤتى.
يُذكر حديث عبد الله بن عمر المخرج في أحمد وابن ماجه: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه». ويُختتم المقطع بالإشارة إلى انتهاء الدرس الحالي على أن يُكمل في درس قادم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾. قال رحمه الله: هاتان الآيتان أصل في رخصة القصر وصلاة الخوف. يقول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: في السفر، أي: سافرتم. وظاهر الآية أنه يقتضي الترخص في أي سفر كان. يقول المؤلف رحمه الله: إن هاتين الآيتين -آية القصر والآية التي بعدها في صلاة الخوف- فيهما الترخص في السفر، وهي رخصة القصر. والآية التي بعدها في صلاة الخوف. فقال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ فهي رخصة، أي: إذا سافرتم. ضربتم في الأرض أي: سافرتم. والآية عامة كما قال الشيخ: يقتضي الترخص في أي سفر كان، ولو كان سفر معصية، كما هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله. وخالف في ذلك الجمهور، وهم الأئمة الثلاثة وغيرهم، فلم يجوزوا الترخص في سفر المعصية. وقوله هنا: «يقتضي الترخص في أي سفر كان»، فيه مسألتان: المسألة الأولى: أنه لا فرق بين المسافة الطويلة والمسافة القصيرة، أو ما يسمونه بالسفر الطويل والسفر القصير؛ فكله ما دام أنه سفر فهو داخل في الآية. كل ما كان سفراً فهو داخل في الآية. وأيضاً كذلك يدخل في هذه الآية سفر المعصية: إذا سافر الإنسان لأجل معصية، مثل من يسافر مثلاً لأجل الغناء، أو من يسافر لأجل الزنى، أو من يسافر لأجل غيرها من هذه المعاصي. أن الناس يختلفون في سفرهم: فمن الناس من يسافر للطاعة، ومن الناس من يسافر نزهة وسياحة، ومن الناس من يسافر لأجل الشهوات والمعاصي. فهؤلاء كلهم داخلون في هذه الآية: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، أي: إذا سافرتم، فأنتم داخلون في هذه الآية، سواء كان السفر طاعة أو سفر معصية. وحجة الجمهور من الأئمة: قالوا: لأن هذه رخصة، والرخصة من باب الرحمة، وأما العاصي فليست له رحمة، وليست له رخصة حتى ينزجر عن ذلك. لكن الآيات والأدلة تدل على أنه لا فرق بين سفر طاعة وسفر معصية، وسفر مباح وسفر معصية. ولهذا ذهب شيخ الإسلام -مؤيداً مذهب أبي حنيفة- أن القصر يكون في كل سفر، وأيد ذلك أيضاً ابن القيم وغيره من الأئمة. قال: «فلم يجوز الترخيص في سفر المعصية» تخصيصاً للآية بالمعنى والمناسبة، فإن الرخص سهولة من الله لعباده إذا سافر أن يقصر ويفطر، والعاصي بسفره لا يناسب حاله التخفيف. وهذا تعليل وهو في مقابلة النص؛ أنهم يريدون أن هذا تخصيصاً للآية، والصحيح أنه ليس تخصيصاً لأنها جاءت عامة كما قال المؤلف رحمه الله. وقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، أي: لا حرج ولا إثم عليكم في ذلك. ولا ينافي ذلك كون القصر هو الأفضل؛ لأن في الحرج إزالة لبعض الوهم الواقع في كثير من النفوس. بل ولا ينافي الوجوب، وهذا هو الصحيح الذي تقتضيه الأدلة. فقول الله جل وعلا: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾، ليس معناه أن هذا مباح أو أن هذا فيه شيء أو يظن أنه فيه إثم فرفع الله عز وجل عنه الإثم، لا، وإنما لرفع التحرج في هذه الأمور. لهذا جاء به في الطواف مع أن الطواف ركن من أركان الحج، وأيضاً جاء به في السعي، وهنا جاء به أيضاً في القصر في الصلاة. ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، المراد أنه رفع التوهم كما قال الشيخ، الذي يقع في نفوس كثير من الناس: أن الصلاة مثلاً لا تقصر، وأن مثلاً هذا الأمر فيه كذا وكذا. فالله عز وجل قال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. وقد جاءت الأحاديث في وجوب السعي: «اسعوا عباد الله فإن الله قد كتب عليكم السعي»، كما جاء في حديث أم عثمان، كبيرة آل شيبة، ممن أسلم ودخل الإسلام. فدلت هذه الأدلة على وجوب السعي مع أن الله عز وجل قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾. فهنا إنما هو رفع التوهم الذي يكون. قال رحمه الله: «بل ولا ينافي الوجوب». وهذا الموضع قد حصل فيه الخلاف كما هو معلوم. فالجمهور يقولون باستحباب القصر، وقال الحنفية وشيخ الإسلام، وأيضاً رواية عن أحمد، بالوجوب: بوجوب قصر الصلاة، وأن الصلاة تقصر في السفر. واستدلوا بحديث ابن عباس: «فرض الله صلاة الحضر أربعاً، وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الخوف ركعة». وهنا قوله: «فرض»، استدلوا بها على أنها فريضة. وتأولها الجمهور على أنه لم يرد أن هذا فرض، وإنما أراد أن هذا رخص للناس: رخص للناس في السفر ركعتين، وفي الحضر -أو في الخوف- ركعة. لأن صلاة الخوف ليست ركعة واحدة فقط في كل الهيئات التي تصلى بها، بل أن أكثر الهيئات أو أكثر ما جاء من الأنواع في صلاة الخوف صلاة ركعتين، أنها تصلى ركعتين. فلذا فقوله: «فرض»، إن مراده به أي: ما حصل من الفرض، أو ما ترخص فيه من الفرض: ترخص في السفر بركعتين، وترخص فيه من الخوف بركعة عن أقل شيء. وجاء أيضاً في حديث عائشة: «أن الله فرض الصلاة ركعتين، فزيدت في الحضر وأقرت في السفر». زيدت في الحضر أي: صارت أربعاً عن الظهر والعصر والعشاء، والمغرب ثلاثة. وأقرت في السفر: معنى صارت ركعتين في السفر. وقالوا: هذا أيضاً لا يدل على أنه واجب، وإنما المراد أن ذكرت ما شرعه الله في هذه العبادة. فالصلاة أول ما فرضت ركعتين ركعتين، سواء كان في الحضر أو في السفر، ثم زيدت في الحضر وأقرت في السفر. وأيضاً استدلوا بمداومة النبي عليه الصلاة والسلام في السفر. جاء من حديث أنس، ومن حديث عبد الله بن عمر، ومن حديث غيرهما من الصحابة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل في سفره إلا ركعتين، ما كان يصلي أربعاً قط. في حديث أنس في الصحيحين: «منذ أن خرج النبي عليه الصلاة والسلام من المدينة وهو يصلي ركعتين حتى رجع إليها». وقال ابن عمر أيضاً في البخاري: «كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يصلي في السفر إلا ركعتين». قال: «ولو صليت النوافل لأتممت». يقول: لو صليت النوافل التي في السفر لأتممت الصلاة، كيف أقصر الصلاة والنوافل أصليها؟ وقد جاءت في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ما يصلي نوافل الصلوات، لكن كان يصلي صلاة الليل، يصلي الوتر، يصلي الضحى. فالنفل المطلق لا بأس أن يصليه الإنسان في السفر، وهو من الخير العظيم الذي يجعل العبد يعتاد الخير ويعتاد الصلاة. لأن الصلاة إذا ابتعد عنها الإنسان قسى قلبه، وإذا فرط فيها قسى قلبه. فلذا إذا لم يصلي النوافل فعنده النوافل المطلقة: صلاة الليل، صلاة الضحى، يصلي أيضاً في أي وقت شاء غير الأوقات المنهي عنها. فلذا كما قلنا: المسألة موضوعة في هذا الباب، وأقرب الأدلة أنها واجب، والذي عليه جمهور العلماء أنها مستحبة: أن القصر مستحب. فيحرص المسلم على أن يقصر الصلاة، إلا إذا حصل له شك: هل هذا سفر أو ليس بسفر؟ فالأحوط له أن يتم. ومعلوم الخلاف في مسألة السفر في المسافة: هل هي بمسافة شيء معين كما هو عند الجمهور أنها أربعة برد، وهي قرابة أربعة وثمانين كيلو؟ أو أنها بالعرف كما هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؟ أو ما قول الظاهرية أنه كلما سمي سفر؟ قال: «ولو ميل». لو خرج ابن حزم، استدل بظاهر الآية: لو خرج ميلاً قال يقصر. وهذه الآية -كما سيأتي إن شاء الله- فيها القصر، والقصر على نوعين: قصر عدد، وقصر صفة. سيأتي الكلام عليه. طيب. قال رحمه الله: «قال: وإزالة الوهم في هذا الموضع». قال: «كما تقدم ذلك في سورة البقرة في قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية». وإزالة الوهم في هذا الموضع ظاهرة؛ لأن الصلاة قد تقرر عند المسلمين وجوبها على هذه الصفة التامة، ولا يزيل هذا عن نفوس أكثرهم إلا بذكر ما ينافيه. قد استقرت على أن الظهر أربعاً، والعصر أربعاً، والمغرب ثلاثاً، والعشاء أربعاً، والفجر ركعتين. فإذا جاء شيء آخر، لا بد أن يزال ما يكون في النفوس. فقال الله عز وجل: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾. قال: «ويدل على أفضلية القصر على الإتمام أمران: أحدهما: ملازمة النبي عليه الصلاة والسلام على القصر في جميع أسفاره»، ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتم في سفره قط. «والثاني: أن هذا من باب التوسع والترخيص والرحمة بالعباد، والله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته». وفي الحديث، حديث عبد الله بن عمر، الذي يخرجه أحمد وابن ماجه: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه». طيب. إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، ونكمل في درس قادم. ترجمة نانسي قنقر.