أسس دعوة النبي صلى الله عليه وسلم 9

أسس دعوة النبي صلى الله عليه وسلم 9

الدرس في أسس دعوة النبي صلى الله عليه وسلم 9، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

اهتمام النبي بالعمل الصالح منذ بداية الدعوة

حرص النبي صلى الله عليه وسلم على دعوة الناس إلى العمل الصالح منذ بداية دعوته، وشمل ذلك فعل الطاعات والمندوبات والكف عن المحرمات. كان يدعو إلى الصلاة والزكاة والأخلاق الحميدة في العهد المكي.

دعوة النبي إلى توحيد الله والعمل الصالح

كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى توحيد الله والعمل الصالح، ويأمر بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف وصلة الرحم. استمرت هذه الدعوة في العهد المكي والمدني، حيث كان النبي يأمر الناس بالأعمال الصالحة ويحثهم على الإقبال على الله بكثرة الأعمال.

أهمية العمل الصالح في الإسلام وتأصيله النبوي

ناقش المقطع أهمية العمل الصالح في الإسلام وحرص النبي عليه منذ بداية دعوته، مستشهدا بحديث عبد الله بن السلام وأفعال النبي في بناء المسجد. كما أشار إلى أن الله حبب إليه الأعمال الصالحة حتى قبل بعثته.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، من الركائز المهمة التي اهتم بها نبينا صلى الله عليه وسلم في دعوته الاهتمام والحرص على العمل الصالح، وذلك ببثه ونشره ودعوة الناس إليه، إلى القيام به. فهذا الجانب من الأمور العظيمة التي حرص عليها نبينا صلى الله عليه وسلم، في أنه يدعو الناس إليها في ليله ونهاره، وفي صبحه ومسائه. ونعني بالأعمال الصالحة كل عمل يتقرب به العبد إلى ربه، من فعل الطاعات والمندوبات والسنن والمستحبات، من طاعات ومعاملات وأخلاق وآداب وسلوك، وعلى رأسها الفرائض: الصلاة والصيام والزكاة والحج. وأدخل العلماء في شرعنا مما يدخل في العمل الصالح الكف عن الحرام، وعن ارتكاب الحرمات والمحرمات والجرائم والموبقات. الشاهد، إخواني في الله، أن العناية بالعمل الصالح كان من أعظم اهتماماته عليه الصلاة والسلام، وذلك في بداية أمره وفي بداية دعوته. فمثلا، في العهد المكي، الذي كان نبينا صلى الله عليه وسلم حريصا على بناء اللبنة الأولى، وهي العقيدة، من أن الناس يذعنوا لله بالتوحيد، ولنبينا بالرسالة والاتباع والنبوة، كان كذلك يدعو الناس إلى الأعمال الصالحة. ومما أثر عنه عليه الصلاة والسلام، الأعمال الأمر بالصلاة، فالصلاة كانت موجودة في العهد المكي، فكانت تؤدى عبارة عن ركعتين وتؤدى في الصباح وفي المساء فقط، حتى فرضت خمس صلوات. لكن قبل ذلك كانت تؤدى الصلاة مرتين: مرة في الصباح ومرة في المساء، وعبارة عن ركعتين ركعتين. وهكذا كان الصحابة يصلون في العهد المكي، لكنهم كانوا مستخفين بصلاتهم، ونبينا صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى الكعبة فيصلي أمام الناس. وهكذا، على القول الصحيح، الزكاة، فإن الزكاة من الأعمال الصالحة، بل شرعت على الناس في العهد المكي، على القول الصحيح، كما في قوله تعالى: ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾. هذه الآية مكية، لكن ذكر العلماء أن أصل الزكاة فرضت في مكة، أما ما يتعلق بأنصبتها ومقاديرها وتفريعاتها، إنما كان ذلك في المدينة. وهكذا قسما باب الأخلاق والآداب، فكان عليه الصلاة والسلام يأمر بها الناس، يأمر بها الناس. ومن تأمل في الأحاديث النبوية التي تحكي لنا بداية دعوة عليه الصلاة والسلام، نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم حث ورغب وألزم وأمر بالعمل الصالح. فانظر إلى ما ثبت في صحيح مسلم في أمري وقصة عمر بن عبسة، لما كان مشركا فبلغه مبعث نبينا عليه الصلاة والسلام، فذهب إليه وسأل عنه وذهب إليه وأخبر بأن النبي كان مستخف في قومه، جراء عليه قومه يتجرؤون عليه حتى لقيه، فقال له: «ما أنت؟»، قال نبينا: «أنا نبي أرسلني الله»، قال عمر: «وبماذا أرسلك؟»، قال عليه الصلاة والسلام: «أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله لا يشرك به شيئا»، ثم قال له: «ومن معك على هذا؟»، قال: «معي عبد وحر»، عبد وحر في بداية الإسلام ليس معه أحد. وتأمل في الذي كان يدعو الناس إليه، إلى كسر الأوثان وإلى صلة الأرحام، يأمر الناس بالأعمال الصالحة عليه الصلاة والسلام. وهكذا ما وقع لجعفر بن أبي طالب حينما هاجر إلى الحبشة والتقى بالنجاشي، وأخذ النجاشي يسأل جعفر عن دعوة رسول الله عليه الصلاة والسلام وكيف هو فيكم، فأخذ جعفر يخبر للنجاشي حقيقة نبينا عليه الصلاة والسلام، فقال: «كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام، ويأكل القوي منا الضعيف»، قال: «حتى بعث الله إلينا رسولا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله وحده وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم». تأمل فيما كانت تقوم عليه دعوته عليه الصلاة والسلام، مع دعوته لتوحيد الله، كذلك كان يدعو إلى العمل الصالح عليه الصلاة والسلام، قال: «أمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم». وهكذا أيضا ما وقع في حوار هيرقل مع أبي سفيان حين كان كافرا، فأخذ هيرقل عظيم الروم يسأل أبا سفيان عن دعوة نبينا عليه الصلاة والسلام، عن نسبه وعن دعوته ومن الذي أرسل إليه ومن هم أتباعه، فكان من سؤاله أن قال: «وبماذا أمركم؟»، فقال أبو سفيان: «قال يأمرنا ويقول اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والصلة». كان نبينا يأمر أهل قريش أول ما بعث إليهم يأمرهم بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والصلة، هذه دعوة عليه الصلاة والسلام العناية بالعمل الصالح، وأن كل من ينبغي أن ينتسب لهذا الدين ينبغي أن يتحلى بالأعمال الصالحات. فلا يزال هذا عهده وهذه دعوة في العهد المكي حتى انتقل إلى المدينة، فسار عليه الصلاة والسلام على هذا المضمار بلا كلل ولا ملل، بل منذ أن أول ما دخل المدينة، وكانت هذه الركيزة ماثلة أول ركيزة دعا إليها في العهد المدني. ومنذ أن دخل المدينة أن دعا الناس إلى ضرورة الإقبال على الله بكثرة الأعمال، ظهر ذلك في قوله وظهر ذلك في فعله. أما في قوله، ما جاء في حديث عبد الله بن السلام رضي الله تعالى عنه عندما أخبر عن مقدم نبينا صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، أي في حديث الهجرة عندما هاجر من مكة فوصل إلى المدينة، أخبر ابن السلام رضي الله تعالى عنه عن دعوة الناس ونداء الناس، فكانوا يقولون: «قدم رسول الله، قدم رسول الله، قدم رسول الله»، ذكرها ثلاثا. رضي الله تعالى عنه قال: فجئته إذ لم يكن مسلما، كان من اليهود، قال: فجئته فنظرت إليه فعلمت أن وجهه ليس بوجه كذاب. وكان أول ما قاله، وتأمل للعبارة، أول ما قاله نبينا لما دخل المدينة، قال: «يا أيها الناس أفش السلام وأطعم الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخل الجنة بسلام». هذا أول ما نطق به كما يحدث بذلك عبد الله بن السلام، أول ما سمعته من رسول الله: «يا أيها الناس أفش السلام وأطعم الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام»، كلها أعمال أعمال حرص نبينا عليه الصلاة والسلام أن يتربى الناس عليها، هذا من قوله. أما في فعله، فكما قد علم عنه في حديث الهجرة، أول ما دخل المدينة بناقته وأراد الناس أن يأخذوا الناقة، فكان نبينا يقول: «دعوها، دعوها، دعوا الناقة لا أحد يأخذ بزمامها حتى بركت في محل»، فقال عليه الصلاة والسلام: «هذا المنزل، هذا المنزل»، فسأل عن هذا المحل، ثم اشتراه من أصحابه، ثم بنى المسجد، بنى المسجد، أول فعل قام به بناء مسجده عليه الصلاة والسلام، إشارة إلى أن صلاح المجتمعات تكمن في الأعمال الصالحة، وهي بإقامة الصلاة بإقامة الصلاة. فالشاهد، إخواني في الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتنى من أول أمره في بداية دعوته إلى منتهاها، وهو يأمر ويحث ويرغب بالأعمال الصالحة، بل كان هذا مما حبب إليه حتى قبل بعثته، حتى قبل أن يبعث، قبل أن ينزل عليه الوحي. وقد حبب الله إليه العمل الصالح كما في حديث بدء الوحي، عندما خاف نبينا من الوحي الذي نزل عليه في غار حراء رجع إلى خديجة وهو خائف، قال: «حتى إني خشيت على نفسي»، فقالت له خديجة: «كلا والله لا يخزيك الله أبدا، لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق». هذه صفاته، الله حبب إليه الأعمال قبل أن يبعث، فما ظنكم بعد بعثته؟ فكان عليه الصلاة والسلام أشد الناس حرصا على الأعمال، وهكذا ترغيبا غيره بالأعمال الصالحة. فالشاهد، إخواني في الله، أحب في هذا المقام أن أشير إلى الركيزة الثالثة من الركائز الذي اهتم بها نبينا صلى الله عليه وسلم الاهتمام بالعمل الصالح، وسيأتي معنا في دروس قادمة بإذن الله ما يتعلق بأهمية العمل الصالح في شعيرة الإسلام. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.