الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 95، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل الدرس بذكر باب البخاري عن مسؤولية المرأة في بيت زوجها، ثم يسرد خبر عبدالله بن المبارك وكرمه في جمع أموال الحجاج وإنفاقها عليهم مع ثناء سفيان بن عيينة على مكانته العظيمة.
يشرح حديث «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» مبيناً أن كل مكلف بأمانة يجب عليه النصح والحفظ، وأن الأمير مسؤول بالعدل والرحمة، ومن قصر في النصح دخل النار بينما من أقام الدين بالرفق نال ظل الله.
يوضح أن كل إنسان راعٍ ومسؤول عن رعيته مستنداً إلى الحديث النبوي، ويبين تشارك الوالدين في تربية الأبناء ودور الزوجة في حفظ بيت زوجها مع التأكيد على أن الهداية النهائية بيد الله.
يختتم المبحث بالتأكيد على الاكتفاء بما ذُكر وتفويض العلم لله تعالى، ويُذكر أن الترجمة من إنجاز نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: المرأة راعية في بيت زوجها». قال: حدثنا عبدان، وهو عبدالله بن عثمان بن جبلة المروزي. وقيل له: عبدان؛ لأنه يُكنى بأبي عبدالرحمن، واسمه عبدالله. قال: وأخبرنا عبدالله بن المبارك، أبو عبدالرحمن المروزي، الإمام. كان يحج عاماً ويجاهد عاماً؛ عاماً يذهب إلى الثغور، ثغور الشام، لعجل الجهاد في سبيل الله، وعاماً يذهب إلى الحج. وكان رحمه الله قد أعطاه الله عز وجل من العلم والدين والمال، فكان إذا أراد الحج جمع أموال أهل مَرْو، يجمعها في الصندوق، يقول لهم: هلموا أموالكم التي تريدون بها الحج، فيضعها في صندوق، ثم يصرف، أو ثم بعد ذلك نفقة الطريق ونفقة الحج يدفعها هو عليه، حتى إذا رجعوا من الحج فرّق أموالهم لهم. ويفعل ذلك رحمه الله لعجل: أولاً يعلمهم الأخذ بالأسباب، وهو أن الإنسان يذهب إلى الحج بنفقته، لا يذهب بدون نفقة. وأيضاً كذلك هو لا يأخذها، وإنما يرجعها لهم، وإنما يريد أن يبين لهم ذلك الأمر. وأيضاً كذلك ما يصرفه من الأموال ونفقته في سبيل الله لهؤلاء الحجاج. قال: أخبرنا... وقد كان رحمه الله صفات له فيه صفات عظيمة، حتى قال شيخه سفيان بن عيينة: ما قال سفيان بن عيينة في عبدالله بن المبارك: «ما سبق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن المبارك في شيء إلا في شرف الصحبة، إلا في شرف الصحبة، وإلا فهو عنده صفات الصحابة». رضي الله تعالى عنه. قال: أخبرنا موسى بن عقبة، وهو المدني الإمام صاحب المغازي. قال مالك رحمه الله: «من أراد المغازي فعليه بمغازي العبد الصالح موسى بن عقبة». قال: عن نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته. والأمير راعٍ، والرجل راعٍ على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولدها، وكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». فهذا الحديث قد سبق الكلام عليه، وفيه أن كل إنسان تحمل أمانة وجعله الله عز وجل أميناً على شيء، فواجب عليه أداء النصيحة فيه، وبذل الجهد في حفظه ورعايته؛ لأنه لا يسأل عن رعيته إلا من يلزمه القيام بالنظر لها وإصلاح أمرها. وأما من لا يستطيع ذلك، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها. ولهذا، فكل من ولاه الله عز وجل رعية، فلابد أن يحوطهم بنصحه، وإلا فقد فرط في أمانته التي أمنه الله عز وجل إياها. في حديث معقل بن يسار في الصحيحين، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من راعٍ استرعاه الله رعية ثم لم يحطهم بنصحه، أن تركهم بعيوبهم، تركهم بمنكراتهم، لم يأمرهم بالمعروف ولم ينههم عن المنكر، فلم يحطهم بنصحه، إلا أدخله الله النار». فليس الأمر بالسهل، فكما قال الله عز وجل: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾. كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته. والأمير راعٍ، أي أمير راعٍ على رعيته. فإن أقام فيهم دين الله، وأقام فيهم بالرحمة والرفق، كان من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ويكرمه الله عز وجل بكرامات عظيمة لما تحمله من المشاق. وأما إذا فرّض وضيّع وقسى على من تحته، فإنه يتحمل عقوبة الله عز وجل إذا شاء ربنا جل وعلا. فأيضاً فالحق: إما أن يطلقه من نار جهنم ويعتقه، وإما أن يؤبقه فيها. فما جاء في الحديث الذي في السنن: «ما من أمير عشرة إلا ويأتي يوم القيامة، أطلقه الحق أو أوبقه. أطلقه الحق أو أوبقه». إما أن يطلقه، أي يطلقه من النار ويعتقه، وإما أن يؤبقه في النار، والعياذ بالله. قالوا: «الرجل راعٍ على أهل بيته»، يرعى أهل بيته من زوجته وأولاده، ومن كان في رعايته من أخواته وغير ذلك، وهو مسؤول عنهم. و«المرأة راعية على بيت زوجها وولدها»، تحفظ بيت زوجها، تحفظ ماله، تحفظ ولده. فإن كان غائباً، أي زوجها، فهي تكون نائبة عنه، فتوجه أولادها إلى الخير. ولا تقول بعض النساء: «أنا التربية ليست لي، وإنما لوالده». وهذا خطأ، فالتربية تكون من الوالد، من الوالد ومن الوالدة، عنه. من الأب والأم يشتركان في تربية الولد. بل الولد غالباً ألصق بأمه أكثر من أبيه، فهو يحتاج إلى توجيه من أمه أكثر من توجيه أبيه له؛ لأجل أن أمه أكثر ما تكون عنده. قال: «ف كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». ففي الحديث، كما قلنا، حفظ الأمانات. ومن أعظم الأمانات أن يحفظ الرجل رعيته من الفساد ومن المنكرات، ويأمرهم بالمعروف، ويحافظ على دينهم، ما يستطيع، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. وأيضاً كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾. فقد يفعل الرجل ما بوسعه من التربية، ويريد أن يربي أبناءه على الخير، فتجد العكس يتفلتون، ويكونون من أهل الفساد. فهذا ليس بيده، لكن ينبغي عليه أن يعمل بالأسباب، والهداية من الله جل وعلا. فهذا ما يذكر في هذا المقام، ونكتفي به، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر