الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 35، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض المحور كيف تُعمي المعاصي بصيرة القلب وتطمس نوره مستشهداً بوصية الإمام مالك للشافعي، مبيناً تدرج ظلمة القلب حتى تصير كليل بهيم. ويوضح أن عاقبة ذلك السقوط في المهالك وامتلاء القبر ظلمة وسواد الوجه يوم القيامة محذراً من تضيع النعيم الأبدي.
يبيّن المحور كيف تصغر الذنوب النفس وتحقرها بينما تكبرها الطاعة وتزكيها مستدلاً بآيات قرآنية. ويصور العاصي أسيراً للشيطان والهوى يظن الحرية وهو في قيد، بعكس المؤمن الذي يجد العزة في طاعة الله.
يشبّه المحور القلب بالطائر الذي كلما علا بعد عن الآفات، والشيطان بالذئب يفترس الشاة القاصية، مبيناً أن البعد عن الله مراتب تبدأ بالغفلة وتنتهي بالشرك. ويؤكد أن القرب بالطاعات والجماعة هو الحصن الحصين ضد الشيطان.
يختتم المحور بدعاء يسأل الله فيه حفظ الدين وحسن الخاتمة وصلاح أحوال المسلمين والوقاية من الفتن الظاهرة والباطنة. ثم يصلي على النبي محمد ويثني على الله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، مواصلةً أيها الأحبة في الله مع "الداء والدواء"، وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لشيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي رحمه الله تعالى، المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية. ولازال الحديث حول عقوبات للذنوب والمعاصي، وهي آثارٌ سيئة للذنوب والمعاصي. وكان آخر ما تكلمنا عنه آثارٌ، وهكذا عقوبةٌ لهذه الذنوب والمعاصي: أنها تصرف القلب عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه، بدلاً من أنه صحيح يكون سقيمًا مريضًا، وبدلاً من أنه مستقيم فيكون منحرفًا عن الطريق، منحرفًا عن الطريق. وقد ذكر رحمه الله تعالى في هذا الفصل فوائد وهكذا فرائد عظيمة تدل على رسوخ هذا الإمام، وأنه من فرسان هذا الميدان. قال رحمه الله تعالى: «فصلٌ: ومن عقوباتها أنها تعمي بصيرة القلب، وتطمس نوره، وتسد عنه طرق العلم، وتحجب عنه مواد الهداية، وتحجب عنه مواد الهداية». وانظروا إلى هذه العقوبات التي بعضها فوق بعض، التي بعضها فوق بعض، وكلها آثار سيئة للذنوب والمعاصي: بصيرة القلب تعمى بسبب الذنوب والمعاصي، وهكذا نور القلب ينطمس، وهكذا تسد عنه طرق العلم. وقد مر معنا أن ابن القيم رحمه الله تعالى من أوائل العقوبات التي ذكرها: حرمان العلم، وهكذا حرمان الرزق، وهكذا حرمان الرزق، وهكذا تحجب عنه مواد الهداية، قد يحرم الهداية بسبب هذه الذنوب وتلك المعاصي التي اقترفها. قال رحمه الله تعالى: «وقد قال مالك للشافعي لما اجتمع به ورأى تلك المخايل وتوقد ذكائه». الإمام مالك بن أنس أبو عبد الله الأصبحي، إمام دار الهجرة، إمام أهل المدينة، كان يقال: لا يُفتى ومالك في المدينة، ومالك في المدينة، وهو من أجل مشايخ الإمام الشافعي. الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي القرشي رحمه الله تعالى، تتلمذ على يد شيخه مالك. ولاحظوا فراسة الشيخ في التلميذ، وهذا قد مر معنا له أمثلة في تراجم العلماء المعاصرين، في تراجم العلماء المعاصرين: كيف أن الشيخ يتفرس في التلميذ أنه قد ينفع الله به فيبرز، وهكذا يتقدم على قرنائه فيسود مجتمعه، بل قد يكون عالمًا من علماء الأمة. وهذا الذي كان من الإمام مالك مع الشافعي رحمة الله عليهما، لما رأى توقد الذكاء ورأى النباهة من الشافعي، قال له: «إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تطفئه بظلمة المعاصي». وهذا الأثر ذكره البيهقي رحمه الله تعالى في كتابه العظيم "مناقب الشافعي". والبيهقي كما سبق معنا من أجل وأكثر من خدم مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، من أجل من خدم، وهكذا انتفع به في مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. ونظير ما ذكره الإمام مالك في الشافعي، مر معنا أنه كذلكم أيضًا قاله أحد مشايخ الشافعي له، ألا وهو وكيع بن الجراح أبو سفيان رحمه الله تعالى. مر معنا ما ينسب إلى الشافعي أنه قال: «شكوت إلى وكيع سوء حفظي، فأرشدني إلى ترك المعاصي، وأخبرني أن العلم نور، ونور الله لا يؤتى لعاصٍ». قارنوا بين وصية الإمام وكيع بن الجراح، وبين وصية الإمام مالك ههنا لتلميذيهما الشافعي رحمه الله تعالى. وهذا يعتبر درسًا لطلاب العلم: أن طالب العلم يجب عليه أن يصون علمه، ومن أعظم ما يصان به العلم: البعد عن الذنوب والمعاصي، البعد عن الذنوب والمعاصي. فقد يحرم العلم بسبب المعصية تصيبه، بسبب المعصية تصيبه. قال رحمه الله تعالى: «ولا يزال هذا النور يضعف ويضمحل، وظلام المعصية يقوى، حتى يصيب القلب، حتى يصير القلب في مثل الليل البهيم». أي الليل المظلم. النور يضعف، وهكذا يضعف ويقل حتى يضمحل، أي يذهب النور، ويبقى ظلمة المعاصي تقوى وتزيد، حتى يصير القلب مثل الليل البهيم، أي شديد الظلمة. قال: «فكم من مهلك يسقط فيه وهو لا يبصره». يبقى حين أن فقد النور وليس إلا الظلمات. يبقى ماذا؟ يبقى يمشي ويسقط، لربما في حفر، وهكذا يقع في مطبات وحواجز، كل ذلك بسبب النور الذي أضاعه. ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾. قال: «كعمى خرج بالليل في طريق ذات مهالك ومعاطب، فيا عزة السلامة، ويا سرعة العطب». والعطب هو الفساد والهلاك الذي يقع لهذا الإنسان حين أن فقد النور، حين أن فقد النور. قال: «ثم تقوى تلك الظلمات وتفيض من القلب إلى الجوارح، إلى الجوارح». قال: «فيغشى الوجه منها سواد بحسب قوتها وتزايدها، بحسب قوتها وتزايدها». قال: «فإذا كان عند الموت ظهرت في البرزخ، فامتلأ القبر ظلمة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن هذه القبور ممتلئة على أهلها ظلمة، وإن الله منورها بصلاة عليهم». وهذا الحديث حديث أبي هريرة في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى: «إن هذه القبور ممتلئة على أهلها ظلمة». ما الذي ينورها يا إخوان؟ ظلمة اللحود ينورها أمور منها: صلاته عليه الصلاة والسلام على أمته، دعاؤه لهم، وهكذا ينورها القرآن العظيم، ينورها الذكر لله عز وجل، ينورها الصلاة. الصلاة نور، الصلاة نور، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. وكم من الناس من يحرم هذا النور، كم من الناس من ضيع هذا النور. نحن اليوم يا إخوان إذا انطفأت الكهرباء، وماذا أغلقت المصابيح وذهب نورها إلى غير ذلك، كم يشعر الإنسان بهم وغم، ويبحث ولو عن أدنى، عن أدنى نور يضيء له شيئًا من الطريق. فكيف بالقبور التي، التي مليئة بالظلمات، ولا ينورها إلا ما يجعله الله عز وجل من النور لعباده المؤمنين، لعباده المؤمنين. قال: «فإذا كان يوم المعادي وحشر الأجساد، علت تلك الظلمة الوجوه علوًا ظاهرًا يراه كل أحد، حتى يصير الوجه أسود مثل الحممة». والمقصود به أنه يكون متفحمًا مثل الفحمة، أسود. ونور الوجوه ليس هو البياض الذي قد يكون هو صفة البشرة، فكم من إنسان بشرته بيضاء لكن وجهه مظلم بظلمة المعاصي والشرور، وكم من إنسان بشرته سوداء لكن وجهه منير بنور الإيمان ونور الطاعة. فهذا النور لا يكون ببياض البشرة، وهكذا ببهاء البشرة، وإنما يكون بطاعة الله التي يكون عليها صاحبها. وهكذا الظلمة والسواد هو سواد المعاصي وظلمة هذه الذنوب. قال: «فيا لها من عقوبة لا توزن لذات الدنيا بأجمعها من أولها إلى آخرها». قال: «فكيف بقسط العبد المنغص والمنكد المتعب في زمن إنما هو كساعة من نهار أو كحلم؟ فالله المستعان». وهذا يا إخوان لا يعقلها إلا العالمون: كيف يضيع نعيمًا دائمًا وحياة أبدية عند الله عز وجل مقابل ماذا؟ مقابل شهوة فانية ولذة عابرة. الحياة هذه كلها، الحياة هذه كلها التي يعيشها الإنسان، يشعر في ذلك اليوم أنها لم تكن إلا كعشية أو ضحاها. كعشية يعني من بعد العصر إلى المغرب، أو ضحاها من بعد طلوع الشمس إلى زوالها. هذه السنون كلها التي عاشها في هذه الدنيا، قد يعمر الستين والسبعين والثمانين والتسعين، قد يتجاوز المئة، لكنها كظل زائل، كأحلام طيف، شيء يظهر ثم يختفي. هذا هو الملذات والشهوات التي تكون في الدنيا. كيف يضيع جنة عرضها السماوات والأرض، أضاقت على هذا الإنسان كي لا يكون من أهلها؟ الله عز وجل رحمته وسعت كل شيء، كيف تضيق على هذا الإنسان فيكون محرومًا من هذا النعيم وهذا الفضل وهذه الرحمة التي هي عند الله تبارك وتعالى؟ كل ذلك يا إخوان عواقب وخيمة للذنوب والمحرمات. قال رحمه الله تعالى: «ومن عقوباتها أنها تصغر النفس وتقمعها وتدسيها وتحقرها، حتى تصير أصغر شيء وأحقره». انظروا ماذا تصنع الذنوب والمعاصي بالنفوس: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. قال: «كما أن الطاعة تنميها وتزكيها وتكبرها». قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. وربنا عز وجل في سورة الشمس أقسم بأقسام عديدة: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. الفجور سببه الذنوب والمعاصي، والتقوى هي سبب الطاعات وهكذا الأعمال الصالحات. قال ربنا عز وجل بعد هذه الأقسام كلها: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾، قد أفلح من سعى إلى تزكية نفسه بماذا؟ تزكي نفسك بالإيمان والتقوى، وهكذا بالقرآن والذكر والطاعة. قال: ﴿وَقَدْ خَابَ﴾ أي خسر ﴿مَن دَسَّاهَا﴾ أي من جعلها حقيرة وجعلها صغيرة بماذا؟ بذنوبه ومعاصيه. قال: «والمعنى: قد أفلح من كبرها وأعلاها ونماها بطاعة الله وأظهرها، آذاء المفلح. وقد خسر من أخفاها وحقرها وصغرها بمعصية الله، بمعصية الله». والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عليه الصلاة والسلام: «كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها». كل الناس يغدو، فيكون هذا الإنسان إما سببًا لفلاح نفسه وتزكيتها، أو يكون سببًا لخرابها، وهكذا حقارتها، وهكذا خسرانها. كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها. قال: «وأصل التدسية، أي الذي يدسي نفسه ويصغر نفسه: الإخفاء». قال: «ومنه قوله تعالى: ﴿فَيَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾». والآية في سياق ما يصنعه أهل الجاهلية مع تلكم البنات التي هن رزق وهبة من الله عز وجل. قال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾، يتوارى من القوم ﴿مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ﴾ يعني يبقيها حية، يبقيها حية ويصبر ويتحمل الذل والمرارة، ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ يدفنها وهي حية. قال: «فالعاصي يدس نفسه في المعصية ويخفي مكانها، ويتوارى من الخلق من سوء ما يأتي به، من سوء ما يأتي به». ومر معنا الوحشة التي يجدها العاصي بينه وبين نفسه، وبينه وبين الناس، الناس، وأعظم من هذا وذاك بينه وبين الله تبارك وتعالى. قال: «قد انقمع عند نفسه، وانقمع عند الله، وانقمع عند الخلق». لاحظوا كيف تؤثر هذه الذنوب والمعاصي على هذا الإنسان، حتى فيما بينه وبين نفسه، أو فيما بينه وبين ربه، أو فيما بينه وبين الخلق. قال: «فالطاعة والبر تكبر النفس وتعزها، وتعزها وتعليها، حتى تصير أشرف شيء وأكبره وأزكاه، حتى تصير أشرف شيء وأكبره وأزكاه وأعلاه. ومع ذلك فهي أذل شيء وأحقره وأصغره لله تعالى». وهذا يا إخوان: الذل والتواضع الذي يكون عليه العبد أمام الله عز وجل، مهما كان الخير عنده، ومهما كانت الطاعات التي يفعلها، فهذا الخير وهذه الطاعات تجعله عظيم التضرع، وهكذا عظيم الانكسار بين يدي الله تبارك وتعالى. قال: «وبهذا الذل حصل لها هذا العز والشرف والسمو، فما صغر النفوس مثل معصية الله، وما كبرها وشرفها ورفعها مثل طاعة الله، مثل طاعة الله». ولهذا مر معنا أن الإيمان والعلم من أسباب الرفعة: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. ومن الذي يتعاظم على الله عز وجل ويتكبر على الله سبحانه؟ أهم أهل المعاصي أم أهل الطاعة؟ الجواب: أهل المعاصي يتكبر أحدهم على الله. لاحظوا ماذا فعل فرعون، عليه من الله ما يستحق. فرعون كما قال عز وجل لموسى: ﴿اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾، ومعنى طغى: أي تجاوز الحد، تجاوز الحد. ﴿إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ * وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ * فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ * فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ * فَحَشَرَ﴾ أي من أتباعه وقومه، ﴿فَحَشَرَ فَنَادَىٰ * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾. انظروا كيف هي الذنوب والمعاصي تجعل العبد يتعالى ويتكبر على ربه تبارك وتعالى. بخلاف الطاعات: انظروا إلى أحوال الأنبياء والرسل، وهكذا أحوال أتباعهم من الصالحين وأولياء الله المتقين، كيف تواضعهم، وكيف ذلهم وانكسارهم بين يدي ربهم تبارك وتعالى، بين يدي ربهم تبارك وتعالى. إذن، كما ذكر رحمه الله تعالى: أن النفوس تصغر بالمعاصي، وأنها تكبر وتتشرف وتعل وترتفع بالطاعات. قال رحمه الله تعالى: «فصلٌ: ومن عقوباتها أن العاصي دائمًا في أسر شيطانه، أن العاصي دائمًا في أسر شيطانه وسجن شهواته، وقيود هواه، وقيود هواه». قال: «فهو أسير مسجون مقيد، ولا أسوأ سرًا، ولا عندكم ماذا أسوأ أسرًا ولا أسير أسوأ من عنده، ولا أسوأ أسرًا في هذا، في طبعًا من الطبعات، ولا أسوأ أسرًا ماذا ماذا عندك يا باهرون، أسير طيب، ولا أسير أسوأ، ولا حالًا ممن أسره شيطانه الذي هو أعدى عدو له، ولا أسير، ولا أسير أسوأ، أسوأ، أسوأ حالًا، حالًا، طيب، نعم يستقيم بهذا». قال رحمه الله تعالى: «قال: ولا أسير أسوأ حالًا ممن أسره شيطانه الذي هو أعدى عدو له، ولا سجن أضيق من سجن الهوى، ولا قيد أصعب من قيد الشهوة. فكيف يسير إلى الله والدار الآخرة قلب مأسور مسجون مقيد؟ وكيف يخطو خطوة واحدة؟». لكن الشيطان يا إخوان يزين لهؤلاء المأسورين المسجونين المقيدين بماذا؟ بالشهوات المحرمة، وهكذا أيضًا بالشيطان والهوى يصور لهم أنهم أحرار، أنهم أحرار، وأنهم يتمتعون في هذه الحياة أكثر من تمتع غيرهم. يظنون أن الطاعات هي القيد، وأن المعصية هي آه ماذا هي الراحة والفسحة، وهكذا عدم القيد. وهذا من المفاهيم المنعكسة لدى هؤلاء الذين ابتلوا بهذه الشهوات وهذه المعاصي. ينظر إلى من يحافظ على الصلوات، يقول: «أنت تقطع لذة نومك وتذهب وتصلي صلاة الفجر، أنت تعبان، أما نحن ننام نومًا، فلا نستيقظ إلا بعد أن نشبع من النوم، ساعة الثامنة والتاسعة والعاشرة نستيقظ». وأيهما أريح يا إخوان؟ أيهما يعيش في نعيم؟ لا شك أنهم أصحاب الطاعات، الذي يصلي الفجر، ولا سيما في جماعة، هذا هو الذي يشعر بالنعيم. ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان يعقد في قافية أحدكم كم عقد؟ ثلاث عقد. يقول: «نم وراءك ليل طويل». قال: «فإذا استيقظ فذكر الله، ما الذي يحصل؟ انحلت عقدة». طيب، «فإذا توضأ انحلت العقدة الثانية، فإذا قام وصلى انحلت العقدة الثالثة، فأصبح ماذا؟ طيبًا نفسًا نشيطًا، وإلا وإلا أصبح خبيثًا نفسًا كسلانًا».كذا أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: «قال رحمه الله تعالى: قال: وإذا تقيد القلب طرقته الآفات من كل جانب بحسب قيوده. ومثل القلب مثل الطائر: كلما علا بعد عن الآفات، وكلما نزل استوحشته الآفات، استوحشته الآفات. وماذا عسى القلب المقيد أن يعلو؟ وماذا عساه أن يطير ويرتفع وقد أحاطت به القيود من كل جانب؟ آذم معه إلا ماذا؟ آه، إلا أن يزحف في الأرض، تسحبه القيود، ما يستطيع أن يرفع رأسه، فضلًا عن أن يعلو ببدنه». لاحظوا: مثل القلب في الصدر كمثل الطير، كمثل الطير. قال رحمه الله تعالى: «قال: وفي الحديث: الشيطان ذئب الإنسان، الشيطان ذئب الإنسان». والذئب يا إخوان يضرب به المثل في الافتراس. الذئب، حتى إذا لم يأكل يفسد، تجده يدخل زريبة من الغنم أو حوشًا من الماشية. طيب، ماذا عساه أن يأكل يا الله؟ إذا أكمل واحدة شاه يأكلها فتملأ بطنه، لكن ماذا يفعل الذئب؟ ماذا يفعل الذئب يا با أحمد؟ نعم، يفسد، فلربما قتل جميع من في الحوش من البهائم، ثم يأتي ويأكل واحدة. طيب، لماذا هذا الإسراف وهذا التبذير؟ ولهذا قال عليها الصلاة والسلام: «ما ذئبانِ جائعانِ أُرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حب المرء للمال والشرف لدينه، لدينه». قال: «وفي الحديث: الشيطان ذئب الإنسان، قال: وذئبه مفترسه». وحديث «الشيطان ذئب الإنسان» هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وهكذا الإمام عبد بن حميد في كتابه "المنتخب" وهو مسند له، من حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه. والحديث ضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في "السلسلة الضعيفة"، وهكذا أيضًا في "ضعيف الجامع"، وهكذا في غيرها، وهكذا في غيرها. الحديث أورده عبد بن حميد في المنتخب فقال: «حدثنا حسين بن علي الجعفي عن فضيل بن عياض عن أبان، وأبان هو ابن أبي عياش، عن شهر بن حوشب، عن معاذ بن جبل، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان ذئب ابن آدم كذئب الغنم، إن الشيطان ذئب ابن آدم كذئب الغنم، وإن ذئب الغنم يأخذ من الغنم الشاة المهزولة، أي الضعيفة، والقاصية، أي البعيد عن المجموعة، قال: ولا يدخل في الجماعة، قال: فالزموا العامة والجماعة والمساجد، والمساجد». قال العلامة الألباني رحمه الله: «قال: وهذا إسناد ضعيف جدًا، فشهر بن حوشب ضعيف، شهر بن حوشب ضعيف، وهكذا أبان بن أبي عياش متروك، متروك، وله طريق أخرى عند أحمد». قال العلامة الألباني رحمه الله: «قال: وقد كنت غفلت عن هذه العلة حين خرجت شرح العقيدة الطحاوية فصححته فيه، جريًا على ظاهر إسناده، قال: والآن قد رجعت عنه، والله تعالى هو الموفق، وأستغفره من كل زلل». انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وجاء في مسند أحمد، وعند النسائي وأبي داود، وهكذا عند ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من ثلاثة في قرية ولا بد لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، قال: فعليكم بالجماعة، فعليكم بالجماعة، قال: فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية». القاصية، ما معنى القاصية؟ ما معنى القاصية يا أبا سوريا؟ ما معنى القاصية لوحدها؟ بعيدة عن المجموعة، بعيدة عن المجموعة. الذئب إذا جاء ما يأتي إلى مقدمة القطيع تنطحه، لكن يأتي إلى الخلف، ولربما يأتي للجوانب، ولربما يأتي للجوانب. هنا ينظر واحدة ضعيفة هزيلة فيفترسها، أو ينظر واحدة بعيدة عن القطيع، فهذه صيده وهذه فريسته. وهذا الحديث، ماذا؟ صححه العلامة الألباني رحمه الله كما في "صحيح الترغيب والترهيب". وكان شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى يضعف هذا الحديث. على ضعف هذا الحديث، العلامة الألباني يقول فيه: حسن صحيح. قال رحمه الله تعالى: «قال: وإنما يكون عليه حافظ من الله ما دام في طاعته. وكما أن الشاة التي لا حافظ لها وهي بين الذئاب سريعة العطب، أي سريعة الهلاك، قال: فكذا العبد إذا لم يكن عليه حافظ من الله، قال: فذئبه مفترسه ولابد. قال: وإنما يكون عليه حافظ من الله بالتقوى، قال: فهي وقاية وجنة حصينة بينه وبين ذئبه، كما هي وقاية بينه وبين عقوبة الدنيا والآخرة». قال: «وكما قال: وكلما كانت الشاة أقرب من الراعي كانت أسلم من الذئب، وكلما بعدت عن الراعي كانت أقرب إلى الهلاك. قال: فأحمى ما تكون الشاة إذا قربت من الراعي، وإنما يأخذ الذئب القاصية من الغنم، قال: وهي أبعد من الراعي». قال: «وأصل هذا كله أن القلب كلما كان أبعد من الله، لاحظوا يا إخوان: القلب كلما كان أبعد من الله كانت الآفات إليه أسرع، وكلما قرب من الله بعدت عنه الآفات». قال رحمه الله تعالى: «قال: والبعد من الله مراتب، بعضها أشد من بعض، بعضها أشد من بعض. قال: فالغفلة تبعد العبد عن الله، وبعد المعصية أعظم من بعض الغفلة، وبعد البدعة أعظم من بعض المعصية، وبعد النفاق والشرك أعظم من ذلك كله». وأحسن رحمه الله تعالى في تصوره ووصفه لهذا الأثر وهذه العقوبة التي، التي قل أن يسلم منها من وقع في هذه الذنوب والمعاصي. كلما قرب العبد منا من الله، كلما ماذا؟ كان ذلك أحمى، وكان ذلك أحفظ. وكلما بعد عن الله عز وجل، كلما كان عرضة للذئب. ومن المقصود بالذئب ههنا يا أبا جعفر؟ الشيطان، ذئب الإنسان، ذئب الإنسان. وهذا البعد كما ذكر أنه مراتب، فالغفلة عن فعل الطاعات هذه أخف من الوقوع في المعاصي، والوقوع في المعاصي هذا أخف من الوقوع في البدع، والبدع التي هي ليست بمكفرة هذه أخف من النفاق ومن الشرك بالله تبارك وتعالى. أسأل المولى عز وجل أن يحفظ علينا ديننا، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، وأن يجنبنا المصائب والفتن، ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. محمد، محمد